فى عدد ١٤٢ نقلت الثقافة الاجابات التى أجاب بها نفر من كتاب الأمريكان عن سؤال وجهته إحدى الصحف الأمريكية إليهم وهو : (( بين الكتب التى تحظى بالشهرة العالمية والمجد الأدبى مؤلفات لا تستحق ما نالته من السمعة ، سواء فى ذلك المؤلفات الحديثة والقديمة ؛ فما هو الكتاب الذى تختاره ليحمل لقب أسوأ كتاب فى العالم ؟ )) .
وكان أول هذه الاجابات - كما نقلتها الثقافة - إجابة وينفرد أرنست جارسون . وقد رشح الكاتب فى إجابته الكوميديا الالهية لدانتى لتحمل لقب (( أسوأ كتاب فى العالم )) . ولا ريب أن هذا الرأى قد صدم الكثيرين من المؤمنين بعبقرية دانتى ، كما صدم منذ عام ونيف مثل هذا الرأى نفرا من شباب القدس المثقف ؛ وذلك أن جمعية الشبان المسيحية فى القدس كلفت كاتب هذه السطور أن يختار له موضعا يحدث فيه شبان الجمعية ، فاختار أن يحدثهم فى موضوع (( وهم وأسبابه )) . وفى خلال الحديث أشرت إشارة عابرة إلى شاعر من الشعراء العالميين ينال - فى رأيى - من الشهرة الأدبية فوق ما يستحق ، ولم أذكر اسم الشاعر تصريحا
يومئذ ، إنما لمحت إليه تلميحا . وجاءنى بعد حين نفر من الشبان وطلبوا أن أسمى هذا الشاعر العالمى الذى لا يستاهل المنزلة العالية التى يحتلها فى ثبت الخالدين . ولم أشأ أول الأمر أن أسمى لهم هذا الشاعر ، وقلت : إننى لم أشر إليه وأنا أقصد ذمه وانتقاصه بالذات ، إنما أشرت إليه كمثال من الأمثلة العديدة التى تبين لنا كيف تتحكم الأوهام الموروثة فى عقول الناس ، وتحملهم على تقدير الأشياء والأشخاص - فى أحوال كثيرة - تقديرا زائدا أو ناقصا ، كما قد تسعد الظروف أو لا تسعد . إلا أن أصحابنا ألحوا وألحفوا ورجوا ، حتى ذكرت لهم اسم دانتى . . . ولقد كان ما قدرت ففغروا أفواههم مستغربين مستريبين ، ثم انطلقوا يحاجون ويلاجون ساعة طويلة ، وافترقنا وكل منهم مصر على رأيه إلا القليل ؛ ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل مضى نفر منهم يشيعون ويشنعون أن فلانا لم يقل كيت وكيت إلا لغرض فى نفسه . ولما بلغنى خبر ما أخذوا على عاتقهم أن يشيعوا ويشنعوا قلت : سبحان الله ! ألا نستطيع أن نرى الرأى لم يجر فى سبيل مطروق إلا وينسب إلينا الغرض أو التحكم أو حب الاغراب أو خلافها مما يحلو للمشنعين أن يشنعوا ؟ !
هذا رأى الأمس . أما رأى اليوم ، كما يرى القارئ ، فهو رأى الكاتب الأميركى ، فهل يقوم أصحابنا بالأمس لو أتيح لهم الاطلاع على رأى هذا الكاتب الأميركى ، ويقولون : إنه الكاتب المغرض الذى لا يتوخى الحق ولا يتحرى الانصاف ؛ أو يقولون : إن المرء قد يأتى بالفكر الطريف وهو لا يقصد التحكم ولا التهجم ولا الاغراب ؟ !
