الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 335الرجوع إلى "الثقافة"

ذكريات الخالدين :، بتهوفن

Share

في أحد منازل مدينة " بون " الواقعة على نهر الرين بألمانيا ولد " لدفج فان بتهوفن " في السادس عشر من شهر ديسمبر سنة ١٧٧٠ . وكان والده موسيقيا عربيدا ، وكانت أمه ابنة طباخ عملت كخادمة تم تزوجت من رجل قبل والد " بتهوفن ؟ مات وتركها فقيرة معدمة ، فاضطرت إلى الزواج من والد " بتهوفن " الذي اذاقها انواع المسغبة لادمانه الشراب وقلة ذات يده ، حتى ماتت وتركت وراءها بتهوفن " وهو في السابعة عشرة من عمره يبكيها بدمع لا يرقأ وحزن لا ينقطع

كان والد " بتهوفن " موسيقيا بارعا ومغنيا رقيق الصوت ، فأخذ على عاتقه تعليم ابنه . وارهقه بالعمل إذ كان عليه أن يقضي وقتا محدودا كل يوم في العزف علي البيان أو " الكمان " ، لا يمكن ان يتخلف عنه مهما يكن عذره ، وإذا تأخر عن موعده أخذ والده يصيح : " اين لدفج . ؟ لماذا لا يعزف . ؟ فيبحثون عنه ، وسرعان ما يجلس إلى عمله ويبدأ درسه اليومي .

والأمر من ذلك أن والده كثيرا ما كان يمتد به السهر

إلى وقت متأخر من الليل مع احد اصدقائه ، يشربان الخمر فيغيب عن ذهنه درس  "لدفج" ثم ما يلبث أن يتذكره بعد أن يكون قد مضي من الليل وقت طويل فيذهب إلي حجرة نوم " لدفج " وينزعه من فراشه الدافئ وياخذه بعنف وهو يرتعد من البرد وفي عينيه اثر النوم ويجلسه أمام " البيان " ويبدأ في تلقينه درسه اليومي .

ولقد يذهب بنا الظن ان مثل هذه المعاملة تقتل في بتهوفن الصغير حبه للموسيقى ولكنه كان احد الموسيقيين الأفذاذ الذين خلد ذكرهم في صفحات المجد الذهبية . فحبه للموسيقى لا يمكن ان تأتي عليه قسوة المعلم . فقد خلقه الله لهذا الفن الجميل فأحبه . وتفاني في سبيله ولم يغفل عنه لحظة حتى في أشد أوقات الحياة قسوة عليه .

كان " بتهوفن " موسيقيا بالوراثة فقد غادر جده مدينة " انتورب " وهبط " بون " والتحق بفرقة البرنس ارشيبشب سنة ١٧٣٢ . وكان موسيقيا نابها . وكذلك كان أبوه مغنيا في هذه الفرقة بعد موت جده ، ولكنه كان متلافا ينفق كسبه في الشراب ، كما قدمنا ، حتى طرد من الفرقة واشتدت به الفاقة فاطلق ابنه يجوب الشوار ع ، عازفا على " الكمان " يجمع الدراهم ليقوم بأود اسرته الفقيرة . غير ان والده المتلاف كثيرا ما كان يأخذ كد ولده لينفقه في الشراب .

لم يجد " بتهوفن " متسعا من الوقت يصرفه في ناحية اخري من نواحي التعليم ، فغادر المدرسة ليتوافر على عمله الموسيقى ، وليكفي حاجة عائلته ، فلم يصب من العلم إلا قليلا ، وظل إلى اخر حياته وهو خجل من رداءة حظه وعدم حفظه لجدول الضرب

ولما بلغ الثالثة عشرة اشترك في فرقة أمير " بون " ، ومن ذلك الوقت بدا نجمه يرتفع ويحلق في سماء المجد والشهرة ، واخذ نوره يسطع فيعم الآفاق . واصبح كبير أسرته وقام بأعباء الرجال وهو لم يزل في دور الطفولة .

