الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 629 الرجوع إلى "الثقافة"

ذكرى مرور السنة على الدكتور مشرفة باشا

Share

فى مثل هذا اليوم السادس عشر من شهر يناير من العام الماضى . نكس العلم رايته ، إذ لقى ربه المغفور له على مصطفى مشرفة باشا ، بعد أن أدى رسالته على أكمل وجه . مات بغتة يموت الفجأة وهو موشك أن يتهيأ لحضور حفلة البرلمان ، وبذلك استرد الله وديعته الغالية ، وطوى الدهر أحد العلماء العالميين الذين نفعوا العلم والعلماء ، فصعدت روح ذلك العالم الكبير الفذ إلى بارئها . ولكل أجل كتاب . كان قبساً من نور منحته السماء للأرض ، ثم استردته ، بعد أن خلف للعلم والأدب أبدع ما أنتجت العقول البشرية على مر العصور ، من تراث ما زال يبهر الألباب ويلقى المزيد من التقدير والإجلال . كان منهلاً عذباً فرائاً للثقافة فنضب ماؤها ، وكان سجلاً جامعاً شاملاً للعلم والأدب فطويت صحائفه ، وكتابًا محيطاً زاخراً للبحث العلمى الفريد ، فانطوى عليه غلافه ، ومصباحاً منيراً فحيا شعاعه ، وخسرت مصر بوفاته عالماً من خيرة العلماء لا فى مصر وحدها ، بل فى العالم كله ، كما خسرت فيه نشاطه الجم الوفير ، وغيرته على العلم ، وسعة اطلاعه . وقدرته الفذة ، وكلها صفات استحق من أجلها أكبر التقدير وأعظم الإعجاب .

انطفأ نور ذلك العقل الجبار . وخبث قوة تلك النفس الملهمة ، وهمد ذلك الجسد ، فخسرت مصر عبقرية من ألمع العبقربات لا يجود بها الزمن إلا فى القليل ، وفقدت البلاد بوفاته عالماً مجاهداً ، عرفت له المحافل العلمية فى مصر والخارج أياديه البيضاء على العلم والمتعلمين . وانطوت بذلك صفحة حافلة بالكفاح الطويل والعزيمة التى لا تهزم ، بل طويت صفحة من صفحات العلم ، بل فقدت البلاد عقلاً راجحاً وقلباً واعياً وشخصية ممتازة تغرى بالمحبة والمهاية ، وحياة حافلة بمواقف الشجاعة والكرامة.

لقد أشادت الدوائر العلمية العالمية بذكره كعالم دولى له

مكانته المرموقة بين رواد العلم السابقين ، ولا سيما فى أبحاثه القيمة عن الطاقة الذرية ، ونوهت تلك الدوائر بأن وفاته خسارة للعالم .

ولعل المصريين لا يزالون يذكرون أحاديثه التى حمل فيها لواء الدعوة للإسراع بإتخاذ أسباب الوقاية من أخطار القنبلة الذرية ، وأحاديثه الأخرى العلمية الفريدة ، وأبحاثه المهمة فى نظرية الكم ، وكيف أنه كان معنيا بالمسائل العلمية والرياضية ، مشجعاً المشتغلين بها . وانه صاحب الفضل فى إنشاء الكثير من الجمعيات العلمية المصرية . وكيف أنه رحمه الله خلق بمصر روحاً علمية جامعية لخلق علماء مصريين ، وكيف سعى لتبسيط المعارف ونشر الكتب العلمية المبسطة.

وللفقيد - طيب الله ثراه - آراء في الرياضة البحثة ،

وفي الطبيعة النظرية ، يعتد بها كثير من العلماء في مصر والخارج ، حتى إن العالم الإنجليزي الكبير جيمس جينر في كتابه ( الكون الغامض) عرض لنظرية العقيد العزيز في تفسير الإشعاع الضوئي الصادر عن الشمس .

وجدير بالذكر أن الأيام حققت صدق نبوءة العقيد الوفى سنة ١٩٣٩ ، بأن النتائج التى انتهى إليها العالمان الكبيران هاهن وشتروسمان فى شطر الذرة ، كانت أعظم كشف عالمى .

ويكفي للدلالة على مكانته الرفيعة بين مصاف العلماء فى الدنيا أنه كان أحد الباحثين القلائل فى الذرة ، ومن العلماء القلائل الذين يفهمون النظرية النسبية وأسرار الذرة ، حتى إن السير أوين رنشارد سون البحاثة الكبير فى العلوم الرياضية قال عقب موته : "إن العقيد كان بلا شك من أعظم علماء الطبيعة الرياضيين البارزين فى العالم ، وإن وفاته فى هذه السن المبكرة جاءت خسارة لا تقدر للعلم ، لا فى مصر وحدها ، بل فى جميع أنحاء العالم أيضا" .

