الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 233الرجوع إلى "الثقافة"

ذكرى هيلدرلن

Share

الأنسام البيض تخترق الوديان المجللة بالكرم العتيق ؛ ونهر التسكر الباسم يرف هامسا إنى الدير البالى فى حنين تأرجح بين قداسة الدين واستسرار الأسطورة ، بين سمو المسيح وبطولة زجفريد ، والغابات المتدثرة بالسر العميق ، تتراءى غير بعيدة عن بيت القس القائم على أمر هذا الدير ، هذا القس الوقور الذى لم يحى إلا القليل بعد ميلاد ابنه فريدرش فى العشرين من شهر مارس سنة ١٧٧٠ ؛ فتركه فى أحضان أم رقيقة الطبع حتى الحلم ، مشبوبة العاطفة الدينية شأن لذاتها من النسوة اللائى يترملن فى سن مبكرة ، خاصة وقد مات زوجها الثانى بعد قليل ، فلم تنعم به كما لم ينعم به طفلها الذى كان يفيض عليه الحنان ، فكان الجو الذى نشئ فيه هيلدرلن جو حالم بكل ما فيه : حالم فى الطبيعة الباسمة الغريبة معا ، التى امتاز بها إقليم إشتابن فى جنوب ألمانيا ، وهو الإقليم العتيق الذى اشتهر بسموه الروحى ، وبرقة أبنائه ، حتى كان مهد الشعراء الغنائيين الغراميين فى العصور الوسطى ، وهم المعروفون باسم

المنير ينجر ؛ حالم فى البيت المتوشح بمسوح الدين ، الناضح بخورا يعبق بالقداسة الرطبة ، حالم فى الوسط النسوى الرقيق الشاحب حتى المرض . ووسط هذا شأنه ، أفليس من الطبيعى إذن أن يخرج طفلا حالما مغرقا فى أنبل الأوهام ، معتصما بقلعة الأمانى السخية والخيال ؟ مشاركة وجدانية حارة بينه وبين الطبيعة الكلية ؛ وحنين وثاب إلى سر علوى جذاب أشد ما يقربه به أنه مجهول على شدة إحساسه بما يكمن فيه ؛ ومزيج غريب من النصاعة والغموض فيه نزاع دائم بين وجدان الليل وقانون النهار ؛ وعمق فى الباطن حتى النهاية  التى يلتقى عندها أعمق الأعماق وأعلى عليين ؛ تلك هى الخصائص العامة لروح هذا الشهاب السماوى الهاوى على الأرض الجحود ، والذى نريد الآن أن نحييه تحية عابرة بمناسبة الذكرى المئوية لوفاته .

تنازعت روح الفتى هيلدرلن ثقافتان أثرتا فيه بقوة ونفوذ ، ألا وهما الثقافة اليونانية الرومانية والثقافة الدينية المسيحية ؛ وهما ثقافتان على طرفى نقيض : الأولى إنسانية فنية طبيعية تؤكد المعنى الإنسانى فى كل شئ ، والثانية إلهية روحانية خارجة عن الطبيعة نافرة من كل ما هو إنسانى ؛ ولذا كانتا مصدر صراع عنيف فى نفس كل من يجمع بينهما فى شئ من العمق ، وبخاصة عند مرهف  الحس ، كما هو مشاهد جليا عند العباقرة الذين عانوا هذه التجربة المزدوجة ، وعلى رأسهم جميعا ربتان ، الذى عبر عنها أروع تعبير فى القطعة الخالدة التى سماها باسم (( صلاة على الأكروبول )) . فالجمع بينهما مخالفة شاذة ، ولكنها خصبة إلى الحد الأقصى : فلها تدين بإيجاد عباقرة من الطراز الأول فى مختلف مرافق الحياة الروحية ، وبخاصة فى الفلسفة والفن بكل أنواعه ، فبواسطتها تكون هيجل وربتان وشلنج فى الفلسفة ، وميكانجلو وهيلدرلن فى الفن والشعر .