فوضى الطبع والنشر وجنايتها على الأدب العربى بين يدى وأنا أكتب هذه الكلمة كتابان ومقال عن كتاب فى صحيفة أما الكتابان فهما الجزء الأول
من العقد الفريد كما أخرجته لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وديوان أبى نواس كما أخرجته إحدى المطابع (مطبعة حجازى فى القاهرة عام ١٩٣٧) . وأما المقال فهو تلك التحية العاطرة التى وجهها من الثقافة الروائى الكبير الأستاذ محمود تيمور إلى الأستاذين طه حسين وعبد الوهاب عزام ، وإلى أصحاب مطبعة المعارف الذين تعاونوا تعاونا صادقا على إخراج كتاب " كليلة ودمنة " فى طبعة جديدة ، بلغت شأوا بعيدا فى إناقة الطبع وجودة الورق ودقة الضبط والتحقيق . وليس الكتاب بين يدى لأرى بعينى إلى أى حد بلغ الاعجاز فى طبعه ، فأدعه وأعود إلى الكتابين اللذين أرى أمامى الآن . أما العقد كما خلصته لنا لجنة التأليف من سخافة الطبع وغثانة الورق وشناعة التحريف والتصحيف ، فقد خرج من مطبعة اللجنة كأحسن ما أخرجت مطابعنا الحديثة كتابا ، وإننا لنرتقب الأجزاء الباقية بشوق أشد مما ارتقبنا هذا الجزء الأول ، وذلك أننا نعلم الآن علم اليقين أى شئ نرتقب . وأما الكتاب الآخر ، وهو ديوان أبى نواس ، فأنا أفتحه الآن كيفما اتفق ، وأجد حيث فتحت ما يأتى
نجد فى أعلى الصفحة المائة والخامسة والستين ، حيث فتحت ، هذه الشطرة : " من كف مضمر الزنار معتدل " وواضح أن الأصل " منضمر " بدل " مضمر " ، فالوزن والمعنى يقتضيان ذلك .
وفى هذه الصفحة أيضا هذا البيت :
حاك أبيع بها وشيا وجللها
بيانع الزهر من مثنى ومن وحد
ولا ريب أن هذه " الأبيع " هى الربيع بعينه . وفى الصفحة عينها ثالثة الأثافى ورابعتها ، ففيها
هذه الشطرة : " فذلك رايه ليل ودأبى " .
ولن تصيب لها معنى إلا إذا جعلتها : " فذلك دأبه ليلى ودأبى " .
هذا فى صفحة واحدة فما بالك بكل ما فى الديوان ؟
ولا تقع على هذا فى كتاب دون كتاب ، إنما أنت واقع عليه فى أكثر ما بين أيدينا من كتبنا القديمة ، وعلة هذا أنه لم ترسم إلى الآن سياسة واضحة حازمة لنشر أدبنا القديم . وإنه ليخيل إلى أنه يستطيع كل من يشاء أن يطبع ما يشاء من الكتب القديمة دون أن يجد حسيبا ولا رقيبا ، فهل مثل هذا يجرى فى مطابع الغرب أم شئ خلافه ؟ إننى أنظر فى الطبعات المتعددة للكتاب الواحد يطبع فى الغرب ، فلا أكاد أقع فى الكتاب كله على الغلطة الواحدة من الأغلاط المطبعية ، فإما أن هناك هيئات مركزية تشرف على إعادة طبع هذه الكتب القديمة التى مات عنها أصحابها ، فلا يستطيعون أن يدفعوا الأذى عنها ، فيوكل أمر طبعها إلى هذه الهيئات ، وهى فى معظم الأحوال هيئات قديرة محترمة ، وإما أن جميع الطابعين والناشرين هناك بلغوا من سمو الثقافة والشعور بالمسئولية جدا لا يحتاجون معه إلى رقابة . والذى أتمناه - مادام كثيرون من الناشرين عندنا على أضأل حظ من الثقافة والشعور بالمسؤولية - أن تتفق جميع الحكومات العربية على تنظيم شؤون الطباعة والنشر ، فلا تسمح إلا لهيئات المحترمة بطبع الكتب القديمة ، والاشراف على تصحيح ما تحفل به الطبعات السابقة ، والمخطوطات التى لم تطبع ، من أغلاط . بهذا ، وبهذا وحده نستطيع أن نحبب أدبنا القديم إلى الناشئة ، ونخلص الكثرة الكاثرة منه مما تحفل به من ضروب التحريف وسخافة الورق وغثانة الشرح والتعليق ، وإذا قيل : ليس كل قارئ يستطيع أن يبتاع الطبعات الدقيقة الأنيقة لما يصرف عليها من جهد وعناء ومال . أجيب : إنه بالإمكان أن يطبع الكتاب الواحد الطبقة الأنيقة الدقيقة ، ويقتنيها القارئ المتأنق ، ثم تطبع منه الطبعة الرخيصة الصحيحة ، ويقتنيها القارئ الفقير ومتوسط الحال ، كما يفعل الغربيون فى طبعاتهم المتعددة للكتاب الواحد .
( شرق الأردن )

