الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 361الرجوع إلى "الرسالة"

رأي الأستاذ الشاعر (أبو شبكة) في ليالي الملاح التائه

Share

هذا شاعر أحبه، وقد زاد حبي له منذ أن أقصى لقب مهنته  عن أسمه الشعري، فلعهد خلا كان يدعي     (علي محمود طه المهندس)    فتذمرت من هذا اللقب في معرض حديث لي عن شعراء مصر،  وهمست في مسمع الشاعر أن كلمة   (مهندس)  تنفرَّ أذني  الموسيقية بما تنطوي عليه من الخطوط والمنعرجات، وتشبكني  بقضبان وحبال لا أطيقها. وكأنه يحبني هو أيضاً ويحترم أذني  الموسيقية، فارتفع بين ليلة وضحاها من     (علي محمود طه المهندس)    إلى   (علي محمود طه) .

وعلى محمود طه من أجمل شعراء مصر. فالجمال مزروع  في جميع قصائد، حتى في     (أفراح الوادي)   منها. ولكم  تمنيت لو أفرغ مجموعته الأخيرة   (ليالي الملاَّح التائه)  من قصائد      (أفراح الوادي)   وأبقى هذه الأخيرة لمجموعة أخرى يوعيها  ما يعرض لخاطره من أسباب التهاني والرثاء. . .

أستهل الشاعر مجموعته ب (أغنية الجندول وقد  تكون هذه القصيدة أشعر ما في   (ليالي الملاح التائه)  وأجمل  وأطرب، وكفى. . . لا أعلم ما بي. . . أتراني متبرماً هذه الليلة؟

فتعريف الشاعر لقصيدته الساحرة هذه بأنها   (تغريدة الموسيقار  الكبير الأستاذ محمد عبد الوهاب)  لا يعلي مقامها في نظري.  فعبد الوهاب يغرد لمن هب ودب من الشعراء فضلاً عن أنه لا يشرف  شاعراً كعلي محمود طه.

أما أعمق قصائد     (ليالي الملاح التائه)   فهي ولا شك قصيدة    (كاس الخيَّام)  فقد قدر الشاعر في قصيدته هذه على التسلل  إلى خوابي نيسابور فشرب من الخمرة التي أسكرت عمر الخيام،  ورأى في هذه الخمرة ما لم يره الدهماء من الناس:

قصة الزهد التي غنوا لها ... عللتهم بالسراب الخادع

نشوة الشاعر ما أجملها ... هي مفتاح الخلود الضائع

لقد سكر من خمرة الشاعر فجاء بشعر روحاني من نسيجه،  وغمرك بجو سري يدرك بالحس إذا أرهف وعمق، ويحملك - على  غير هوى منك - إلى نعيم من الحياة لن تقدر لك متعة فيه إذا  لم تكن شاعراً في أعماقك

كأس الخيَّام هي الحياة كما يجب أم يكون، فيها الخمرة  الخالدة، هذه الخمرة التي فقدها الشعراء:

أيها الخالد في الدنيا غراماً ... أين نيسابور والروض الأنيق

أين معشوقك إبريقاً وجاما ... هل حطمت الكأس أم جف الرحيق؟

وكأني بالشاعر قد فرغ الشعراء من حوله، يقول لهؤلاء:    (الكرمة ما تزال خضراء، والمرأة ما تزال جميلة، والطبيعة  لم تخل عن عهدها، فلمَ خثر فيكم الحس وجف الرواء؟ أتراكم  ضللتم طريق الخمارة المحيية؟)

كلما لألأ في الشرق السنا ... دقت الباب الأكف الناحله

أيها الخمار قم وافتح لنا ... واسقنا قبل رحيل القافلة

لزوال الحياة وأوهامها اللذيذة في هاتين الكلمتين:   (رحيل  القافلة) ، وقعه في نفسي كتلك   (الكوكو)  من مطوقة الخيام  على طاق كسرى. وقد لا تشيع فيك الكآبة مما في     (ليالي الملاح التائه)  ،

حتى تشيع فيك غمرة من الطرب، ويلتقي هذا الطرب وتلك  الكآبة في مزبح يلطف في نفسك ويخلق حولك جواً يوحي إليك  شوقاً وحسرة، وشوقاً إلى متع الحياة، وحسرة على زوالها

ها هم العشاق قد هبوا إلى الوادي خفافا

أقبلوا كالضوء أطيافاً وأحلاماً لطافا

ملأوا الشاطئ همساً والبساتين هتافا

الصبا والحسن والحب هنا ... يا حبيبي هذه الدنيا لنا

فاملأ الكأس على شدو المنى ... واسقنا من خمرة الرين، اسقنا

أجل، أيها الشاعر، إن الدنيا للشعراء ما بقي الحب في قلوبهم  المكشوف

اشترك في نشرتنا البريدية