فى مثل هذا اليوم السادس عشر من شهر يناير من العام الماضى . نكس العلم رايته ، إذ لقى ربه المغفور له على مصطفى مشرفة باشا ، بعد أن أدى رسالته على أكمل وجه . مات بغتة يموت الفجأة وهو موشك أن يتهيأ لحضور حفلة البرلمان ، وبذلك استرد الله وديعته الغالية ، وطوى الدهر أحد العلماء العالميين الذين نفعوا العلم والعلماء ، فصعدت روح ذلك العالم الكبير الفذ إلى بارئها . ولكل أجل كتاب . كان قبساً من نور منحته السماء للأرض ، ثم استردته ، بعد أن خلف للعلم والأدب أبدع ما أنتجت العقول البشرية على مر العصور ، من تراث ما زال يبهر الألباب ويلقى المزيد من التقدير والإجلال . كان منهلاً عذباً فرائاً للثقافة فنضب ماؤها ، وكان سجلاً جامعاً شاملاً للعلم والأدب فطويت صحائفه ، وكتابًا محيطاً زاخراً للبحث العلمى الفريد ، فانطوى عليه غلافه ، ومصباحاً منيراً فحيا شعاعه ، وخسرت مصر بوفاته عالماً من خيرة العلماء لا فى مصر وحدها ، بل فى العالم كله ، كما خسرت فيه نشاطه الجم الوفير ، وغيرته على العلم ، وسعة اطلاعه . وقدرته الفذة ، وكلها صفات استحق من أجلها أكبر التقدير وأعظم الإعجاب .
انطفأ نور ذلك العقل الجبار . وخبث قوة تلك النفس الملهمة ، وهمد ذلك الجسد ، فخسرت مصر عبقرية من ألمع العبقربات لا يجود بها الزمن إلا فى القليل ، وفقدت البلاد بوفاته عالماً مجاهداً ، عرفت له المحافل العلمية فى مصر والخارج أياديه البيضاء على العلم والمتعلمين . وانطوت بذلك صفحة حافلة بالكفاح الطويل والعزيمة التى لا تهزم ، بل طويت صفحة من صفحات العلم ، بل فقدت البلاد عقلاً راجحاً وقلباً واعياً وشخصية ممتازة تغرى بالمحبة والمهاية ، وحياة حافلة بمواقف الشجاعة والكرامة.
لقد أشادت الدوائر العلمية العالمية بذكره كعالم دولى له
مكانته المرموقة بين رواد العلم السابقين ، ولا سيما فى أبحاثه القيمة عن الطاقة الذرية ، ونوهت تلك الدوائر بأن وفاته خسارة للعالم .
ولعل المصريين لا يزالون يذكرون أحاديثه التى حمل فيها لواء الدعوة للإسراع بإتخاذ أسباب الوقاية من أخطار القنبلة الذرية ، وأحاديثه الأخرى العلمية الفريدة ، وأبحاثه المهمة فى نظرية الكم ، وكيف أنه كان معنيا بالمسائل العلمية والرياضية ، مشجعاً المشتغلين بها . وانه صاحب الفضل فى إنشاء الكثير من الجمعيات العلمية المصرية . وكيف أنه رحمه الله خلق بمصر روحاً علمية جامعية لخلق علماء مصريين ، وكيف سعى لتبسيط المعارف ونشر الكتب العلمية المبسطة.
وللفقيد - طيب الله ثراه - آراء في الرياضة البحثة ،
وفي الطبيعة النظرية ، يعتد بها كثير من العلماء في مصر والخارج ، حتى إن العالم الإنجليزي الكبير جيمس جينر في كتابه ( الكون الغامض) عرض لنظرية العقيد العزيز في تفسير الإشعاع الضوئي الصادر عن الشمس .
وجدير بالذكر أن الأيام حققت صدق نبوءة العقيد الوفى سنة ١٩٣٩ ، بأن النتائج التى انتهى إليها العالمان الكبيران هاهن وشتروسمان فى شطر الذرة ، كانت أعظم كشف عالمى .
ويكفي للدلالة على مكانته الرفيعة بين مصاف العلماء فى الدنيا أنه كان أحد الباحثين القلائل فى الذرة ، ومن العلماء القلائل الذين يفهمون النظرية النسبية وأسرار الذرة ، حتى إن السير أوين رنشارد سون البحاثة الكبير فى العلوم الرياضية قال عقب موته : "إن العقيد كان بلا شك من أعظم علماء الطبيعة الرياضيين البارزين فى العالم ، وإن وفاته فى هذه السن المبكرة جاءت خسارة لا تقدر للعلم ، لا فى مصر وحدها ، بل فى جميع أنحاء العالم أيضا" .
