الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 30 الرجوع إلى "الثقافة"

ذكرى نلينو، زعيم المستشرقين المعاصرين

Share

لم تكد الشمس الساطعة - في مثل هذا اليوم من العام الماضي - تغزو أحياء مدينة روما الخالدة ، حتى أقبل الشيخ الذي جاوز السادسة والستين ، على عمله العلمي الذي اعتاد القيام به كل صباح . وكان الشيخ نشيطا كأنشط ما يكون الشباب ، وكان الهدوء الساجي الذي غمر هذه النفس الفسيحة السامية طوال حياتها يسود شارع رفيني ، حيث أقام الشيخ بالطابق الأول من ثاني منزل فيه . ولم يكن أهل الحي ، ولا أهل المنزل ، يتوقعون جديدا في هذا اليوم ، ولم يكن العالم العلمي ، وعالم المستشرقين على وجه التخصيص ، يشعر ولو من بعد ، أنه سيفقد فذا من أفذاذه ، وزعما من كبار زعمائه . وإنما كان الجميع ينتظرون من الحياة الراتبة التي يحبونها أن تمر على عادتها ، دون أن يصيب آلتها عطل في جزء من أجزائها الدقيقة المعقدة . ولم يكونوا في هذا الظن مخطئين ، ولا متفائلين شديدي التفاؤل ، فالشيخ هادي البال ، مرتاح النفس ، ساكن الضمير ؛ والشيخ في صحة جيدة يحسده عليها أمثاله من الشيوخ . نعم لقد أصبب منذ حين بتوعك ، ولكنه كان توعكا خفيفا لم يحتج حتى إلي عناية الطبيب . وكان وافر النشاط ، جم الحيوية حتى هذا الصباح ؛ فهو بالأمس قد راجع آخر تجارب الطبع العدد شهر يوليو من مجلة الشرق الحديث " التى كان يشرف على الناحية العلمية منها . وهو في هذا اليوم قد أكب على عمله في الصباح الباكر ، لا يصرفه عنه صارف من ألم ، أو تصور لألم . ولكن من ذا يعرف نيات القدر !

استمر الشيخ في عمله ساعة أو تزيد ، أحس من بعدها بتغير مفاجي ، هز كيانه كله هزا عنيفا ، على غير توقع منه ، ولا انتظار من ابنته العزيزة " ماريا " واخته الوفية " انا " اللتين أقبلنا عليه مرتاعتين ، تنظران إلي وجهه الصبوح المشرق والصفرة تعلو نواحيه وتشتد شيئا فشيئا ، وإلى عينيه الزرقاوين اللامعتين وهما تستحيلان إلي سواد قائم ، وإلى جبهته العريضة الطويلة معا والدم ينادرها من غير رحمة ولا توان . وتحملان في يديهما الرحيمتين هذا الرأس المستطيل الذي وعي من العلم ما يذهل له كل مطلع وباحث ، وهذه القامة الفرعاء في غير هزال ولا إفراط في الطول . ولكن ماذا تستطيعان ، والموت قد اراد ، وإرادته نافذة لايقوي على الوقوف في سبيلها

كائن ما من الناس ، على الرغم من واسع حيلة هذا المخلوق الضعيف في كفاحه ضد قوي القدر .

مات إذا نلينو ، وفقد العالم بفقده زعيم المستشرقين في القرن العشرين .

ولد كارلو الفونسو نلينو في مدينة تورينو في السادس عشر من شهر فبراير سنة ١٨٧٢ من أم لومباردية هي حنة مونتيني ، وأب بيمونتي اسمه جيوفاني . وكان هذا الأب أستاذا لعلم الكيمياء مشهورا ، نقل بعد ميلاد ابنه بقليل إلي مدينة أوديني ، وفي هذه المدينة اثم الطفل دراسته الابتدائية والثانوية ، وكان موفقا فيها كل التوفيق ، ممتازا على جميع اقرانه ، إن في كثرة التحصيل أو حسن الخلق . وبدل كراسات دراسته الأولى علي جدد المفرط ، والدرجات التي كان يحصل عليها على ميله الشديد إلي الدراسات الأدبية ، والدراسات الطبيعية والرياضية معا ، مما سيكون له أثر كبير في حياته العلمية فيما بعد .