ولما شارف السابعة عشرة رحل إلى " فينا " حيث نابل موزار ، احد الموسيقيين الافذاذ الذين طار صيتهم وعمت شهرتهم الآفاق . فأعجب " بيتهوفن " إعجابا جعله يقول لمن حوله : " اصغوا إلى من سيجعل العالم يتحدث عنه يوما من الآيام " عند ما سمعه يعزف إحدي مقطوعاته الخالدة

أكسبت " بتهوفن " إقامته في " فينا " صيتا بعيدا ، فالتف حوله محبو الموسيقى من الرجال والنساء واغدقوا عليه النعم ، وعرف مقداره الخاص والعام ، واخذ الكل يرددون اسمه ويشيدون بذكره ويثنون على فنه ثناء جميلا ، وفتح له الأغنياء والأمراء أبوابهم : يحل فيها ويرحل عنها كيفما شاء ، مستقبلا بالحفاوة ومودعا بالتجلة

وكان الأمراء يلحون عليه في الاقامة بقصورهم ويحتفون به ويكرمون وفادته ، حتى إن احدهم اواه في قصره وأجري عليه راتبا ضخما يتقاضاه سنويا . كما لقي من الاميرة " ليشنوسكي " - وقد نزل عليها ضيفا ردحا من الزمن كل ما يمكن ان يتصوره العقل من ضروب الكرم ، مما جعله يقول : " لو كان في وسعها ان تضمني في زجاج لوضعتني خوفا من ان يزعجني العامة بلمسهم " .

وقد كان من عادة الأميرة أن تقيم حفلة كل اسبوع بمنزلها يحضرها الكثيرون من علية القوم ووجهائهم ، وحدث ان حضر إحدي هذه الحفلات الموسيقى الكبير

هايدن ، فتطلع الكل إلى ما سيقوله شيخ الموسيقيين في " بتهوفن " الناشئ الذي اعترف له " موزار " من قبل بطول الباع . ولم يلبث " هايدن " أن اعترف هو ايضا " لبتهوفن " بالنبوغ والعبقرية فهلل له القوم وكبروا ، واخذوا يتسابقون في دعوته إلى الإقامة في قصورهم ، وتتلمذ له الكثيرون من الأشراف والأعيان ، ولكنه كان خجولا يحب العزلة والابتعاد عن الناس ، حساسا إلى اقصي درجات الحساسية ، يشعر بنقصه العلمي وحقارة نسبه ، فكان يؤثر الوحدة والانفراد

وظل كذلك حتى شارف القرن الثامن عشر الأفول ، ويزغ نجم " نابليون " يتلألأ في سماء اوربا ، فتسير جنوده يحدوها النصر واخذ الكثيرون يشايعونه وينظرون إليه على انه رسول للحرية والسلام والإخاء والمساواة . وكان " بتهوفن أحد المشايعين له والمؤمنين برسالته فوضع لحن " البطل " الذي مجده فيه واشاد بذكره ، وهذا اللحن معدود من الحان " بتهوفن " التسعة الخالدة . ولكنه لم يبق عليه بل مزقه وهو يحتدم غيظا وسخطا على " نابليون " عند ما علم أنه توج نفسه امبراطورا . إلا انه تحت تأثير اصدقائه عاد ووضع لحنا آخر أطلق عليه اسم " إحياء ذكري عظيم " .

أخذت أعمال " بتهوفن " بعد ذلك تزدهر ويفوح أريجها فيعطر الآفاق ، وأصبح محسودا من الجميع ، فاطمأن إلى نفسه بعد ان وثق من مقدرته وفنه ، فبسم للحياة وظن أن الدنيا مؤاتية والأيام مقبلة . ولم يدر المسكين ان الدهر يخدعه وانه ما ابتسم له لحظة إلا ليعبس له بقية حياته . وان هذا الصيت البعيد وتلك الشهرة غلاف ذهبي لتلك النكبة التي حلت به فبدأ الداء يتسرب إلى اذنيه وأخذ يتلف اعز حاسة لديه ، وبدأ سمعه يقل حتي انتهى بالصمم .

تغيرت الحياة في نظره ، فضاق بها ، ولكنه كتم همه

وظل يمارس عمله بنشاط رغم صممه ، غير أنه كثيرا ما كانت تمر عليه ساعات مريرة فيقوم إلى البيان يشكو اليه ما فعلت به الايام وما يكنه قلبه من الاحزان والآلالم ، فيهوي عليه بكل قوته ظنا منه ان النغمات ستصل إلى سمعه ، ولكن سرعان ما يترك البيان وهو يقول : " آه لو كان في مقدوري أن أتخلص من تلك اللعنة لجعلت العالم يرقص طربا " .

