الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

ذكرى حافظ إبراهيم

Share

أفي كل حين وقفة إثر ذاهبِ

                     وصوغ دم أقضي به حقَّ صاحِب

أودِّعِ صحبي واحداً بعد واحد   فأفقد قلبي جانباً بعد جانب

تَساقط نفسي كلّ يوم فبعضُها  

                   بحوف الثرى والبعض رهنُ النوائب

فيادهر دع لي من فؤادي بقية   لوصل ودود أو تذكر غائبِ

ودع لي من ماء الجفون صُبابة أجيب بها في البين صيحة ناعب

وهل صيغ قلبي أو ذخرتُ مدامعي

                                  لغير وفاء أو قضاء لواجب

فقارب أخاك الدهر والعيش مسعف

                             فسوف تُرَى بالموت غير مقارب

حياة الفتى بعد الأخلاء زفرة    تَرَدَّدُ ما بين الحشا والترائب

رعى الله فتياناً وفوا حق شاعر  

                  وفيٍّ على مَض الخطوب الحوازب

وفيّ لمصر لم يدنس قريضه     بحمد خؤون أو بإطراء كاذب

وفيّ وفاء الرسل بين معاشر  نصيب الحمى منهم وفاء الثعالب

يدورون بالأمداح يبغون مأرباً    فيا ضيعة الأوطان بين المآرب

فبينا ترى حمداً ترى الذم بعده

                          يريك فصول العام شِعرَ الأكاذب

فدع عنك شعر الحمد والذم إنني   نصحت بما قد أقنعتني تجاربي

وكن أمّة لم تُعنَ إلا بأمَّة   فنفسك لم تخلق لسخر الألاعب

متى تخلص الأقلام للنيل وحدهُ    فمن شاعر عالي الشعور وكاتب

إذا الشعب بالنواب عز مكانُه    فشعرك إن تنصفه أبلغ نائب

وهل نائب زكيتموه كنائب    يزكيه صوت الله أعدل ناخب

وشتّان بين اثنين نائب أمة   ونائب إنسانية في المصاعب

فهذا إلى وقت من الدهر ينقضي    وذاك عن الأجيال آت وذاهب

لقد فقدت مصر بفقدان حافظ   لسانا كوقع المرهفات القواضب

فسل عنه في الموتى   (كرومر)  إنه   سقاه بكأس الشعر سمّ العقارب

ألم يرمه في دنشواي بضربة  سرى وقعها في شرقها والمغارب

أطار صواب اللورد صاعق هولها    فولى على أعقابه غير آئب

وشد على قصر الدبارة شدة     تبين منها اللورد سوء العواقب

تداعت بها أركانه وتجاوبت   مقاصيره تبكي بكاء النوادب

وكاد يقول القصر للورد: أخلِني    فلو دام هذا القذف لاندك جانبي

ظلمت فما ذنبي تعرِّض ساحتي   عناد الليث مرهف الناب غاضب

فلو كان لي في ساكني متخيَّرُ   لأغلقت بابي دون إيواء غاصبي

وسل بعده غورست ما فعلت به    بَواتِر أمضى من نصال المضارب

بَواتر صاغتها قريحة شاعر    من اللفظ لم تحفَل بحشد الكتائب

تمزق من أعراضهم لا جسومهم   فما القتل أن تعني بحشو الجلابب

وما قتل الأحرار كالهجو إنهم   يرون أليم الطعن طعن المناقب

ولم أر سيفا كاللسان قرابه   فم وشباه من قواف صوائب

يُرى شِعرُه بين الصفوف محارباً  وصاحبه في الناس غير محارب

وسل مجلس الشورى تجبك من البلى

                     مواقف صرعى الجاه صرعى المناصب

رآهم لأغراض العميد مطية  وأن الحي الأشياخ لعبة لاعب

فأوتر قوس النقد غير مصانع    وسوّد مبيّض اللحي غير هائب

فذاك جلال الشعر لا شعر عصبة    يطالعنا تجديدهم بالحواصب

هُم جدري الشعر آذوا جماله ... بما ألصقوا في حسنه من معايب

عناوين كالألغاز حيرت النهى ... ومما تحتها معنى يلذ لطالب

دواوين حسن الطبع موّه قبحها ... وهل يخدع النقاد نقش الخرائب

فيا ضيعة الأوراق في غير طائل ... ويا طول ما تشكو رفوف المكاتب

وكم دافعوا عن مذهب العجز جهدهم ... فما غسلوا أسواء تلك المذاهب

وكم ملأوا بالزهر والنهر شعرهم ... بلا طيب مستاف ولا ريّ شارب

وكم يذكرون الأيك والطير صدحا ... عليها فلم نسمع سوى صوت ناعب

وكم لهجوا بالشمس حتى تبرمت ... بهم وتمنت محوها في الغياهب

وكم أقلقوا بدر الدجى في سكونه ... وكم أغرقوا سماعهم بالسحائب

وكم هاتف بالخلد منهم وشعره ... تُوفِّىَ سقطا قبل عقد العصائب

وشاك أذاة الحب أطفأ جمره ... بشعر كبرد الثلج جم المثالب

فأقسم لو يبغي وصالا بشعره ... لَجانبه من لم يكن بمجانب

إذا ما احتفى بعض ببعض فإنهم ... نواضب علم تحتفي بنواضب

أكل متاع كاسد عند غيركم ... يروج لديكم يا بلاد العجائب؟

وكل أخي زيف نفاه سواكمُ ... يرى فيه من أخياركم ألف راغب

لقد راج دجل الشعر عند رجالكم ... كما راج دجل السحر عند الكواعب

تواصت بغبن شيبكم وشبابكم ... وفوضى الهوى ساوت مجداً بلاعب

فأحجم عن ميدانها كل سابق ... جوادٍ وجلى فيه تهريج صاخب

وأمسى زمام الفكر في يد عصبة ... هم المثل الأعلى لسخف المواهب

علام يجيد الفن في مصر متقن ... إذا كان بالتهريج نيل المراتب

فيا جهل واصلنا ويا علم فابتعد ... ويا حمق لازمنا ويا عقل جانب

أرى الجهل نورا في بلاد رجالهم ... خفافيش يعيشها ضياء الكواكب

إذا الشعب بالإهمال أرسب عاليا ... فلا بدع لو يعلو كل راسب

اشترك في نشرتنا البريدية