تستعد دوائر مصر الادبية والفنية للاحتفال بذكرى مرور ست وعشرين سنة على وفاة شوقي فقد توفي في ١٤ اكتوبر ١٩٣٢ اى بعد وفاة حافظ ببضعة شهور
وفي خلال هذا الربع قرن لم يفتأ المصريون - ولا الناطقون بالضاد يذكرون شوقي اما بالحديث عن شعره او عن حياته او سماع شعره الذي يغنيه اكبر المغنين في مصر والأقطار العربية ولا عجب ان يتعلق المصريون بشاعرهم كل هذا التعلق ويكبرونه كل هذا الاكبار فانه مما لا شك فيه ان مصر لم تنجب في كل عصورها شاعر اعظم منه وأكبر شهرة في العالم العربي ؛ ومنذ ان وقر في نفس المصريين انهم لم ينجبوا خلال عصور العربية شاعرا ضخما يقف ازاء بعض شعراء العراق مثل الشريف الرضي والمتنبي او شعراء الشام مثل البحتري وابي تمام او شعراء الأندلس مثل زيدون وابن هاني فقد ظلوا رازحين تحت ثقل هذا المركب حتى نبغ شوقى فارتفع به النقد الحديث الى مرتبة اولئك الفحول وتنفس المصريون الصعداء حين بايعت سائر اقطار العروبة شوقى بامارة الشعر الحديث ان صح ان للشعر امارة - وكانما اعترف الجميع بانتقال زعامة الشعر الى القاهرة
وفي هاته الذكرى السادسة والعشرين نريد ان نستخلص بعض العبر من حياة شوقي الادبية لان كل ما يمكن ان يقال عن ادبه وشعره قد قيل خلال هاته السنوات الماضية على اننا نرى من المفيد ان نلم باهم مراحل حياة الشاعر لنذكر بها من لا تسمح لهم ظروفهم بالرجوع اليها فى مظانها ولنعرف بها من لا يعرفها من شباب المتادبين
ولد شوقي في سنة ١٨٦٨ من عناصر متشابكة ليس فيها شيء من العنصر المصري الخالص - فجده للأب من اصل عربي شركسي وجده للام من اصل تركى وجدته من اصل يوناني وتربى في القصر مع جدته اليونانية في حجر
الخديوي اسماعيل وادخل الكتاب في سن الرابعة ثم الى مدرسة المبتديان ثم التجهيزية حيث تخرج فيها وعمره خمس عشرة سنة ثم الحقه ابوه بمدرسة الحقوق سنة ١٨٨٥ والتحق فيها بقسم الترجمة ومنح الشهادة النهاية وتوظف فى ديوان الخديوي توفيق وراى هذا ان يوفده في بعثة الى فرنسا فاختار دراسة الحقوق وبقى ينتقل بين مونبيلية وباريس ولندن حتى حصل على الاجازة النهاية في آخر السنة الثالثة فرجع الى وطنه وعين مترجما فى السراى ولكن نبوغه فى الشعر قربه من الخديوي عباس الذي اوكل اليه كثيرا من المهام وقدمه على جميع رجاله - وما زال يعمل معه حتى نشبت الحرب الكبرى سنة ١٩١٤ ومنع عباس من دخول مصر وابعد اصحابه ونفى شوقى الى اسبانيا حيث ظل طوال الحرب في برشلونة ورجع الى مصر عقب ثورتها الوطنية سنة ١٩١٩ وقوبل بحماس من طرف الوطنيين ومن هذا الحين اتجه شوقى الى الشعب واختلط به في النوادى والمقاهي والمطاعم . واول عبرة نستخلصها من حياة شوقى هى ان هذا الشاعر قضى حقبة من حياته ( عشرون عاما ) فى عزلة عن حياة مصر وآلامها وآمالها لا هم له الا الدعاية لسياسة الخديوي عباس عند الجمهور وفي الصحف يميل مع ميوله ويعتنق ما يعتنقه سيده من المبادىء السياسية " ويغني له ما يشاء من النغمات
لم تكن له غاية من قول الشعر الا الظفر برضا ولي نعمته او التحصيل على رتبة من الرتب التشريفاتية او قضاء حاجة من حاجات طلاب الرتب والوظائف - اونيل مال يعيش به مرفها منعما بين منزله في مصر " كرمة ابن هانئ " ومنزله في الاسكندرية " درة الغواص " - لكن هاته الحياة لو استمر عليها - لم تكن لتجعل منه اكثر من شاعر بلاط يتكلم بلسان غيره ويعبر عما يحب اميره ان يعبر عنه ويعيش الى ما شاء الله فى برجه الذهبى عيشة ارستقراطية بعيدا عن الشعب مجهولا منه لكنه لحسن حظه لم يطل الاقامة فى هذه العزلة - فحين رجع من منفاه باسبانيا رأى بلاده قد قامت بثورة وطنية ( سنة ١٩١٩ ) سالت فيها دماؤهم وتبلورت افكارهم فاصبحوا يطلبون الحرية ويودون التخلص من الاحتلال الاجنبى - فجاشت فى نفسه آمال شباب مصر - ثم التفت التى بقية البلاد العربية قرآها هى الاخرى ترزح تحت قيود المستعمرين وتضطرب بين ايديهم طالبة الانطلاق والحرية فاحس شوقى بان شعره يجب ان ينصرف الى التعبير لا عن آلام مصر وحدها بل آلام العالم العربي كله