وبعد ، فنرى أن فى هذه الذكرى حافزاً على استنهاض الهمم وإحراز قصب السبق فى ميدان النبوغ فى العلم ؛ فقد كان - طيب الله ثراه - يدين بمبدأ العلم للعلم . والعمل للواجب ، وعلى هذا عاش طول حياته مجاهدا للعلم ، مخلصا لواجبه .
كان الفقيد العزيز فى كل مراحل دراساته مثار الإعجاب والتقدير ، اشترك فى كثير من المؤتمرات العالمية العلمية ، فكانت آراؤه وأبحاثه فى هذه المؤثرات مفخرة لمصر وللعالم العربى ؛ ولهذا ظفر بتقدير الهيئات العلمية فى الخارج قبل الداخل ، واختير عضواً فخريًا فى جمعيات علمية عدة ، ومما هو جدير بالذكر أن جامعة برنستون ، وهي من جامعات أمريكا التى تتمتع بمكانة ممتازة ، والتى لا يقبل فيها إلا طلبة الدراسات العليا ، والتى لا نستقدم إليها إلا فحول الأساتذة من مختلف الدول مثل أينشتين وبرونتج مستشار ألمانيا السابق ، قد طلبت إليه أن يحضر إليها على نفقتها كأستاذ زائر لما له من أبحاث علمية مبتكرة ، وفى هذا ما فيه من التشريف لمصر ، لأنه دل بحق على أنه خير عنوان لمصر على نهضتها العلمية ، وأن مصر العظيمة تنجب العظماء ، ومع كل هذه المكانة العالمية الكبيرة التى نالها الفقيد - نضر الله وجه - فإنه كان عند خلق العلماء ، جم التواضع ،
شديد الإيمان بالله ، يهب كل عنايته للعلم والواجب ، حتى قضى شهيدهما.
وقف حياته على العلم حتى وقف فى صف كبار العلماء من جيله فى الدول الكبرى ، وأحرق أعصابه . وألهب حواسه . ليرقى الأبحاث العلمية بمصر ، وبذل جهده فى تثقيف العقول ، وتنوير الأذهان ، وتنشئة الجيل وأوجد مدرسة يسودها الضمير والخلق الطيب والبحث العلمى الصحيح وبذلك نقش اسمه بحروف من نور فى صقر الخلود .
أخى لقد أحببت ذكرك بما ساهمت فى النهضة العلمية ، وبما تفعت الشرق والغرب من مؤلفات ، وأعليت قدرك بما انزلت به من صفات أخلت الطريق أمامك ، وأفسحت لك من مناصب الدولة حتى بلغت أرقاها ، وأنت فى سن الشباب . ما ضاقت مروءتك فى ضيق أوسعة ، ولا اعتلت بشاشتك فى مرض أو صحة ، فتعلقت بك القلوب ، وكنت محل تقدير وحب فى النفوس .
وقد لقيت في حياتك ما يلقاء دائما كل عبقري عظيم ، لقيت الخصومة والحقد ، فلما قضيت زالت غشاوة الأحقاد ، وتقشعت سحب الأوهام ، وظهرت شمس الحقيقة ، فأزالت غشاوة الأحقاد . فعرف لك الناس قدرك ، وما زال سنا مجدك يشع من الشعلة التى ومضت ، وعلا وسما فلقت الأنظار إليك ، وشغل الناس بك حيا وميتنا ، ولقد كنت مثلا أعلي في الوقار والأتزان والاستقامة ، دائبا على قول الحق والصدق ، عزوفا عن السفاسف والصغائر . منتزها عن كل ما يحل بالمروءة وكرم الأخلاق ، كنت - طبيب الله تراك - عظيم النفس ، مرهف الحس ، عفيفا أبيا كريما وفيا شجاعا ، تقيا ، وبذلك فقد المصريون بفقدك رجلا تعرد بمزايا لا يستهان بها في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل كفاية ورأي وتفكير .. ولئن مت فستظل حيا بآثارك الخالدة ، لأن أسمك من الأسماء التي لن تموت ، بل سيظل أسمك حية في خواطر المصريين جميعا ، في هذا الجبل والأجيال التي تليه ، وسيبقى تراثك الثمين . ثابتا كالطود ، يحمل مشعل العلم نورا إلى العقول والأفكار ... والله نسأل لك جزاء العاملين .. ولأمتك الصبر الجميل .