أما تربيته المنزلية فكانت حازمة ، لا تخلو في بعض الأحيان من الصرامة والقسوة . وإليها يرجع الفضل في سلوك الطفل العلمي والخلق وما ساده من جد وانصراف عن اللهو .

وكان له منذ طفولته ولع شديد بالجغرافيا . فأقبل على ما كان يكتب فيها يقرؤه بشغف شديد ، وخصوصا كتب الأسفار ، التي استهوت خيال الطفل ، فجعلته يحلم بأن يكون في يوم ما من الأيام رحالة مغامرا ، يستكشف المجهول من البقاع والأصقاع . ولما كان هذا الحلم بعيد المنال وهو في هذه السن الصغيرة ، فقد كان يسري عنه هذا الشجن بأن يرسم مصورات جغرافية لبقاع شبه مجهولة في وسط افريقيا ، معتمدا في ذلك على ما قراه في كتب الأسفار والرحالين

وإلى جانب شغفه المبكر بتقويم البلدان ووصف الأرض ، كان مغرما بدراسة اللغات الأجنبية ، معنيا

بالوقوف على أسرارها . فدرس أشهرها بإقباله على الدروس الليلية التي كانت تنظمها بلدية أوديني .

وكان يعنيه من كتب الجغرافيا ما كان يكتب عن آسيا وأفريقية خاصة ، لأنهما القارتان اللتان لم تكتشفا في جميع أجزائهما بعد . ولما كانت اللغة العربية أوسع اللغات انتشارا ، في الأجزاء شبه المجهولة من الأوربيين في هاتين القارتين ، فقد اندفع الفتي الطلعة إلي دراسة هذه اللغة . فبدا تعلمها دون استاذ ، ودون كتب في نحو اللغة وصرفها ، بأن كان يديم النظر في كتاب جمع منتخبات من الأدب العربي ، وقع نظره عليه في مكتبة بلدية أوديني . ولما رأي والده هذا الحرص على تعلم هذه اللغة أمده بكتب في النحو والصرف . واستمر الفني في دراسة هذه اللغة حتى كان في استطاعته ، وهو لم يدخل الجامعة بعد ، ان يعرف اصولها ، وان يفهم حتي الصعب من نصوصها . ولم يقتصر علي دراسة العربية وحدها من بين اللغات السامية في هذه الفترة ، وإنما درس ايضا العبرية والسريانية .

ثم دخل جامعة تورينو ، وقد كان بها في ذلك الحين مستشرق كبير هو إبتالويتسي ، الذي اشتهر خصوصا بدراساته الإيرانية إلي جانب تدريسه للغة العربية واللغات السامية الأخرى . فتتلمذ له نلينو ، وظل مخلصا له طوال حياته ، وكتب عنه حين وفاته مقالا قيما في " مجلة الدراسات الشرقية " ( ج ٩ ص ٢٣٣-٢٣٤ ) ومقالا آخر في " دائرة المعارف الإيطالية " كما تتلمذ ايضا لاستاذ الحغرافيا المشهور في ذلك الحين ، ونعني به جويدو كورا

وكانت باكورة هذا الولع المزدوج بالعربية والجغرافيا أن أخرج كارلو الصغير الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد بحثا عن " قياس الجغرافيين العرب خطوط الزوال " وفي هذا الفصل القيم كشف عن علم واسع باللغة العربية ، ومعرفة دقيقة بالكثير من المسائل الفيلولوجية والتاريخية والعلمية ، ثم عن سيطرة مطلقة على منهج في البحث

مستقيم ، يمتاز بالدقة والاستقصاء ، والعناية بدقيق المسائل ويجليلها . وهو منهج خصب تميزت به كل مباحث نلينو ، وجعلت منه فيلولوجيا عربيا من الطراز الأول . ولعل واحدا من المستشرقين لم يفقه في هذا المنهج ولا تلك الطريقة كما ستبين بعد حين . فكأن عقل نلينو العلمي قد نضج نضجا مبكرا جدا ، لم يسبقه فيه في ناحية الاستشراق إلا المستشرق الهنغاري العظيم " اجنانس جولدت تسيهر " الذي كتب بحثا علميا قيما وهو في سن السادسة عشرة من عمره .