فنحن في الشرق والفصحى بنو رحم ونحن فى الجرح والآلام اخوان
فأخدي يرسل هاته الايات الفنية محلقة فى سماء الوطنية حتى ليمكن القول ان نعد شوقي من رواد هاته " القومية العربية " التى اكتسحت اليوم مسرح السياسة واصبحت حديث المدائن والقرى واستطاعت بمفعولها السحرى ان تستفتح كثيرا من المغالق :
والعبرة الثانية او على الاصح - الميزة - هي ان شوقي حين انضم الى صفوف الوطنيين اصبح يتكلم بلسانهم ، ويعبر عن رغباتهم ، ويستوحى افكاره من الافكار الغالبه في الاوساط السياسية والحزبية دون ان ينضم إلى حزب معين بل ربما ظهر في بعض الاحيان بمظهر الحكم الذي ينعى على الاحزاب تشاحنها ويحاول توحيد كلمتها
الام الخلف بينكم الام ؟ وهذي الضجة الكبرى علام ؟
ويمكن القول ان شوقي في طوره الوطني كان اشبه شئ بشاعر القبيلة في العهد الجاهلي لا يحيا الالها ولا يعبر الا عن آرائها ورغباتها ولا يدافع الا عن مصالحها ولا يشيد الا بفضائلها لكى تسبغ عليه القبيلة بدورها رعايتها وتعده شاعرها ولسانها وتباهي به سائر القبائل لا فرق في ذلك بين شاعر الجاهلية وشاعر العصر الحديث الا ان شاعرنا كان اوسع دائرة فكر ، واكبر رقعة ارض من شاعر القبيلة الذي لا يتسع شعره الى اكثر من قبيلته فشوقي ابعد الشعراء عن الشعر الذاتي الذي تتبين فيه عواطف الشاعر وميوله وافكاره وما يحب وما يكره من الأشياء والاشخاص .
لم تكن لشوقي عواطف الا ما يستوحيه من الازمات السياسية والاحداث الهامة ولم تكن له ميول الا ما يميل اليه الراى العام ويتطلبه زعماء السياسة ولم يكن يبغض او يحب الا ما يحبه المجتمع المصرى او ببغضه فهو يغنى للشعب ما يشاء من النغمات كما كان يغنى للخديوى ما يشاء من النغمات وهذا يفسر لنا بعض الشيء عجب الناس من انه لم يات بعد شوقي من يخلفه او يقوم مقامه وما دروا ان الشعراء بعد شوقى قد ابوا فيما يخيل إلى ان يكونوا الآلة التى يوقع عليها غيرهم ما يشاء من الالحان ، وان شوقي كان آخر من يمثل هاته
النزعة " الغيرية " في الشعر وهو على عتبة دخوله الى النزعة الرومانتيكية .
والميزة الثالثه هي ان شوقي لم يكن يطلب من قول الشعر الا المجد الادبي ولا شئ غير المجد الادبى والذين يتساءلون لمن يكتب الاديب وينظم الشاعر يجيبهم شوقى بكل صراحة انه ينظم لمن يسبغون عليه هذا المجد ، ويعدونه " شاعر القبيلة " دون مدافع - ان المتتبع لحياة شوقى الادبية واطوارها يلاحظ فى سهولة ويسر هذا التطلب للشهرة والمجد الادبي والدفاع عنه دفاع المستميت والغيرة عليه من كل متطاول او مهاجم فشوقى فى حياته الخاصة رجل عادى وربما تكلف بعض كتاب سيرته ممن عاشروه الاعتذار له عن هفوات اخلاقية وطبائع عامية لكنه كان فى حياته العامة قانصا ماهرا يتصيد الفرص لينظم فى الحادث الذى يتحدث به كل الناس ويمدح الشخصية الدينية او الاجتماعية التى يقدسها الجمهور ويرثى من يهزمونه المشاعر العامة حتى يكون ذكر الحادث مقرونا بذكره ، وشهرة لشخص مغذية لشهرته وقصيده هو خلاصة ما يروى وما يقال فى ذلك الامر .
ومن هنا نفهم لماذا كان شوقى يغدق على اصحاب الصحف النقدية (١) التى يخشى تطاولها عليه رغم شحة بالمال فى مواطن اخرى ، ولماذا كان يخاف النقد خوفه من الموت - ولا شك ان اشد فترة مرت به فى حياته هى الفترة التى تصدى له فيها العقاد بنقده الشهير فى كتابه " الديوان " وفي رأيي ان شوقى سوف يبقى مقروءا الى جانب فحول شعراء العربية لا بالموضوعات التى نظم فيها ولا بالافكار التى اتى بها بل من اجل اسلوبه الشعرى وموسيقى نظمه الرائعة وهو اصدق مثال لقولة الناقد الفرنسي Faguet ان جمال الاسلوب هو الذي يخلد " .
لقد حاول النقاد ان يصدوا الناس عن شعر شوقي ولكنه كان يجذبهم اليه بسحر موسيقاه الاخاذة التى ترن فى الاذان وكانها سمفونيات خالدة (٢) ومما لا شك فيه ان شوقى ابرع الشعراء وادقهم حسا فى اختيار اللفظة الموسيقية والصورة الشعرية المتالقة .
ومهما يكن من امر فشوقي يعد مفخره من مفاخر الشعر العربي وسيظل كذلك الى ما شاء الله .