وهيلدرلن قد عانى هذه التجربة فى سن مبكرة : فقد

درس فى مدارس ملحقة بأديرة فى نيرتنجن ودنكندورف ومولبرون ، وهى مدارس كانت كثيرة العناية باللغات القديمة من لاتينية وعبرية ويونانية ، وبخاصة هذه الأخيرة ، مما زود هيلدرلن بثقافة يونانية ممتازة هى صاحبة الفضل الأول والأخير فى تكوين روحه العامة : فسيظل طوال حياته الابن المخلص الأكبر لهلاس الخالدة بأساطيرها الرائعة وفلسفتها العميقة ، وأدبها السامى ، وسيكون التغنى بها اللحن السائد فى كل أشعاره ، وسيكرس لها أروع ما خلف من آثار ، وهى قصته الغنائية (( هييريون )) وهذه الثقافة اليونانية سيتعمقها هيلدرلن حين يدخل جامعة تينتجن فى خريف سنة ١٧٨٨ ، فيكون على صلة أوثق بالدراسات اليونانية التى ازدهرت فى ألمانيا خصوصا فى ذلك الحين بعد أن اكتشف ثنكلمن الروح اليونانية من جديد لثانى مرة فى تاريخ الفكر الأوربى ، فنشأت عن ذلك نزعة إنسانية جديدة تشابه تلك التى وجدت إبان عصر النهضة الأوربية ، فسرت الروح اليونانية على أساسها بحسب طبيعة من آمنوا بها وتمثلوها . أما هيلدرلن فقد وجد جوهر هذه الروح فى إيمانها بالشبه بين الطبيعة وبين الإنسان ، ومحاولتها التوحيد بينهما فى نظرة كونية رائعة عبرت عنها فى كل ما أبدعته من آثار فى الفن والفلسفة والحياة العامة ؛ وقصدها الرئيسى أن تشيع القيم الإنسانية فى الكون ، وأن ترتفع بالإنسان إلى مرتبة الألوهية ، وأن تقدس كل ما هو إنسانى . وفى هذا كله ما يتفق وروح هيلدرلن ؛ فلم لا يجعل من هلاس إذن ملاذ أحلامه ، ومصدر إلهامه ، والنموذج الأسمى المتجسد لمثله العليا ؟

وكان يشاركه فى هذه النزعة الإنسانية الجديدة هيجل الذى تعرف إليه فى جامعة تيبنجن سنة ١٧٩٠ أو سنة ١٧٩١ حيث كانا يدرسان سويا ، فكانت صداقة خصبة بين الاثنين لها فى تطورهما الروحى أثر عميق متبادل . والغريب من أمر هذه الصداقة أن التأثير الفلسفى فيها

قد جاء من جانب هيلدرلن الشاعر فى هيجل الفيلسوف . وكان هيلدرلن متأثرا فى هذا الاتجاه الفلسفى بشلر الذى كان هيلدرلن يقدسه حتى العبادة ؛ وشلر بدوره كان متأثرا بالمثالية التى أقام دعائمها كنت . وفى هذه المثالية وجد هيلدرلن ما يرضى نزعته إلى إقامة نظرة فى الوجود على أساس التوحيد بين الله والطبيعة الحية والنبالة الإنسانية فى صورة رمزية حية ، صورة شعريه تناظر الصورة الفلسفية التى وضعها شلنج ، زميله الآخر فى تلك الجامعة .

ثم انضاف إلى هذين العاملين النظريين ، عامل الثقافة اليونانية وعامل المثالية الفلسفية ، عامل فعلى هو الثورة الفرنسية التى ألهبت بمبادئها الجديدة نفوس الشباب فى أوربا كلها فى ذلك الحين فملأتها حماسة دافقة تهيب بالعمل وتحاول أن تجد مصرفا لآمالها ومثلها العليا فى الأفعال لا فى الخيال ؛ فتأثره هيلدرلن كل التأثر ، ولكن بحسب طبيعته الحالمة : إذ لم يجد مصرفا لكل هذه النوازع التى تغلى بها روحه الوثابة المتوهجة إلا فى الشعر ، والشعر الغنائى على وجه التخصيص . فأنشأ قصيدة رائعة بعنوان (( أناشيد للمثل العليا للإنسانية )) ، أودع فيها أنبل أحلامه : موضوعها الإنسانية لا الإنسان المفرد ، ومرماها إيقاظ الشعور بالجانب الإلهى فى الإنسان ، ومدارها على إشاعة روح الحب فى الكون بأسره ، حتى ينضم العالم كله فى عناق واحد وقبلة واحدة كما نادى شلر ، فإن الحب هو القوة الكونية العليا التى بها تحيا الطبيعة وبدونها لن ينتظم الوجود ؛ والإنسان هو ابنها الأكبر ؛ فليكن المثل الأعلى للإنسان إذن هو الحب الكامل للإنسانية الكاملة فى الكون بأكمله . وواضح جدا أن هذه الأناشيد متأثرة بشلر ، خصوصا فى رسائله الفلسفية .

