هناك حقا رؤوس أموال مختلفة . هذا مسلم به بغير شك . وأول رؤوس الأموال طبعا هو رأس المال الصحيح الذى يعرفه الجميع . فرجل عنده ألوف وألوف من الجنيهات ، يملك رأس مال عظيم ، وصاحب هذه الألوف لا يحتاج إلى كد ولا كدح . فإنه يستطيع أن يترك ماله يسعى بين يديه ، فيجد كل الأبواب مفتوحة له . فإذا أراد شراء اشترى ، وإذا أراد سفرا سافر، وإذا احتاج إلى خدمة وجد الكثيرين يخدمونه ، وهكذا . هذا كله مفهوم طبعا ، وقد قيل إن المال يجذب المال ، وكل شئ يسعى إلى ما يماثله . فصاحب الألوف يجد الألوف الأخرى تنحدر إليه انحدارا ، كما ينحدر الماء من أعلى الجبل إلى أسفله بغير عناء . هذا سر طبيعى أودعه الله فى الكون ، فلا مرد لما أرادته سنن الطبيعة . ومن السهل أن نتحدث طويلا عن المال وفضائله ، ولكنى أظن أن كل من يقرأ هذه السطور فى غنى عن مثل ذلك الحديث ، لأن تجربته فى الحياة قد دلته بغير شك على هذه الفضائل المعروفة .
ولكن هناك رؤوس أموال أخرى غير المال المعروف للناس . وقد قرأت لصديق مقالا عن بعض رؤوس الأموال التى لا ينظرها الناس بأعينهم ، وأظنه رجلا يحسن الظن بالحياة إلى أبعد الحدود ، لأنه قصر حديثه على قوة الإرادة وعدها رأس مال غير منظور . ولست أحب أن أراجعه ولا أن أجادله ، فأنا أهنئه بحسن ظنه ، وأرجو أن يهب الله له من قوة الإرادة مقدارا عظيما لعله يجد فيها ما يعود عليه بالأموال الكثيرة ، ويصيب من ورائها كل ما يبغى من نجاح فى الحياة . ومع ذلك فإنى أخالفه بعض الخلاف فى رأيه ، وأزعم أن قوة الإرادة أقل رؤوس المال الخفية خطرا فى الحياة . فهناك مواهب أخرى قد دلتنى تجربتى على أنها أجدى على الناس ، وفيها أكبر
ضمان للنجاة فى الحياة الدنيا وهذه المواهب التى أعرفها وأعرف فضلها ليست مما يسترعى أنظار كثير من الناس ، بل أغلب ظنى أن بعض من تقع أعينهم على هذه الكلمات سوف يهزون رؤوسهم ويبسمون كأنهم فى شك مما أقول . إلا أننى واثق من قولى ، ولابد لى من أن أجهر برأيى ، فلعلى أوجه أنظار البعض إلى أن الله قد وهب لهم من موارد الخير ما لم يكونوا على علم به من قبل .
وأول مورد للنجاح فى الناس أن يكون لهم منظر وجيه . فالرجل الذى وهب الله له جسما طويلا عريضا يملك ثروة طائلة إذا هو استطاع أن يستفيد بها . تصور أن قد دخل عليك رجل له بسطة فى القامة ، ووفرة فى الجسم وله وجه أبيض ممتلئ ، وصوت غليظ . ثم تصور أن رجلا آخر قد دخل عليك ، فرأيته قميئا ضئيلا له صوت حاد ووجه معروق . فأى الرجلين يقع من نفسك عند ما تقع عليه عيناك ؟
حكى عن عمر أنه قال : " لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أليس ذلك لأن منظر المعيدى لم يعجبه لما فيه من ضآلة ؟ ولو لم يسمع عمر عن المعيدى من قبل لكان قد حكم عليه بالنظرة الأولى حكما آخر .