وبعد ، فنرى أن فى هذه الذكرى حافزاً على استنهاض الهمم وإحراز قصب السبق فى ميدان النبوغ فى العلم ؛ فقد كان - طيب الله ثراه - يدين بمبدأ العلم للعلم . والعمل للواجب ، وعلى هذا عاش طول حياته مجاهدا للعلم ، مخلصا لواجبه .

كان الفقيد العزيز فى كل مراحل دراساته مثار الإعجاب والتقدير ، اشترك فى كثير من المؤتمرات العالمية العلمية ، فكانت آراؤه وأبحاثه فى هذه المؤثرات مفخرة لمصر وللعالم العربى ؛ ولهذا ظفر بتقدير الهيئات العلمية فى الخارج قبل الداخل ، واختير عضواً فخريًا فى جمعيات علمية عدة ، ومما هو جدير بالذكر أن جامعة برنستون ، وهي من جامعات أمريكا التى تتمتع بمكانة ممتازة ، والتى لا يقبل فيها إلا طلبة الدراسات العليا ، والتى لا نستقدم إليها إلا فحول الأساتذة من مختلف الدول مثل أينشتين وبرونتج مستشار ألمانيا السابق ، قد طلبت إليه أن يحضر إليها على نفقتها كأستاذ زائر لما له من أبحاث علمية مبتكرة ، وفى هذا ما فيه من التشريف لمصر ، لأنه دل بحق على أنه خير عنوان لمصر على نهضتها العلمية ، وأن مصر العظيمة تنجب العظماء ، ومع كل هذه المكانة العالمية الكبيرة التى نالها الفقيد - نضر الله وجه - فإنه كان عند خلق العلماء ، جم التواضع ،

شديد الإيمان بالله ، يهب كل عنايته للعلم والواجب ، حتى قضى شهيدهما.

وقف حياته على العلم حتى وقف فى صف كبار العلماء من جيله فى الدول الكبرى ، وأحرق أعصابه . وألهب حواسه . ليرقى الأبحاث العلمية بمصر ، وبذل جهده فى تثقيف العقول ، وتنوير الأذهان ، وتنشئة الجيل وأوجد مدرسة يسودها الضمير والخلق الطيب والبحث العلمى الصحيح وبذلك نقش اسمه بحروف من نور فى صقر الخلود .

أخى لقد أحببت ذكرك بما ساهمت فى النهضة العلمية ، وبما تفعت الشرق والغرب من مؤلفات ، وأعليت قدرك بما انزلت به من صفات أخلت الطريق أمامك ، وأفسحت لك من مناصب الدولة حتى بلغت أرقاها ، وأنت فى سن الشباب . ما ضاقت مروءتك فى ضيق أوسعة ، ولا اعتلت بشاشتك فى مرض أو صحة ، فتعلقت بك القلوب ، وكنت محل تقدير وحب فى النفوس .

وقد لقيت في حياتك ما يلقاء دائما كل عبقري عظيم ، لقيت الخصومة والحقد ، فلما قضيت زالت غشاوة الأحقاد ، وتقشعت سحب الأوهام ، وظهرت شمس الحقيقة ، فأزالت غشاوة الأحقاد . فعرف لك الناس قدرك ، وما زال سنا مجدك يشع من الشعلة التى ومضت ، وعلا وسما فلقت الأنظار إليك ، وشغل الناس بك حيا وميتنا ، ولقد كنت مثلا أعلي في الوقار والأتزان والاستقامة ، دائبا على قول الحق والصدق ، عزوفا عن السفاسف والصغائر . منتزها عن كل ما يحل بالمروءة وكرم الأخلاق ، كنت - طبيب الله تراك - عظيم النفس ، مرهف الحس ، عفيفا أبيا كريما وفيا شجاعا ، تقيا ، وبذلك فقد المصريون بفقدك رجلا تعرد بمزايا لا يستهان بها في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل كفاية ورأي وتفكير .. ولئن مت فستظل حيا بآثارك الخالدة ، لأن أسمك من الأسماء التي لن تموت ، بل سيظل أسمك حية في خواطر المصريين جميعا ، في هذا الجبل والأجيال التي تليه ، وسيبقى تراثك الثمين . ثابتا كالطود ، يحمل مشعل العلم نورا إلى العقول والأفكار ... والله نسأل لك جزاء العاملين .. ولأمتك الصبر الجميل .

اشترك في نشرتنا البريدية