الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 393 الرجوع إلى "الثقافة"

ذلك الأسلوب الجديد

Share

طلع علينا الأستاذ عبد الفتاح البارودي في عدد فائت من الثقافة الغراه برأي مبتكر ، إذا اقترح كتابة نوع جديد من المقالة ! أكد أنه قد أن الأوان لظهوره . هذه المقالة يري الأستاذ أن يقتصر كاتبها على حشد أكبر عدد ممكن من المعاني الجديدة المركزة في أضيق مكان دون التمهيد لها بالمقدمات المألوفة واصطناع التعليل والتأويل ، بل يكتفي بسرد الحقائق عارية من الزخرف ، واشترط ان تكون هذه المعلومات مما لم يسبق للقارئ الاطلاع عليها ، لانه مثقف فرضا كما شاء كاتب المقال ان يسميه

وإني أري أن هذا النوع من المقالة إذا قدر له أن يذاع على الناس - وما أتوقع ذلك في المستقبل القريب على الأقل - فسيسلك ضمن موضوعات المجلات العلمية الخاصة التي تكتب لفئة من المتخصصين في مادة ما ؛ إذ كل القراء في هذه الحالة عندهم علم سابق مما كتب في هذا الموضوع الذي تخصصوا فيه . أما قراء المجلات العامة فإنهم يختلفون في درجة ثقافتهم كما ونوعا ، فمثل هذه المقالة ان يستفيد منها إلا فئة ضئيلة جدا من القراء ، هم من اسعدهم الحظ فسبق اطلاعهم على المعلومات التي افترض الكاتب سابق علمهم بها

والمقالة التي تحوي المعاني المجردة دون العناية بالتسوب الذي تظهر فيه هذه المعاني هي من عمل العالم ، ولا يمكن أن تكون موضوعا لدراسة الفنان أو إنتاجا فنيا لاديب ، فالادب يعبر عن شخصيته عن طريق أسلوبه في الأداء .

كما لا يخفى أن استيعاب هذا الضرب من المقالة لن يكون سهلا ولا سائغا ، فذا كرة الإنسان لا تعي معني من المعاني في يسر وسهولة إلا إذا ارتبط هذا المعنى بمعنى آخر فيسهل في الذاكرة القيام بعملها عن طريق التداعي ؛ وقد

يكون هذا هو السبب في مراعاة الكتاب للتلوين والانسياق والتداعي حتى تظل المقالة باقية الأثر في ذهن القارئ .

وما أظن أن الكاتب الفاضل قد آمن بفكرته التي يدعو إليها ، وإلا لكتب مقالته بأسلوبه الجديد فظهرت في بضعة أسطر علي الاكثر ولكني أظن أنه لاحظ مبالغة بعض الكتاب في الاحتفال الحمائي ، فالكاتب منهم يطيل المقدمة والخاتمة ، ويسرف في التعليق والتذييل ، حتى يكاد المعنى الذي يرمي إليه يختفي بين طيات المقالة ولا يكاد يبين . فلا يخرج القارئ بعد قراءة كذا من الصفحات بأكثر من معني بسيط لا يستحق ما بذل في سبيله من وقت وعناء .

ولعل هذا هو المغمز الذي أراد الأستاذ البارودي أن ينبه إليه من طرف خفي بأسلوب جديد .

اشترك في نشرتنا البريدية