أي عزاء لبتهوفن يتعزي به في مصابه . وأي قلب يشاركه اوصابه ؟ وإلى من يشكو تباريح الأسي والشجون ليس هناك من طريق إلي ذلك سوى الحب ، ولكنه كان عاطلا مما يجذب قلوب النساء ، فقد كان دميم الخلقة غير ان نفسه كانت رقيقة تهفو إلي الجمال وتتطلبه في جميع صوره . فأحب المرأة وأخلص في حبه ) لمادلين ويلمان وهي أول فتاة احبها ، ولكنه ما لبث ان تحول عنها إلى ) جولينا كو شياردي ( فكانت فتاة لعوبا من اسرة نبيلة لم يجذبها اليه إلا شهرته وبعد صيته ، ولم تلبث أن تحولت عنه إلي غيره وتزوجت منه بعد أن جرعت بتهوفن كأس الشقاء ، وتركته يبحث عن بلسم شاف حتى وجده في حب ) تريز برونسوبك ( التي اثرت في حياته وفنه فظهرت فيهما روح جديدة وهدأت ثورته وقل سخطه على الحياة ، وترنم بأناشيد الحب والهيام ولحن الريف شاهد على ذلك ، وقد انتهى به حبه ) لتريز ( أن عقد له عليها ، ولكنه لم يدخل بها بل انفصل عنها وظلا على عهدهما حتى لحقهما الموت

كان ) بتهوفن ( قليل العناية بملبسه ومأكله ومسكنه لا تستهويه  الحياة بزخرفها وزينتها فكأنه حاضر فيها بجسمه غائب عنها بروحه وعقله . لا يستمريء لذة الطعام ولا يتعشق لونا من الوانه ، وكثيرا ما كان يجلس إلى المائدة ثم يغادرها دون ان يتناول طعاما او شرابا ، ثم يظن انه أكل وشرب وربما نقد الخادم آجر طعام لم يتناوله

كذلك كان كثير التنقل من مسكنه فكان لا يمضي عليه اسبوع حتى يحزم امتعته إلى مسكن جديد ، وربما

استأجر منزلين أو ثلاثة يتنقل بينهما ، وكان يميل إلى الإقامة بالطبقات العليا من المنازل التي يأوي اليها ، ليشرف منها على جمال الطبيعة وليكون بعيدا عن فضول الناس .

وكان مسكنه مثال الفوضي ، إذ انه لم يكن يعنى بترتيب أثاثه ولا بتهذيب فراشه . ففضلات الطعام ملقاة على النوافذ والأوراق مبعثرة في ارجاء الحجر ، والغبار يعلو المقاعد والبيان القديم الذي كان يستعمله في تلحين قطعه الموسيقية . وهكذا كانت معالم الاهمال بادية حيثما سرحت الطرف في جنبات مسكنه

كانت حياته شذوذا في جميع مظاهرها حتى في طريقة وضعه لالحانه ، فكان إذا رغب في التأليف لا يأوي إلي منزله ويجلس إلي مكتبه كما يفعل غيره من الكتاب والشعراء والموسيقيين . بل يخرج هائما على وجهه بين الأحراج والأدغال وسفوح الحبال حاملا قلما وورقا يدون فيه خواطره كلما عن له شئ . ثم يستأنف المسير او يجلس يستوحى آلهة الفن فتوحي اليه ببدائعه .

لم يتلق بتهوفن فنه في مدرسة ، ولم يعتمد فيه على كتاب ولم يصب من العلم إلا قليلا . ولكنه تلقي فنه على يد أم الفنون وأخذه من مصدره الحقيقي واطلع على صوره كما أبدعتها يد الفنان الأعظم وصورتها قدرة فوق مقدور البشر ، فأحب الطبيعة وهام بجمالها فجاب وديانها وصعد إلي قمم جبالها وانصت إلي شدو أطيارها وخرير مياهها . حتى تشبعت روحه بهذا الجمال وارتوت من ينبوعه الأيدي فانطلق ينشد على قيثارته أناشيد الحب والجمال .

هكذا عاش " بتهوفن " ابن الطبيعة البكر وعابدها المواظب على التعبد في محرابها ، وإليها كان يدين بفنه وعبقريته ونبوغه ، بل إليها يرجع خلود موسيقاه . ولقد بلغ من حزنها عليه ان شاركت الناس في حزنهم على فقده ، فهبت العواصف تعلن موته وبكت السماء لفقده تشارك ثلاثين الفا من النفوس اجتمعت لتشيع جنازته إلى مقرها الأخير في مقبرة " وارتج " حيث ووري التراب

اشترك في نشرتنا البريدية