فأصحاب المنظر يملكون رأس مال عظيم فى حياتهم ، لأنهم يستطيعون أن يقعوا فى عيون الناس موقعا يساعدهم على قضاء حاجاتهم ، وقد يكون قضاء حاجاتهم سببا فى التأثيل والتجميع ، حتى يستطيعوا آخر الأمر أن يبنوا لأنفسهم مجدا ضخما . هذا إذا لم تكن عقولهم من الضعف بمكان ، أو إذا لم يكن فيهم حمق أو جهل أو غباوة ظاهرة ، فإن الحمقى لا يلبثون أن يفضحوا أنفسهم فيضيع أثر وجاهتهم ، وأما إذا كانوا من متوسطى العقول والذكاء والكياسة ، فإنى زعيم بأنهم سوف يفوزون بما لا يفوز به من هم أقل منهم بسطة فى الجسم ، وعظمة فى المنظر . ويمكن للقارئ العزيز أن يتأمل كل من يعرف من الكبراء ، ويحصى
عدد الوجهاء ضخام الأجسام منهم ، وعدد القصار النحفاء منهم ليعرف صدق ما أقول .
وتختلف بعض البلاد فى تقدير المنظر ، فمن الشعوب من يعجبه طول القامة ، ومنهم من يعجبه ضخامة الجسم ، وامتلاء الكروش ، ومنهم من يضم إلى كل ذلك وسامة الصورة . ولكنها مع اختلافها تتفق كلها فى النتيجة ، فالمنظر المعجب عندها جميعا له أثره العظيم فى الحياة . وتختلف البلاد كذلك فى مقدار تأثرها بالمنظر ؛ فبعض الشعوب فيها شئ من التبصر ، فهى لا تحكم على الأفراد بالنظرة الأولى ، على حين تميل شعوب أخرى إلى أن تجعل حكمها قائما على النظرة الأولى وحدها
ويا بؤس الذين لم يهب الله لهم رأس مال الأجسام فى تلك الشعوب !
هذا رأس المال الخفى الأول . ويليه فى الخطورة رأس مال آخر يمكن أن أسميه الاعتداد بالنفس ، وإن لم يكن اعتدادا بالنفس بالمعنى الصحيح . ولأضرب لذلك مثلا صغيرا : جاء أحدهم عندما كنا فى شبابنا من بلاد (بره) فذهب ليقابل أحد الكبراء من رؤساء المصالح . وكان ذلك الرئيس رجلا طيبا جدا ، ولكنا كنا نلمح فيه شيئا من الكبرياء . فكنا لا نحب أن نطيل معه الأحاديث . وذهب صديقنا إلى مجلسه ، فأخذ كرسيا وجلس فى هدوء ، ووضع رجلا على رجل ، ثم رفع سيجارة إلى فمه ، وأخذ ينفخ منها أنفاسا فى وجهه ، وجعل يكلمه بلهجة القرين للقرين . وقد نجح هذا الصديق نجاحا باهرا عند ذلك الرئيس الكريم . وما زال بعد ذلك يعلو ويعلو ، بارك الله له وفيه ، وأعتقد أن سر نجاحه إنما هو فى هذا الذى سميته الاعتداد بالنفس . وليتصور القارئ العزيز رجلين ، رآهما ، أما أحدهما فرجل فيه جرأة يقتحم عليه فى الحديث ويذكر من فضائل نفسه ما لا يعلم . ويمهد بين يدى حاجاته دعاية طويلة عريضة . وأما الآخر فرجل
يملوه الحياء ، ويجلله التواضع ، فلا يكاد يذكر عن نفسه شيئا ، ولا يكاد يعترف بأن له فضلا . ثم ليحدث نفسه فى صراحة وهو خال إليها ، ويسألها : أى الرجلين يكون أجدر بالوقوع منه موقع التقدير !
ثم ليسأل القارئ العزيز نفسه : أى الرجلين أحرى بأن يفوز فى هذه الحياة ؟
أما أنا فتجربتى تدلنى على أن أخيب الاثنين هو ذلك الحيى المتواضع ، وإن كان هو أفضل الاثنين وأكثرهما فناء فى الحياة .
