الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586 الرجوع إلى "الرسالة"

ذكرى عيد(*)

Share

تجرّمت سنون وسنون عهدت فيها قومى إذا ما أظلهم العيد،  فزعوا إلى قبور تملأ الرحب، ويتيه دون حصرها البصر،  فطووا هنالك الساعات الطوال يبكون آباءهم وآباء آبائهم،  فإذا جنهم الليل ثووا إلى دارهم، وكأنما العيد فى أنفسهم  أشجان وأوصاب وآلام.

وإذ أنا طفيل لا أميز درجت على محاكاة هذه العادة، حتى  أمسيت معيدا لها وتعلقت منى بالطبع، فما دلف عيد إلا وجدتنى  أهرع إلى المقابر أخط بين شعابها، وما أحسب أن هذى  الأجداث كان لها يومئذ وحى فى قلبى أو صدى فى نفسى لقد كانت النفس كابية بليدة، والطفل مادى بطبيعته لا يأخذه

إلا ما تعلق بالحس ورمز إلى الفم، وكان من لطف الله بى أن  جعل طفولتى ماتعة يانعة، وكفل لى فى ريق الصبا الهناءة  والمسرة، ومن لطفه أن خلى لى والدى وأخوتي، فلم أفجع فى  أصل من أصولي، ولم أرزأ فى فرد من حاشيتى إلا من توفى فى  المهد، وسمك ستار النسيان بينى وبينه، وتراخى دون ذلك  حبل الزمان

وإذ تتصل النفس بهذا، ويمد لها فى أسباب المرح،  وأغدو فى صحبة من لذاتى متهللين مفاريح، لا يكون على من  حرج إذا زعمت أنى كنت أرى قبور السابقين من أهلى وعشيرتى  بعين لا ترى فى الحياة إلا كل سار بهيج، وأنها كانت منى  بمنزلة الأرجوحة ومقام الألعوبة، ألهو بألوانها وتزويقاتها  كما ألهو بأحماض الحياة الأخرى

ولا احسبنى بكيت مرة ولا اعتبرت ولا استعبرت إذ أطالع  رقيم قبر تدلى صاحبه إليه لعهد قريب لقد رأيتنى من الموت بمنجاة، فما فكرت فيه، ولا

استكنهته، ولا عرفت شيئا عن برزخ الموتى، ولو أنى جواب  فى مدينة الأموات!

بيد أن شيطانى لقد ذهب فى غلوائه بعيدا، فحدثنى بالخلود  حين أجول فى مدينة الأموات أرقب صخور مقابرهم تنهشها  يد الزمان، وتأتى على حجارتها وطلائها عاديات البلى، فتهدها  هداً وتمهدها أجداثاً لقوم آخرين

لكنما كان يتغشانى فى بعض الحين خشوع لا يستعلن لى ك نهه ولا يستبين أمره، فأوقن في نفسى بأنى لا محالة مائت  فمنتقل إلى غير هذه الدار، وأنى ملاق حسابيه، ولا يتداخلنى  الشك فى ثواء الجنة!

ولعل مرجع هذا إلى العقيدة، وإلى الأوالى من التلقينات  الدينية، ورد كل منزع فى نفس الإنسان إلى أصله ليس فى  العلم بكثير

وأيفعت وطر شاربي، وعرانى ما يعرو الشباب عادة من  اجتراء العقل ومحاولته بسط نفوذه على سائر مشاعر الإنسان  ما تعلق منها بالحس، وما تعلق بالروح والمعنى، فأقلعت عن  زيارة المقابر فى يوم العيد، وعدلت بهذا الدافع عن جهته،  وصرفته إلى ما حسبت إنه خير من مشاهدة قبور الموتى المكتئبة  الباهتة، ولم تكن فى ديدنى لتعدو صورة من صور الحياة تغاير  ما يقع عليه الحس من ألوان الصور. غير أن الكآبة رانت على  قلبى فرأيتنى أنزع إلى الاعتكاف فى الدار طوال أيام العيد،  وكأنما كنت أستحس فى ذلك معنى العيد! وطال عهد الهجر بينى وبين مدينة الأموات وأهلها الثاوين

ثم اكتاد لى الدهر مصطنعاً مع القدر مؤامرته، فأوقع بى  الضربة على غرة مني، وتسلل الموت إلى أبى فى موهن الليل إذ  الناس رقود كأنه خشى أن يختلسه منى على أعين من الناس! عرفت إذ ذاك معنى الموت، وفهمت إنه لحياة بداية،  ولحياة نهاية، وأدركت إنه لابد مخترمى على وجه الأيام، وإن  وصلت بالعمر أحقاب وأجيال وأعوام، وما اخضل عود إلا  ليختضر، وما طال عمر إلا ليقتصر!

كذلك قضى الله بقضائه الحق، وخرجت يوم العيد أسعى  أول ما أسعى إلى جدث والدى أترحم عليه وأقرؤه السلام،  وإذ أقف منه على مقربة إذا بالدمع ينبجس ويطفر، وإذا بالصدر  يشهق ويزفر، وهذه الأحشاء تغلى وتفور، وهذه الأرض ترتج  بين يدى وتمور، والفؤاد منى يتواثب ويصطرع، والكبد  تكاد تنشعب وتنصدع. ويا له من يوم عصيب!

ما أقسى العيد على القلب الوجيع! يا لله لقد تغير المعنى الذى كنت أحس يوم كنت أرى  المقابر إلى معنى آخر لا يتعلق به الوصف حين شهدت مقبرة أبي!  وفقهت مغزى غير ما عرفت من حكمة زيارة القبور، إنها تعنى  رسالة الموت إلى الحياة، أو خطبة الأموات فى الأحياء واستمداد  معنى الحياة من الفناء

وعظتنى يا أبى حياً وميتاً، ولقد والله كنت فى موتك أبلغ  مقالة من منطق الحياة والأحياء، ومن يأس الموت بعثت فى قلبى  حى الرجاء، فهمت منك فى موتك ما كنت أسمعه منك فى  حياتك، واستوحيت من صمتك ما كنت أعرفه فى كلامك،  وفقهت من همودك ما ألهمتنى حركتك.

كنت فى الممات بليغاً مبيناً أن كاد ليقذف فى روعى أنى أسمع  مقال خطيب، أو قصيد شاعر طويل النفس قوى الجنان وكنت أعيب على من يبنى القبور، هذه النصب يقيمونها  كالأوثان، فترد الذهن إلى ما كان الأقدمون يسوون لعبادة  غير الله، حتى إذا مات أبى رأيت غير ما كنت أرى بعين القلب والعاطفة، لا بعين العقل والتفكير أقاموا له بين الأجداث قبراً فكأنما هو تذكار لقلبى وأثر  لوجداني، وإذا أنا أحس لهذا الحجر القائم حقيقة تقول إنه  قائم فى قلبى تضمه أضالعي، وكأنه موسيقى الوجدان، أو سطر  الحياة فى لوحة الزمان.

لقد صار لى بين المقابر بنية، وفى أرض الأجداث سهم،  وثوى أبى إلى ربه راضياً، فهو فى الأموات ميت، ولكنه فى  نفسى حى تزجى إليه تحيتى فى يوم العيد

(الرمل)

اشترك في نشرتنا البريدية