وهكذا كان هيلدرلن الشاب أسمى تعبير عن المثل الأعلى الذى كان يخالج الشباب الأوربى عامة والألمانى خاصة فى ذلك الحين . ولكن لم يكن كيفية هذا الشباب المعذب القلق . فأكثرهم قد وجد مصرفا لعواطفه فى العمل الذى

انتهى بالكثير منهم إلى القضاء على حياتهم فى الثورات كما هى الحال خصوصا بالنسبة إلى الشباب الفرنسى ؛ والبعض الباقى قد مل العمل فانتقل إلى مملكة الفكر النظرى فى العلم أو الفلسفة يجد فيها ملاذا لأمانيه ونوازعه ؛ وكان هناك نفر قليل جدا من الشعراء الممتازين اندفعوا وراء أوهامهم الجامحة ، منحازين إلى داخل نفوسهم ، معتصمين بفردوس أحلامهم ، مبتعدين عن الأرض وكل ما يشعر بالواقع ، كما فعل كيتس وشلى ونوفالس . ولكن واحدا من هؤلاء النفر القليل لم يبلغ مبلغ هيلدرلن فى نبذ الواقع والانصراف إلى فردوس الأحلام العالية ؛ فقد قضى على كل صلة تربطه ، من بعيد أو من قريب ، بهذا الواقع المحسوس ، وفصل بينه وبين الحياة بهوة لا يمكن عبورها ، آوبا إلى عالم لا ينتسب إلى عالمنا الأرضى فى شئ . والمهم فى هذا ليس فى مجرد الانصراف عن الواقع - فهذا شئ مألوف عند كثير من الشعراء - وإنما فى طبيعة هذا الانصراف : فقد كان مؤمنا بأن هذا العالم الذى خلقه بخياله هو وحده العالم الحقيقى ، وما عداه فزائل لا حقيقة له ، ولم يعد يشعر بأن هناك عالمين : عالم الناس وعالمه هو الخاص ، بل كان يشعر بعالم واحد ، هو عالمه ؛ وهذا الاتجاه يبدو لأول مرة بوضوح فى الأيام الأخيرة من إقامته بجامعة تيبنجن ، فقد بدأ يعبر عنه فى قصة هى القصة الوحيدة الكاملة التى تركها لنا ، ونعنى بها قصة : " هيبريون " التى بدأ العمل فيها فى يونيه سنة ١٧٩٢.

وهنا وفى ديسمبر من تلك السنة أنهى هيلدرلن سنيه الدراسية فى اشتوتنجرت ، فأصبح فى وسعه أن يمارس وظيفة قسيس ، كما رغبت إليه أمه . ولكنه أخذ من هذا المصير بواسطة شلر الذى وكلت إليه شرلوت فون كلب أمر اختيار معلم لابنها ! فاختار هيلدرلن ولما ينته من امتحانه بعد . ونحن نعرف من هى شرلوت فون كلب هذه صديقة جيته : فهى شخصية من أعجب الشخصيات التى ظهرت فى عالم الحياة الروحية ، شخصية غريبة كلها

أسرار وألغاز ، فهى (( كائن غامض )) كما قالت هى عن نفسها ، وهى (( فى غالب أحوالها حلم )) كما قال عنها جان بول صديقها الشاعرى الرومنتيكى . فطبيعتها إذن أقدر الطبائع على فهم هيلدرلن ، هذا الحالم الأكبر هو الآخر . ومع ذلك ، وعلى الرغم من العطف الكبير الذى شملت به هى وزوجها معلم ابنهما ، إلا أنه لم يستطع أن يبقى لديهما طويلا ؛ لسبب واحد ، هو أنه ليس فى وسعه أن يستقر طويلا فى إطار واحد ، ماذا أقول ؟ بل هو لا يستطيع مطلقا أن يدخل فى أى إطار أرضى من شأنه أن يقيد روحه الملائكية الطائرة أدنى قيد . ولكن هذه الفترة لم تكن عقيما ؛ بل عنى فيها بتعمق فلسفة كنت والثقافة اليونانية ؛ كما تأثر شلر فى أبحاثه الجمالية التى ظهرت آنذاك ، مما جعله يتجه إلى العناية بعلم الجمال ؛ وفيها استمر يعمل فى قصته (( هييربون )) ، حتى ظهرت منها القطعة الأولى فى مجلة (( طاليا )) التى كان يصدرها شلر .

اضطر إذن إلى العود إلى حياة الحرية ، فغادر بيت فون كلب إلى بيتا فى مستهل سنة ١٧٩٥ . وهنا استطاع أن يتصل بشخصية كان لها خطر كبير فى تطوره الروحى . فهنا كان فشنه ، الفيلسوف المثالى الأول ، يسود تلك المدينة بفكره وشخصيته ، فأعجب به هيلدرلن كل الإعجاب ، لأنه ، كما قال ، لم ير رجلا مثله فى قوة الروح وعمقها . وطبيعى أن يؤثر فشته فى هيلدرلن هذا التأثير الذى لم يقتصر عليه ، بل تعداه إلى جميع الشعراء الرومنتيكيين الألمان ، لأن فلسفته مثالية مغالية قد رفعت الذات أو الأنا إلى مرتبة الوجود المطلق فكانت مثالية ذاتية متطرفة ، وهذا النوع يستهوى أكثر ما يستهوى طبيعة مثالية شاعرة كطبيعة هيلدرلن ؛ كما أنه قد أتى بنظرة فى تقدم الإنسانية وجد فيها شاعرنا سلوانا ودافعا له فى تيار أحلامه الإنسانية النبيلة .

