طاف بالدنيا. . كما طاف الربيع ... بحنايا الأرض بعثا مرسلاً
ساحر ينفث مل بين الضلوع ... لهب الحب شهى المصطلى
فى يديه معزف الفن الرفيع ... يرسل اللحن طروباً مثملا
يزدهى الأرواح بالكأس البديع ... ريق الخمرة. . لماح الطلى
قد تزول الشهب أو تبلى الشموع ... وسناه فوق أطواق البلى
ماله ؟والكون نشوان الربوع ... يتساقاه رحيقا سلسلا؛
ونداماه احتشاد وولوع ... فارق الروض وولى معجلا !
ماله؟ والكون يشدو بحلاه ... راقص النشوة فياض المرح؛
والليالى مفعمات بهواه ... مد للغيب جناحا.. ونزح؛
أهى الأيام قد آدت خطاه ... بالذى يحمل عن دنيا البرح؟
أهو (الأولمب) نادى بفتاه: ... أيها المتعب: آن المطرح؟
أهو الدهر الذى أترع فاه ... خمرة الشهد وصهباء الملح؟
طاش منه العقل واستلت نهاه ... غمرات من أفاريق الفرح؛
فتولى فى تهاويل رؤاه ... ينهل الراح، ويلقى بالقدح
أيها النازح عن تلك الديار ... أيها الغائب: قد طال الغياب
ما عهدناك على رغم السفار ... ممنعا فى هجر هاتيك الشعاب
ضفة النيل حنين وإدكار ... تمزج الأدمع بالوجد المذاب
طالعت بالشوق آفاق البحار ... تسأل الموج. . وتستهدى العباب
وتنادى الريح: هل حان المزار ... وحلا الوصل على جمر العتاب
ويحها! لم تحظ من طول إنتظار ... وارتقاب مستهاب بجواب
يا نجوم الليل.. ياشمس النهار ... فتشى عندك عن ذاك الشهاب
أيها التائه فى بحر الحياة ... عد تأمل كيف بات الشاطئان
أيها التائه.. إلا عن حماه ... كيف أنسيت هوى تلك الجنان ؟
كيف تزوى السمع عن غالى نداه ... والجوى يزخر فيه والحنان
لم تطلب بعدك أقداح السقاه ... للندامى. . لا ولم تحل الدنان
يا حيارى الشوق: لا تلحوا هواه ... فهو لا يسلو هواكم حيث كان
لا تلوموه بهجر ما جناه ... وسكوت ما له فيه يدان
إنها الأقدار ألوت بخطاه ... وجهة المجهول من قبل الأوان
عبقرى الفن.. رب الملهمين: ... هذه ذكراه حب وثناء
وتراث لك وهاج الزنين ... زامق الذروة مرفوع اللواء
وصلاة فى محاريب الحنين ... جئت أقريها (على) الشعراء
إن عدتها نفحة الشعر الرصين ... لم يجزها لك مشبوب الولاء.
أنا من ذكرك فى غل ثمين ... أجمل الأغلال فى الدنيا الوفاء
كيف أنساك؟ معاذ الخالدين ... وصبايا جوار فى الدماء
خالد أنت على مر السنين ... فى فم الأجيال فى سفر البقاء