وهناك رأس مال خفى ثالث له أكبر الأثر فى هذه الحياة . وليعذرنى القارئ العزيز إذا كنت فى رأيى قاسيا . ولكنها الحياة قد دلتنى على أن هذه هى الحقيقة . فهناك ناس يخرجون إلى هذه الحياة يرسفون فى الأغلال . يحيطون أنفسهم بقيود عدة لا حصر لعددها ولا لأنواعها . فهم يقيدون أنفسهم بالأخلاق والكرامة والعفة والإباء والشهامة والإيثار والوداعة والحياء ، إلى غير ذلك من الحسنات الإنسانية . فإذا عاش هؤلاء مع ناس آخرين ، لا يقيدون أنفسهم بتلك القيود ، أتاحوا لهم فرصة فى أن يكون لهم رأس مال عظيم . فالذين يتجردون من تلك القيود يسبقون إلى الخيرات ، ولا يجدون فى حركاتهم شيئا يعوقها . وقد تأملت أحوال الناس فى هذه الحياة ، فكان يخيل إلى أنهم يشبهون مجموعة خرجت تجمع الثمار من تحت أشجار الجوز . فإذا كان بعضهم من الفلاسفة الذين امتلأت قلوبهم بمكارم الأخلاق ، فإنهم يعودون من الزحام وأشداقهم فارغة ، وأما الآخرون الذين يدفعون بأنفسهم فى غير مراعاة لسواهم ، فإنهم يفوزون بأحسن الثمار يحشون بها أشداقهم . وهكذا الناس فى هذه الحياة ، فمن قيد نفسه بالأخلاق العليا ، كان جديرا بأن تفوته الفرص الكثيرة التى يغتنمها من يتقدمون ، ويقتحمون فى غير تقيد بشئ .
ألم يجرب القارئ العزيز يوما أراد فيه ركوب الأوتوبيس . هذا مثل واحد صغير ، ولكنه ذو دلالة كبرى . فإنه إذا وقف متأنيا مؤدبا لا يزاحم ولا يدفع ، وانتظر حتى يسبقه النساء والأطفال إلى الصعود فى العربة كان جديرا بأن يكون آخر الراكبين ، بل كان جديرا بأن يأمره (الكمسارى) آخر الأمر بالنزول لأن العربة قد امتلأت .
وهذا كثير الحدوث فى البلاد التى لا تعرف الوقوف فى صفوف منتظمة ، يأخذ فيها كل فرد نصيبه إذا جاء دوره . فإذا كانت البلاد مثل بلادنا لا تعرف الوقوف فى الصفوف المنتظمة كان السبق فيها دائما للذين لا يتقيدون بشيء مما نسميه مكارم الأخلاق ، فيكون التجرد من القيود من أكبر رؤوس الأموال عند الأفراد .
هذه أمثلة قليلة من رؤوس الأموال الخفية التى تعمل فى صمت على نجاح كثير من الأفراد . وليست هى كل ما يمكن أن يملكه الناس فى الحياة ، فإن رؤوس الأموال الخفية أكثر مما يمكن أن يحصيه الحصر ؛ فهناك النسب الكريم ، وهناك كثرة الأهل والأصدقاء ، وهناك اتساع دائرة الاتصال ، وهناك المقدرة على التقرب إلى النفوس بالوسائل الكثيرة التى لا محل لذكرها هنا ، فإن منها ما لا يحتمل التصريح . بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك كله ، وهو أن يكون الفرد عضوا فى عصابة يتفق أفرادها على أن يتقارضوا المنافع فى السر تحت أستار الظلام هذه كلها رؤوس أموال خفية لا أذكرها فى مرارة ولا حنق ، لأنها منحدرة من الطبائع البشرية التى لا يملك الناس منها انفكاكا . على أن بعض الأمم قد فطنت إلى أن رؤوس الأموال الخفية قد أدت إلى كثير من الفساد ، فعملت على مقاومتها بالحكمة ووضع القوانين والقواعد العادلة ، وإلزام الناس حدودا فى التعامل حتى لا تضيع فيها الجواهر بين الزيوف .
ونحن فى مصر من أحوج الناس إلى أن نفطن إلى هذه العوامل القوية التى تعمل فى الخفاء ، وتتدسس إلينا عن طريق مسارب الطمع فتجعل مسالكنا عرضة للخطأ . علينا أن نفطن إليها لكى نحاول إقامة أحكامنا على الحقائق . وحسبنا ما نعانيه من سيطرة رأس مال واحد يتحكم فى مصايرنا .