وهكذا بدأ نلينو تخصصه العلمي في هذه الناحية الجغرافية الرياضية عند العرب . وقد برع فيها في هذه السن المبكرة حتى إن جيوفاني اسكبابار لي الفلكي الايطالي المشهور ، واخاه تشلستينو ، احد المستشرقين البارعين ، عهدا إليه في سنة ١٨٩٤ بنشر زيج البناني ، الفلكي العربي المشهور ، وترجمته والتعليق عليه . وهو عمل ضخم يتردد في القيام به اعظم الباحثين ، فما بالك بشاب لم يتجاوز الثانية والعشرين وقد كان لهذا الريح أثر كبير في علم الفلك عند العرب ، ثم في علم الفلك عند المسيحيين في العصور الوسطي ، إذ كان مصدرا من أهم مصادرهم في هذا الباب . وقد ترجم إلي اللغة اللاتينية ترجمة مبكرة أقبل عليها علماء أوربا يدرسونها حتى عصر النهضة ، حين عفى على ما فيه ما جاء به علم الفلك الجديد على يد كوبرتيكس وكيلر وجاليليو من نظريات تخالف نظريات بطليموس .

ولكن نلينو لم يحجم عن الإقبال على هذا العمل ، ومن أجل هذا سافر إلي اسبانيا ليطلع على المخطوطة الوحيدة لهذا الكتاب ، وهي الموجودة بمكتبة الإسكوريال . وبدأ في دراستها لكي بعدها للنشر والترجمة والتعليق . وناهيك بالعمل الضخم الذي يتطلبه نشر هذا الكتاب لقد اضطر الشاب العالم إلي الرجوع إلي ما وصل إلي يديه من تراحم لاتينية ، وإلى مخطوطات كثيرة يستخلص منها من المواد ما يعينه على تفهم الكتاب والتعليق عليه . ولم

يكتف بهذا كله ، بل كان يرجع إلي المصادر اليونانية واللاتينية والقهلويه والهندية ، وهي التي منها أخذ الفلكيون من العرب الكثير من نظرياتهم . وكانت نتيجة هذا البحث كله ثلاثة مجلدات ضخمة في ١١٣١ صفحة من قطع الربع !

وكان هذا العمل وحده كافيا لان يجعل من نلينو أكبر حجة في تاريخ الفلك عند العرب ، وان يهيء له مركزا عالميا ممتازا في هذا الباب . وفعلا اعترف له العلماء والمستشرقون بهذه المكانة التي لم يكن ينازعه فيها منازع ، حتى إن إدارة المعارف الإسلامية عهدت إليه بكتابة المواد الخاصة بتاريخ الفلك عند العرب ( تنجيم ، فلك ، اسطرلاب ) وكذلك فعلت دائرة معارف الدين والاخلاق الانجليزية ولما استدعته الجامعة المصرية القديمة في سنة ١٩٠٩ . طلبت إليه ان يلقي محاضرات في تاريخ الفلك عند العرب باللغة العربية ، وقد تمخضت هذه المحاضرات عن كتاب هو أقوم ما كتب في بابه . وقد ظهر باللغة العربية ( في أربع كراسات تشتمل علي ٣٧١ صفحة من قطع الثمن ) تحت عنوان " علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى " وطبع في روما سنة ١٩١١

وعلى الرغم من هذا كله فلم تكن عناية نلينو بالفلك على هذا النحو الممتاز إلا جانبا واحدا من جوانب فشاطه العلمي العديدة المتنوعة . فدراسة الجغرافيا والملك وتعمقهما إلي هذا الحد الذي يدعو إلي أشد الإعجاب ، لم يكونا ليحولا بين هذه العقلية العلمية الفسيحة المتشعبة وبين ولوجها جميع ميادين النشاط العلمي في الاستشراق الخاص بالعرب والإسلام ، والعلم بمسائلهما علما دقيقا ، يقوم اولا وبالذات على تحقيق النصوص ، والكشف عن النادر من الوثائق والمجهول من المخطوطات .

