الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

رأى فى " الضحك "

Share

كتب " إدجار الن يو " الشاعر والناشر الأمريكي ) ١٨٠٩-١٨٤٩ ( في إحدي قصصه يقول :

" هل يعلم القارئ أن في مدينة ) إسبرطة ( ، - ومحلها الآن بلدة تدعي بالبو كوري - وفي غرب القلعة ، وبين أنقاض الخرائب التي ما تكاد تبين ، تبرز قاعدة لأحد الأعمدة منقوش عليها باليونانية كلمة yelnzma ومعناها " الضحك " ؟ ! فإذا علمنا انه كان موجودا في ) إسببرطة ( ألف معبد وهيكل ، وألف محراب ومذبح ، وهي لعدد لا يحصى من آلهة الاساطير ، إذا علمنا هذا تولانا العجب من إبقاء الزمن على هذه القاعدة دون سواها " .

وإني لأري بعين الخيال أن أبناءنا وحفدتنا سوف لا يحتفظون من كل مخلفاتنا في الادب إلا بفكاهتين ، أو ثلاث من فكاهات هذا الزمان التي تستأهل البقاء والتخليد ،

ولست تجد اليوم من نقود الإسيرطيين درهما أو دينارا ؛ وقد اختفت آلهتهم ، ولم يبق منها إلا إله الضحك كما كانت تصفه أساطيرهم .

فإذا غابت عن أبناء  زماننا هذا روح الفكاهة وجب أن يسألوا الله أن يتولاهم بالرحمة والمغفرة .

وقد عرف بعضهم الضحك بأنه الحالة التي يفاجأ المرء فيها بما يخالف قوانين العرف . ذلك لأن الناس يؤمنون في قرارة نفوسهم ان للكون نظاما عاما شاملا ، ويعتقدون ان لكل شئ غاية حسنة يسير إليها قدما .

والمرء يسارع إلي الضحك قبل أن يسعي إليه البكاء كما يقول يومارشيه . والمرء يضحك مما ينال الآخرين من مهانة وتحقير ، ومرد ذلك إلي الأنانية ؛ فهو يحس أن ما نقص من قدر الآخرين قد زاد في قدره - ويضحك المرء من المفارقات ، فقد تضحك إذا سمعت رجلا يحكي بلهجة الجد أنه رأي سلحفاة تغني .

وقد تضحك إذا سمعت الحكاية الآتية :

في جزائر برومودا لا يجد المرء أية حشرة من الحشرات ، ولكن من دعاوي سكان تلك الجزر أن العنا كب في بلادهم كبيرة الحجم جدا ، وان من تلك العنا كب ما يملأ الواحد منها طبقا كبيرا من أطباق المرق .

ويحكى أن رحالة سأل رفيقه في السفر ، وإحدي حذائيه في يمينه

- هل هذا الحذاء لك ؟

نعم

إنى إذا لسعيد ! تصور أني لمحت في هذه اللحظة

عنكبوتا يحملها ويمشى بها . وأنه في اليوم التالي وعند منبلج الصبح هذا العنكبوت بذاته ، خلع إطار النافدة ليمكنه دخول غرفة المحدث كي يسرق قميصه ، فسأله زميله

وهل سرق قميصك فعلا ؟

كلا

- إذن كيف عرفت أنه كان آت لسرقة قميصك ؟

قرأت ذلك في عينيه

والمثير للضحك في هذه الحكاية عاملان :

العامل الأول : إثارة العجب في نفس السامع من وضع العناكب في صفوف الحيوانات ذوات الأربع والفرق الهائل بين العنكبوت بحجمه الطبيعي وبين الحذاء

والعامل الآخر : استحالة تصديق أن عنكبوتا تكون عنده النية المبيتة للاستيلاء على أشياء موقوف استعمالها على الآدميين . ثم القول بأن النية المبيتة كانت مقروءة في عينيه ! !

وإلي القارئ صورة أخري من صور الفكاهة مبعثها الرغبة في الإيلام والتفريع ؛ وهي محاورة بين رئيس ومرءوس ، وهي صورة كثيرة الشيوع ، ولكن أسلوب المناقشة الفكه هو ما قصدنا إليه بنقلها :

الرئيس لمرءوسه لقد تغيبت عن الديوان أمس .

المرءوس : نعم يا سيدي الرئيس .

ولماذا ؟

- لأن صهري قد توفي .

ماذا تقول ؟ أعد بالله !

- نعم أقولها . وأعيدها . وأقسم على صحة ما أقول .

- هذا عذر غير جديد ! فاليوم قد فقدت صهرك .

ومنذ ثمانية أيام توفيت عمتك ؟ والشهر الماضي نعي النعاة عمك ؛ واغتالت المنون والدك يوم عيد الميلاد ، ووافت

المنية أمك يوم عيد الفصح ؛ ولم يقفل عزرائيل طرفة عين عن قبض أرواح سائر أقربائك ؛ فقد توليت دفن أبناء أعمامك وبنات عماتك ، وعدد غير قليل من أقربائك البعداء والأقربين ، وكان الدفن بمعدل واحد على الأقل كل أسبوع ؛ فيالها من مجزرة ؟ وأية مجزرة ثم أذكر أبي لم أدخل في حسابي البنت الصغري التي زوجتها مرتين في العام ، ولا البنات الكبرى التي تلد مرة كل ثلاثة أشهر ! كفي يا سيدي كفي ؟ إنك تهزأ بجميع الناس ! حسنا ! ولكن لكل شئ حد ! اتظن أن الحكومة يا سيدي تنقدك ألفين وأربعمائة فرنك في العام ، لتقضي حياتك في تزويج بعض أهلك وفي دفن من بقى منهم ، ثم لتكون " عرابا وشبينا " في حفلات معمودية أولادهم أجمعين ؟ إنك تسخر من نفسك وتهزأ بها ! أقول قولي هذا . والويل لك !

( عن الفرنسية )

اشترك في نشرتنا البريدية