الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 184الرجوع إلى "الرسالة"

ذكرى ميلاد

Share

فى مثل هذا الأسبوع من عام ١٩٣٢ وأنا فى دار السلام،  هبط على برق الأثير هبوط الملك البشير على زكريا الواهن  اليائس. بشرنى بأن أسمى قد اشترك، ووجودي قد ازدوج،  وعمري قد امتد، وأصلى قد تفرع! فأخذني شعور لا عهد لى بمثله؛ لا أصفه لأنه اعمق من الإدراك، ولا أنساه لأنه أوسع  من الذاكرة. هو شعور خليط مبهم؛ لا هو حماسة، ولا هو  نشوة، ولا هو جذل، ولا هو غبطة؛ وإنما هو كل أولئك  وشىء آخر لا أدريه، لون مشاهد الطبيعة بألوان الأمل، وعطّر  نسائم   (دجلة)  بروائح الجنة، وزين مغانى الكرخ بأوشية  السحر. فخرجت إلى بساتين   (الصالحية)  وفى إهابى المشبوب  رجل آخر، يحيا لأنه يحب الحياة، ويعمل لأنه يريد العمل،  ويُزهَى لأنه يسعى لآسرة، مررت بالأطفال الذين كنت أراهم  كل يوم، فبدت لى فى قسماتهم وبسماتهم معان جديدة. لم يعودوا  شقاء الوالدين وهم الحياة كما كنت اشعر، وإنما أصبحوا كطفلى

بهجة الوجود وراحة المكدود ورجاء المستقبل؛ ثم وجدتنى آنس بكل أب، وأسكن إلى كل أم، واشعر كما يشعر كل  والد بحمل رخىٍّ رضىٍّ يثقل رويداً رويداً على البال المطمئن  الوادع!!

عدت إلى مصر فرأيتنى أرسخَ فى الوطنية لأنى غدوت  أصلاً من أصولها، وأعز فى القرابة لأني صرتُ فصلا من  فصولها؛ ثم تجددت الأفراح، وتسابقت التهانى، وتنافست  الهدايا، وتعاقبت المآدب، وغرقت الدار الكئيبة فى فيض من  البهجة، ورقصت الروضة الموحشة على الحان البلبل، ورفرفت  السعادة الهشة على مهد الوليد

وكان العُش الآمن الغارُّ يعلن فى كل رابع عشر من شهر  يناير ذكره للنعمة وشكره لله؛ فيرف للأصدقاء بالأنس، ويخف  للفقراء بالصدقة. وتتفتح مصاريعه الضاحكة لتهنئات الصحاب  ودعوات الأحبة. ويخرج المرموق المعشوق صاحب العيد فى  زينته وبهجته كالسوسنة الغضة، يقابل مهنئيه، ويتقبل هداياه،  ويستعرض لعبه، ويشع على الحفل البهيج من روحه الجذاب،  وحسنه الفاتن، وذكائه الباكر، إشعاعاً من وراء المعلوم  لا يدركه إلا الأب الحنون وإلا الأعزب الشاعر

حنانيك يا رباه! أكل ذلك اصبح اليوم ذكرى؟ أغاية  السعادة فى الأرض أن تنقلب وحشة فى النفس وظلمة فى العين  وحسرة فى الفؤاد؟ لا يزال صوته الصافي الجميل يرن فى شعورى كله: فأنا اسمعه يقول ويده الصغيرة تجذب يدى: (يالله  نشترى خروف عيدى يا بابا. . . عاوز أتومبيل أحمر زَى أوتومبيل  الملك يا بابا.) فأخرج معه كما يخرج الصديقان الأليفان لأمر  مشترك؛ فينتقى ثيابه بذوقه، ويختار لعبه بنفسه، ويقترح  على أن نذهب إلى   (حديقة الفردوس) ، فيمشى بين أفواف  الزهر، أو على زخرف الممشى، فلا أدري أجمال الروض زها فيه

فنضر حتى فتن، أم جماله هو فاض على الروض فزها حتى بهر!  ثم يتفرق بصره المبهور بين التماثيل والتصاوير والورد، فيذهل  عن طريقه فيخوض فى الماء فجأة؛ فيخلع حذاءه وينزع جوربه  ثم يدعهما للشمس ويقعد هو تحت المظلة أو فوق العشب يرسل  على أبيه السعيد سيلاً من الأسئلة لا ينقطع، وفيضاً من المسرة  لا ينضب؛ ثم يعود إلى بيته المزدان المرح فيستقبل فى المساء  أعمامه احمد أمين وزكي وخلاف والعبادي وعوض وزناتى  ويونس وسائر محبيه ومحبى أبيه، فينقلهم بإشراق نفسه وائتلاق  طبعه من عالم الناس إلى عالم الملائكة!

ثم دار الفلك، وتجرم العام، وعاد اليوم الرابع عشر من  شهر يناير! ولكنه وا حسرتاه يعود هذه المرة على بيت غير  البيت، ودنيا غير الدنيا!! فلا العش مرح بفرخه، ولا الروض  شاد ببلبله، ولا الأتومبيل حال براكبه!

يعود على ثياب مطوية، ولعب مخفية، وصور مستورة،  وعيون مقروحة، وقلوب محطمة، وأمال مهيضة! فلا بساط  الأنس ممدود يا رفاق، ولا حفلة العيد ساهرة يا أحبة!

- أجل يعود اليوم الرابع عشر من شهر يناير، ولكنه  والهفتاه يعود على قبر جنى الأزاهير بين حقول القرية البعيدة؛  تسهر عليه الشجرة الصغيرة، وترعاه من قرب عيون الآهل!

فيا من دعوت نفسك الرءوف الرحيم! أين أجد رأفتك  فيخف أساى، وأصيب رحمتك فيندمل جُرحى؟

ويا شاعر العروبة , وحكيم الدهر , وطريد الغير متى أجد مصداق بيتك المعزِّى الخالد :

ستألف فِقدانَ الذي قد فقدتَه                        

كإلفِك وِجدان الذي أنت واجد

اشترك في نشرتنا البريدية