فكتب وهو في الثالثة والعشرين مقالا فيما عن نظام القبائل العربية في الجاهلية ، وفيه بحث هذا النظام من الوجهة التاريخية والسياسية والاجتماعية ، بحثا عميقا

يدل علي ذكاء نادر واستقامة في الحكم والتقدير ، شهد مهما الأب لامانس في كتابه المشهور عن مهد الإسلام " . وقبل ظهور هذا المقال بحوالى عام اخرج نلينو كتابا جمع فيه اشهر السور القرآنية ورتبها ترتيبا تاريخيا على حسب النتائج التي انتهى إليها نلدكه في كتابه عن تاريخ القرآن واضاف إليها تعليقات ومعجما بأهم ما فيها من الفاظ قارئها بمقابلاتها في اللغات السامية الأخرى

واشتهر الشاب العالم في إيطاليا شهرة واسعة ، حتى إن وزارة المعارف الإيطالية اعطته مكافأة دراسية لكي يدرس في القاهرة ، فجاء إليها في ديسمبر سنة ١٨٩٣ ، واستمر في مصر حتى مايو من العام التالي . وهنا استطاع ان يستفيد كثيرا ، وان يستخدم قدرته الفائقة علي الملاحظة في فهم احوال مصر خصوصا ، والشرق والإسلام على وجه العموم . وكان لهذه الرحلة أثر قيم في حياة نلينو العلمية فيما بعد . وبعدها أخرج كتابا عنوانه " اللغة العربية في لهجتها المصرية " لكي يدرس الإيطالي اللغة العربية بواسطته

وبعد ان عرج على اسبانيا عاد إلي بلاده ، فاسند إليه شغل كرسي اللغة العربية في معهدنا بولي الشرقى فى نوفمبر سنة ١٨٩٤ وقد ظل به حتى سنة ١٩٠٢ حين عزمت الحكومة على شغل كرسي اللغة العربية في بالرمو ، وقد كان خاليا منذ زمن طويل ، فلم تجد خيرا من نلينو نضعه في هذا المركز الذي ظل به حتى سنة ١٩١٣ . وفي هذه السنوات التي قضاها في بالرمو اظهر نلينو نشاطا عظيما سواء في التحصيل والدرس ، أو في اداء مهمة التدريس التي عهد إليه بها خير اداء وأحسنه ؛ فعكف على قراءة الكثير جدا من الكتب العربية في فروع العلم المختلفة ، لم يترك فيه بابا ، ولم يهمل مسألة من مسائله دون ان يقف عندها فيطيل الوقوف . مهما بالدراسات العربية وحدها ، دون غيرها من الدراسات الشرقية ، بخلاف غيره من المستشرقين الذين كانوا في الغالب يوجهون نشاطهم في الاستشراق إلي نواح اخري

غير الناحية العربية وحدها أو الايرانية وحدها وهكذا . وكانت عناية نلينو بالنواحى الأخرى بالقدر الذي يفيده لدراسته العربية فحسب ، لا من أجل التأليف والبحث فيها . وفي هذا يقول لأحد زملائه في جامعة بالرمو : " لا أريد أن يغريني شيء على الخروج من دراسة العرب وحدهم إلي دراسة اخري ، لأني أريد أن أعرف عن العرب كل شئ " . ولعل ذلك راجع إلى طبيعة نلينو في البحث والتفكير ؛ فهو يحب التخصص ودراسة المسائل الدقيقة الصغيرة ، ولا يميل مطلقا إلي الدراسات التركيبية الواسعة ، ولهذا لم يكن له في هذا الباب الأخير شئ . اللهم إلا في الحالات القليلة التي كان يضطر إليها اضطرارا كما في كتابته المواد الخاصة بالكلمات العامة ( مثل الإسلام ، محمد ، فلك ) في دوائر المعارف التي اشتغل بالتحرير فيها