ولكن ، وعلى الرغم من أن هذا الجو الروحى الذى وجده فى بيتا هو أخصب ما تأثر به من أجواء ، إلا أنه لم

يبق بها طويلا ، بل عاد فى صيف ذلك العام نفسه إلى وطنه فى نبرتنجن عند أمه . واستمر هنا حتى الأيام الأخيرة من ذلك العام ، حين ارتحل إلى فرنكفورت لكى يكون معلما لأبناء أسرة صاحب المصرف يعقوب جونتارد . وفى هذه الفترة حدثت له تجربة غرامية ، هى أعنف تجربة حية عاناها طوال محياه .

فقد وجد هنا ، وفى منزل جونتارد ، مثله الأعلى للمرأة الذى كان يتحرق شوقا إلى رؤيته وعبادته وهو قائم أمام عينيه . فسوزان جونتارد ، أم تلاميذه ، امرأة ناصعة الجمال كأنها تمثال من المرمر صنعه فنان يونانى : خطوط واضحة ، وقسمات هادئة ، وانسجام فى أجزاء الجسم رائع ؛ ونفس نبيلة سامية ؛ وجمال هذا شأنه لا يثير فى النفس أى معنى من المعانى الجنسية ولا تتعاق به لا الأرواح الطاهرة طهر روح هيلدرلن . ها هو ذا إذن مثله الأعلى للمرأة قد تحقق عينيا ، فلم لا يعجب بها ، بل ولم لا يعبدها محييا فيها أمله المنشود . (( ديونيما ( وهذا هو الاسم الذى أعطاه لها ) ! أيتها الحياة النبيلة ، أنت أختى ، أنت من قرباى المقدسة ، فقد عرفتك من قبل فى عالم بعيد قيل أن أقدم إليك يدى )) ؟ أحبها هيلدرلن وبادلته هى حبا بحب ، ونعم كل منهما بهذه المتعة الكبرى ، فكانا كما قال هو فى قصيدته (( شكاة مينون من ديونيما )) كزوج من البلشون يسبح هادئا على سطح البحيرة ، ناظرا وهو يتأرجح على ثبح الموج إلى السحب الفضية وهى تنعكس على صفحة الماء وإلى الزرقة الأثيرية وهى تتماوج حول الزوارق ؛ وقضيا معا ساعات مليئة بالعواطف السامية تزودها أحاديث هامة تشيع من خلالها روح الإله ، وتسودها براءة جميلة وسذاجة ناعمة .

هاتان روحان خلقت كل منهما للآخرى ؛ ولكن آه ! ما أظلم حكم الوجود ! فهذه الروح الملائكةية العالية قد قضت عليها طبيعة الحياة الظالمة أن تقترن برجل من رجال

المال ، قد خلا من كل نبل روحى - شأنهم دائما - ، فلم يكن فى وسعها ولا فى وسع هيلدرلن أن يستمرا على هذا النشيد الغرامى العذب لمدة طويلة . وسرعان ما كان الفراق الضرورى الذى يقتضيه ما جبلت عليه الحياة من شر وحرص على الاشقاء والتعذيب . فاضطر هيلدرلن إلى مغادرة بيت جونتارد بعد أن قضى فيه ثلاث سنوات إلا قليلا .

وبعودته إلى وطنه تكاد تنتهى حياته الشعورية . لقد أصيب بالجنون فى حوالى سنة ١٨٠٢ ، ومنذ ذلك الحين وحياته تكاد تنتقل من الواقع إلى الأسطورة : فهنا وفى كيف الجنون عاش هيلدرلن أكثر من أربعين سنة فى بيت نجار آواه ، كان فى أثنائها كما قال : (( لقد حييت قليلا ومع هذا فلست استروح غير برد الماء ؛ وهأنذا هنا صامت أشبه ما أكون بالظلال ؛ وهذا قلبى الحزين ، العاجز عن الغناء ، ينام الآن فى صدرى )) . واستمر يحيا فى ظلمات الجنون حتى أدركته ظلمات الموت فى السابع من هذا الشهر من مائة عام تماما .

اشترك في نشرتنا البريدية