دعا ه . ج . ويلز في أحد كتبه الجديدة إلى إقامة حكومة عالمية » تلغى فيها الشعوب والأمم ، ولا يدين فيها الأفراد بالحب لوطن معين ، كانجلترا بالنسبة للانجليزي مثلا، وإنما يصبح فيها الأفراد مواطنين في أمة كبرى هي العالم بأسره ، لا يعرفون غيره وطنا .
وقد علل دعوته بأن سبب الاضطراب الذى يسود العالم اليوم هو هذا التعصب الأعمى للقوميات ، والايمان بالوطنية دون تبصر ولا رعاية للانسانية كلما ، حتى إن كل شعب يرى الوطنية فضيلة عند أفراده إذا تمسكوا بها وأسرفوا فيها، ورذيلة عند الغير إذا حرصوا عليها ودافعوا عن أوطانهم ، فالحل الوحيد السلام العالم هو إلغاء الأوطان والشعوب، وإحلال « اللاقومية » محلها في ظل حكومة عالمية
وقد رد الأستاذ روبرت لندن في مقال نشره مجلة جون أو لندن » تحت عنوان « رذيلة الوطنية » ، فأشار إلى ما كان يدعو إليه والزيو شاعر إيطاليا الراحل من التعصب الموطن ، أو « الأنانية المقدسة» حيث لا يؤمن الفرد إلا بوطنه ويحتقر ما عداء من أوطان الآخرين، قائلا ان الوطنية تتحول بمثل هذه الدعوة إلى رذيلة ، كما تتحول فضيلة احترام النفس إلى رذيلة عند ما تصبح كبرياء وتعاليا على الغير ، ولا تصبح وطنية مهما زينها أمثال دانتنزيو بالألفاظ الضخمة كالتقديس ، وإنما هي رذيلة بحتة قوامها الطمع والشرء مما لا تعرفه الوطنية التى تقوم على حب
الوطن واحترام أوطان الغير . وعلى ذلك فهو يرى أن الوطنية ليست هي السبب في مشاكل العالم الحاضرة ، كما يرى ويلز ، إنما هو مجرد الطمع والرغبة في التسلط والاغتصاب.
أما إلغاء الشعوب والقوميات ، فان الكاتب براء مستحيلا ، لأن الشعوب لا تمحى ولا نزول ، وهو يستند إلى التاريخ الذي يؤيده فيا ضرب من الأمثلة بإيرلندة ويولندة ومصر ، فإن كلا منها قد صمد لكل التجارب من الاضطهاد والفقر إلى التقسيم ومحو اللغة ، ويشير في دعاية إلى إيطاليا نفسها التي زعم أحد ساسة النمسا غداة ثورة استقلالها أنها : ليست شعباً وإنما مجرد اصطلاح جغراف» ، ومع ذلك فقد عاشت إيطاليا شعباً له طابعه إلى اليوم. ثم يتساءل : « لم لا تقوم هذه الوحدة العالمية كما ويدها ويلز إلى جانب الوحدات القومية جنباً إلى جنب، وليس تضاد بين التعاون في وحدة عالية ، والاستقلال القومى لكل شعب على حدة ؟ )
إن السبيل إلى السلام ليس هو إلغاء القوميات والاعتقاد بأن الوطنية رذيلة ، وإنما هو تنقية الوطنية وإبعادها عن فكرة الأنانية ، والايمان بأن الاعتداء على الغير شيء ، والوطنية شيء آخر .