واستمر نلينو فى دراساته العلمية في بالرمو ، لم يقطعه عنها إلا رحلته إلي الجزائر في سنة ١٩٠٥ بمناسبه انعقاد مؤتمر المستشرقين الدولي في هذه المدينة حينذاك . وهناك في الجزائر دفعته نزعته إلي الإسفار إلي زيارة بلاد الجزائر حتى الآجزاء غير المعروفة تماما منها

وبعد غزو إبطاليا لطرابلس لجأت إليه وزارة المستعمرات لتستعين بخبرته ومعرفته الدقيقة بأحوال العالم الإسلامي . فكان مديرا للجنة تنظيم المحفوظات العثمانية ولكتب الترجمة . وفي هذا أفاد الحكومة الإيطالية فائدة قيمة ، خصوصا فيما يتصل بنقل أسماء البلدان العربية في طرابلس إلي اللغة الإيطالية ، ثم في مسألة الخلافة التي آثارها الاتراك في ذلك الحين ، وكانت موضعا لكثير من المناورات السياسية إبان الحرب العظمي . فقد كتب عن الخلافة رسالة طويلة بحث فيها طبيعة الخلافة على وجه العموم ، والخلافة العثمانية " المزعومة " ( على حد تعبيره ) بوجه خاص . وقد عالج مسألة الخلافة من بعد مرة اخري في سنة ١٩٢٤ في مجلة " الشرق الحديث " بمناسبة زوال

الخلافة العثمانية . وان نتعرض هنا لبيان آرائه في الخلافة ، فليس مجالها هذا المقال الصغير ، كما ان هذه الآراء قد تغضب طائفة من الناس في مصر الآن ؛ فلندعها وربما تعود إليها بعد حين .

وكان لهذا الغزو ايضا بأثره في زيادة عناية الحكومة الإيطالية بالدراسات الاسلامية ؛ فأنشأت في جامعة روما إلي جانب كرسي الأدب واللغة العربية كرسيا لتاريخ الاسلام ونظمه أسندت الحكومة الإيطالية شغله إلي نلينو في سنة ١٩١٥ . وفي هذا الوقت عينه تخلى له الأستاذ جويدي الكبير عن الإشراف على مجلة الدراسات الشرقية " فأشرف على إخراجها وكتب فيها مقالات قيمة فما بين سنة ١٩١٥ وسنة ١٩٢٠ ، أشهرها المقالة الخاصة بأصل تسمية العزلة ثم اسم القدرية ، ثم المقالة الخاصة بفلسفة ابن سينا ، وهل هي شرقية أو إشرافية . وقد حل هذه المشاكل المعقدة في تاريخ الكلام والفلسفة الاسلامية حلا يكاد يكون نهائيا ، على الرغم مما اثارته بين جميع الباحثين من قبل من اختلافات . ويتصل بهذا ايضا مقالتان كتبهما عن ابن الفارض بمناسبه ترجمة نائبته الكبرى إلي اللغة الايطالية ، وفيهما كشف عن سعة اطلاعه الدهشة على المذاهب الأفلاطونية الجديدة والمسيحية ، ومعرفته بأخفي أحوال الصوفية النفسية .

ثم عنى بالشريعة الإسلامية وكان له فيها باع طويل خصوصا حين اثيرت مسألة وجود قانون سرياني سابق على الشريعة الاسلامية وبه تأثرت . وقد أثبت نلينو ، يحجح لا تحتمل شكا ولا نستلم للنقض ، ان القوانين المسيحية الشرقية تعتمد كلها على الشريعة الإسلامية ، ومنها استعدت . وكانت مناظراته في هذا الصدد مثارا لإعجاب الجميع حتي خصومه أنفسهم .

