الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 900الرجوع إلى "الرسالة"

ذلك الساحر!. .

Share

نفض ياغنيني عن جسده ذلك الوشاح الشاحب، الذي حاكه  المرض، وترك فندقه ليتنفس الهواء الرطب، وليرقب الحياة في  شوارع باريس!

وما كاد يقطع في بهو الفندق خطوات، حتى لفت نظره  على الباب امرأة بدا على لباسها البذخ، وعلى مظهرها الرفعة. . .

كانت تتحدث إلى البواب، وتشير نحوه باهتمام!

وياغنيني ذلك الأحمق الذي يضيع الفرصة إذا واتته، لم  يكن ذلك الذي زهد في النساء وابتعد عن الحب. . . لقد جاء باريس  وهو يشكو المرض الذي أورثه إياه الحب، ويعاني الضعف الذي  أخذه في الانهماك في طلب اللذات!

وأسرع يغنيني وراء المرأة، ولكنها كانت قد اختفت عن  ناظريه في منعطفات الطريق!

وراحت خطواته تذرع - الشانزليه - وتضرب رصيفه  ضربات هادئة، متثاقلة. . . وبينما كان الموسيقار الشهير، ساحر  النساء وفاتن عقول الفانيات، يسير على الرصيف مطرق الرأس،  مشغول البال في المرأة التي أضاعها، وأفلتها من بين يديه، إذا  به يلمح عربة فخمة، تترجل منها سيدة، وتدخل واحدة من  هذه المقاهي المزروعة على الرصيف!. . . يا للمصادفة!. . . إنها  هي بنفسها!. . . تلك المرأة التي رآها على باب الفندق منذ لحظات!

وأسرع يدخل المقهى، ويتخذ مجلسه أمامها. . . وحاول أن يلفت إليه نظرها، ولكن المرأة الجميلة، ذات

الرأس الصغير، والشعر المرصع، الأبقع، والأنوثة  الناضجة ما، كانت لتترك جريدة في يدها، وتلتفت إليه!

ولم يطق صبراً. . .

كان إذا أراد امرأة حاول المستحيل ليظفر بها. . . هكذا  خلقه الله، يشتهي النساء، ويلقى عندهن الخطوة!. . .  ما ذنبه هو؟

وأرسل إليها على بطانته، كلمة صغيرة يسألها فيها أن يتحدث  إليها. . . ودفع بها إليها مع النادل!

لم يصدق ياغنيني عينه، حين قرأ ردها. . أنها لترحب به  وترجو بحرارة ألا يتردد في التعرف عليها. . . إنها فرصة كانت  تسعى للحصول عليها منذ سمعته يعزف ألحانه الساحرة على قيثارته!

وتحدثا عن كل شيء. . . وراح ياغنيني يتأمل هذه الحمامة  في كثير من الحب والشغف!

وعرفته بنفسها. . .

(أنا يا صديقي زوجة رجل صناعي كبير. . رجل مشغول  دائماً بمشاريعه وأعماله!)

ودعته المرأة لمشاهدة حفلة راقصة تقام تلك الليلة. .  وطبعاً، لم يرفض ياغنيني هذه الدعوة، ولكن على شرط. . أن يعود  بها إلى منزلها بعد ذلك!!

كان الليل أبدع إطار يضم صورة عاشقين. . . وكانت العربة  كثيرة الرفق بهذين المغرمين، سارت بهما إلى مخدع المرأة سيراً رفيقاً  رهيناً، النجوم تضيء لها الطريق، والقمر ينشد أغاني الغرام  وكانت ليلة!. . .

ليلة، جددت شباب الموسيقار. وأعادت إليه فتوته. . .  وما ادخرت المرأة وسعاً لإشباع الرجل من الحب، واللذة!  ونام ياغنيني على أنعم ذراع، وكانت زوجة الصناعي الكبير  خبيرة في شؤون الحب

وفي البكور - نهض الموسيقار ليودع مخدع غرامه، على أن  يعود إذا ما أكتشف الرجل الصناعي الكبير مشروعا جديداً!.  ولكنه ما كاد يجتاز عتبة الباب، حتى التقى برجل قدم إليه رسالة  مختومة في صينية من خالص الذهب. . وكم كانت دهشة الموسيقار  عظيمة، حين فض الرسالة فوجدها قائمة الحساب!!

واحتقن وجهه بالدم. . . أتكون هذه المرأة قد خدعته؟!

أيحسب نفسه قد فاز بسيدة عريقة، نبيلة ولم يكن إلا ضحية  بغي من بائعات الهوى الرخيص.

وسدد نحو فك الرجل لكمة عنيفة. . . وخرج!

لم يكن ياغنيني قد نسي حوادث الليلة الماضية، فهو لا يزال  شديد الحنق على تلك المرأة التي خدعته. ما وقع مرة  في الشباك، ولا اقتنصته امرأة. . . كان دائما هو الصياد والنساء  صيده الثمين!. . . أفيكون اليوم ضحية بغي من بنات السبيل؟!

وجاءه من يدعوه لحفلة يقيمها وزير الداخلية.

(إن الحفلة يا صديقي ستكون على أروع ما يمكن أن تكون  حفلات باريس، ولى أن أحدثك عن الحسان اللواتي ستضمهن  القاعة الفخمة. . . أريدك أن ترى كل شيء بعينيك.

ووقف ياغنيني مأخوذاً أمام روعة الصالون وفخامة، وجمال  النساء، وسحر منظرهن، ولكن. . . رويداً. . . من عساها  تكون هذه الجميلة التي تستقبل المدعوين بهذه العظمة وتلك  الابتسامة الساحرة؟!. . من تكون؟. . من تكون؟ . . رباه، أممكن هذا؟. أتكون هي بنفسها. تلك المرأة التي  خدعتني بالأمس؟

وتقدم من الوزير، وسأله في حيرة بالغة، ودهشة كبيرة:  سيدي. . . هل تعرف تلك المرأة التي هناك؟. فابتسم الوزير، وقال لضيفه الكبير: نعم. . . ألم أقدمك بعد إلى زوجتي؟

وأخذه في يده. . هنريتا. يا عزيزتي. . . هل لك في أن ترحبي بضيفنا الموسيقار  الشهير، نيقولا ياغنيني؟

ولبست المرأة ثوب الثعلب، وقالت، وهي تنحني للضيف العزيز:  لي الشرف بالتعرف على الموسيقار الشهير الذي سحر الدنيا بأنغامه.

وترك الوزير زوجته لترحب بالضيف (العزيز) !. . . فمدت  نحو أذنه فمها العنابي وشفتيها الساحرتين وهمست: - أتدري  كدت تقتل أخي بتلك اللكمة القاتلة.

وكادت امرأة باريسية تذهب بصواب الموسيقار الذي لم يخنه  سحره في النساء:

البصرة

اشترك في نشرتنا البريدية