الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 388الرجوع إلى "الثقافة"

رأيان في معرض الفن الشعبي, ريبورتاج :, معرض الفن الشعبى

Share

مر عام كامل منذ أقام الأستاذ حبيب جورجي معرضه الذي سماه ( معرض الفن الشعبي ) ووجدت نفسي أجول خلال المعروضات فيه لأني لم أملك أن أحرم نفسى من فرصة تتبع الفكرة الجليلة التي يتجشم حبيب جورجي في سبيلها كل ما يتجشم من مشقة .

لست من فن الرسم والنحت في شيء - علم الله - ولو كان الأمر لا يزيد على أنه فن رسم أو نحت لما تجرأت على أن أتحدث فيه إلا لخاصة الأصدقاء ، كما يقضي الإنسان إلى خلصائه بخاصة أحاسيسه . ولكن معرض الأستاذ حبيب ينطوي على معنى أقرب إلي من الرسم والنحت . فما هو في نظري إلا محاولة تعليمية من الطراز الأول ، ولهذا أحاول أن ألخص فكرته كما استطعت أن أؤولها لنفسي .

من أهم خصائص الإنسان أنه يتوق إلي التعبير عم يحسه بوسائل مختلفة . فهو يعبر باللغة ، وهو يعبر بالموسيقي ، وهو يعبر بتجسيد المعاني أو تصويرها . والتصوير إذا كان متبعثا عن وحي النفس كان جديرا بأن يسمي فنا .

والتعبير عرضة للتأثر بعوامل مختلفة تعوق نموه أو تحرفه وتجعله متكلفا . فالإنسان إذا عبر باللغة عن حقيقة أحاسيسه الخاصة ، وكانت لديه المواهب الطبيعية التي تؤهله لهذا التعبير الصادق في أسلوب جميل يقع في النفوس كان أدبيا أصيلا . وكذلك إذا استطاع أن يعبر عن تلك الأحاسيس بالتصور أو النحت ، وكانت لديه المواهب الطبيعية التي تؤهله لذلك في أسلوب جميل كان فنانا أصيلا ، وهكذا . وأما إذا كان يردد ما ينقله من أساليب غيره في التعبير عن أحاسيس لا ينبض بها قلبه ولا تصدر من

وحي نفسه فإنه لا يمكن أن يزيد على أن يكون صانعا ماهرا .

ولهذا كانت التربية تهدف دائما إلي إتاحة الفرص للناشئة أن تدخر المعاني والأحاسيس وأن تزيد ثروتها الفكرية والروحية ، ثم لا تزال تنعي ذلك الكنز المدخر وتجبله في محاولات تعبيرها ، وهذه المحاولات تنتهي دائما بزيارة المقدرة والتفنن في أساليب التفكير والتعبير .

هذا غرض من الأغراض التي تهدف التربية إليها ، وهذا ما حاول الأستاذ حبيب جورجي أن يحققه من ناحية الفن ، فإنه اختار بعض من لهم استعداد للتعبير الفني وتوفر على حمايتهم من المؤثرات التى تسرق نمو مواهبهم ، وجعلهم ينطلقون في سبيل التعبير الذاتي ، وما زال يواصل عرض أعمالهم عاما بعد عام مدة ثلاثة أعوام حتى أتي لنا هذا العام بمرحلة من مراحل تطورهم ، فكان في معرضه برهان جديد علي صدق نظريته التربوية التي أشرت إليها .

هذا ما يدعوني إلي الكتابة عن هذا المعرض الفني ، وهذا ما ينبغي لكل مهتم بأمور التربية أن يعني بالتحقق منه ومتابعة الاهتمام به .

وتلاميذ الأستاذ حبيب جورجي هم ثلاث بنات : كبراهن سيدة ووسطهن سميرة وصغراهن بدور . فأما الأولى فقد ظهر في هذا العام أنها قد وضعت قدميها على طريق التفنن البارع .

ففي معروضاتها خمس قطع تليق لأن توضع في معارض أصحاب المذاهب الفنية في النحت بغير مبالغة . وآثارها تشع ذلك الروح الريفي الساذج الذي ينبض بالرثاء لما في حياة مصر الشعبية من هموم ( انظر الشكل الأول ) .

وأما الوسطى سميرة فإنها قد وثبت هذا العام وثبة نحو الانطلاق في التعبير وإن كانت معروضانها تمتاز بالنظرة المرحة المداعبة المستبشرة . فقد اختارت موضوعها ( الزنجية ) فأبدعت في تصويرها في جلسة ( متبذلة ) غير مبتذلة لا يملك معها الإنسان إلا أن يبتسم للحياة . واختارت موضوعا آخر ( الزوجان الريفيان ) ولا يملك الإنسان إذا وقع نظره عليه إلا أن يغتبط لمنظر السعادة الساذجة البلهاء .

وأما الصغري بدور فإنها لا تزال في أول دور الاهتمام ( بالدردشة ) ، فهي في سن الحادية عشرة ، ويبشر أسلوبها بما سوف تكون عليه من تبريز في ناحية يمكن أن نسميها ( الفن الاجتماعي ) . فكل من البنات الثلاث تدرج في مرحلتها وفي سبيلها وتمتاز بأسلوبها ، ويشترك الجميع في ذلك الصدق الذي تهيأ لهن من قلة التأثر بالإملاء من الشخصيات المسيطرة .

هذا رأي صريح أحسسته عند زيارتي للمعرض ، وقد أوحت لي الزيارة في هذا العام بما يجعلني أزيد ثقة بنظرية حرية الانطلاق في التربية وسوف أكون في انتظار العام المقبل إن شاء الله لأري مدى التطور الجديد الذي أرجوه لهذه التجربة الكبرى آملا أن أري في المعرض المقبل آية أخري تدعم صدق هذه النظرية الطريفة .

وإن كانت لي نصيحة للأستاذ حبيب فإني أشير عليه بأن يعمل على زيادة كنز الأحاسيس في تلك الصدور الصغيرة ، وأن يعمل على رفع المستوي الثقافي لتليذاته حتى يواصلن التقدم المنشود في سبيل هذا التعبير الصادق عن آلام الإنسانية ومسراتها ومعانيها العليا .

اشترك في نشرتنا البريدية