وفي سنة ١٩٢١ أنشئ في إيطاليا " معهد الشرق " من أجل دراسة أحوال الشرق وشئونه السياسية والاقتصادية والثقافية ، وخصوصا الشرق الإسلامي .

وعين نلينو مديره العلمي . وهذا العهد هو الذي يخرج مجلة " الشرق الحديث " التي ذكرناها آنفا .

وملأت شهرة نلينو الإسماع سواء في إيطاليا وفي الخارج . فنيطت به مهام ضخمة وحاز انقابا رفيعة إذ كان عضوا في مجلس التعليم الأعلى ولجنة المعارف ، واصبح عضوا في الأكاديمية الإيطالية في مارس سنة ١٩٣٢ . واستندت إليه رئاسة القسم الشرقي في تحرير دائرة المعارف الإيطالية ، وفيها كتب اهم المواد الخاصة بالإسلام والعرب كما كان عضو شرف لكثير من الهيئات العلمية في الخارج .

ولعل واحدا من المستشرقين لم يكن أوثق من نلينو صلة بمصر . فالجامعة المصرية القديمة قد دعته إلي تدريس تاريخ الفلك عند العرب في سنة ١٩٠٩ وسنة ١٩١٠ ، ثم تاريخ الأدب العربي في السنتين الدراسيتين التاليتين . وكان لتدريسه في الجامعة المصرية القديمة اخطر الأثر في تكوين كبار الأدباء في مصر الآن . فقد استحدث منهجا جديدا لدراسة تاريخ الأدب العربي ، لم يكن معروفا في مصر من قبل وقد شهد بفضله على الجامعة أكبر تلاميذه فيها واعظمهم وفاء له ، وهو الدكتور طه حسين بك في أول كتابه في الأدب الجاهلي وكم كان الرجل بعطف على مصر ويحب المصريين ؛ ولم تنس له مصر هذا كله . فدعته الجامعة الجديدة مرة ثانية فيما بين سنة ١٩٢٧ وسنة ١٩٣١ لتدريس تاريخ اليمن بكلية الآداب لمدة أربعة أشهر كل سنة . وعين عضوا في المجمع اللغوي سنة ١٩٣٣ .

ومكانه نلينى من بين المستشرقين جميعا مكانة ممتازة لايدانيه فيها إلا جولد تسيهير وتلدكه ، وهو يمتاز عن جولد تسهير بدقته العلمية ، وسعة اطلاعه على مختلف المسائل الإسلامية والعربية ، وتجنبه الفروض الخيالية التي إن دلت على نفوذ البصيرة وعمق الوجدان ، فان فيها الكثير من الخطر . ويمتاز ايضا بمنهجه التحليل المنطقي ؛ فهو لا يلجأ إلي البحوث التركيبية إلا إذا حمل عليها قسرا . ولهذا ( البقية على الصفحة التالية )

فان نتائج ابحاثه نتائج حاسمة في معظم الأحيان إن لم يكن فيها كلها ؛ وهو في منهجة لا يجارية في دفنه اي مستشرق آخر على وجه الإطلاق

وبعد فهذه لمحة سريعة اردت بها ان اعبر عن واجب الوفاء لأستاذ له أكبر الأثر في توجيهي ، وإن لم يكن لي حظ التتلمذ عليه في قاعات الدرس ، وعن عاطفة الاخلاص لصديق طالما شملني بعطفه ، وفاض على بغزير علمه ، أثناء زيارتى لايطاليا منذ عامين ، وبهذه الكلمة اتوجه إلي الآنسة ماريا نلينو ، وقد كان لها الفضل في تعريفى بأبيها ، راجيا من الله أن يجمل لنا من هذه المستشرقة الممتازة ، على الرغم من حداثة ستها ، عوضا عن هذا الوالد العظيم .

اشترك في نشرتنا البريدية