الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586الرجوع إلى "الثقافة"

رؤية الله فى مذهب المعتزلة

Share

تجرد المعتزلة فكرة الله تعالى من كل عنصر مادى أو من كل ما يؤدى إلى وصفه تعالى بأى صفة من صفات المادة مهما كانت ضعيفة ، لأن المعتزلة كانوا يفخرون بأنهم المدافعون عن التوحيد الحقيقى المطلق . ولما كانت هذه هى فكرتهم فى الله فيكون من الطبيعى أن يردوا مسألة رؤية الله إذا كانت هذه الرؤية حسية ، ولكن إذا نظر إليها كأنها رؤية من نوع آخر يختلف تماما عن الرؤية الحسية ، فالمعتزلة لا تمانع فى فحص المسألة من هذه الناحية .

الله لا يرى بالأبصار :

أجمعت المعتزلة على أن الله لا يمكن أن يرى بالأبصار فى دار القرار (١) لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال أعنى ما هو مادى ؛ والله ذات غير مادية . فمن المستحيل إذا ان يقع عليه البصر . فقط يقول أبو الهذيل وأكثر المعتزلة : إننا نرمى الله بقلوبنا بمعنى أننا نعلمه بقلوبنا ( ٢ ) وهذا لا يعنى أننا نعلمه علما حقيقيا كاملا شاملا ، لأن المتناهى لا يمكن أن يدرك اللامتناهى - ونحن نعلم أن فكرة اللهد عند المعتزلة هى عبارة عن نفى كل صفة من صفات المخلوقات عنه تعالى - هذا ما أدى هشام الفوطى وعياد بن سليمان المعتزليين إلى إنكار رؤية الله حتى ولو بالقلوب ؛ بمعنى أن هذه الرؤية هى إدراكنا لله أو علمنا به . فمثل هذا الإدراك أو قل هذا العلم غير ممكن لنا لما يوجد من فارق بين طبيعة المخلوق وطبيعة الخالق . إذا كان العلم حسب قول أبى الهذيل هو مجرد شعور داخلى بوجوده تعالى فهذا ما يتفق عليه جميع المعتزلة . أما إذا كان هذا العلم علما حقيقيا لماهيته تعالى ومشاهدة مباشرة لهذه الماهية فهذا ما ينكره جميع

المعتزلة حتى أبو الهذيل . وهذا ما يتفق وتعريفهم فى حين يقولون إنه لا توجد أى مشابهة بين ذات اللامتناهية وماهية المخلوقات أجمع المتناهية.

استحالة رؤية الجواهر :

تلجأ المعتزلة إلى ما بين الأعراض والجواهر من فرق لتعزز قولها بنفى رؤية الله بالأبصار - يقولون إن الجوهر المجرد لا يمكن رؤيته بالأبصار ، لأن الألوان والأشكال فقط يمكنها أن تؤثر على عضو البصر وتسبب فيه الرؤية .

والألوان والأشكال أمراض ، فإذا بصرنا لا يدرك إلا الأعراض ، ولا يمكنه أن يدرك الجواهر العراة عن كل عرض - وفى الله لا يوجد أى عرض . وهو تعالى ذات بسيطة ومجردة ، فكيف إذا يمكن القول بأنه يمكننا ان ندركه بالأبصار ؛ وعلى ذلك يكون الكلام فى إمكان رؤية الله كلاما يترتب عليه الاعتراف بوجود أعراض في الله ، وهذا محال ويناقض تعريف المعتزلة لله تعالى (١).

تكفيرهم لمن يقول برؤية الله :

لما كان هذا هو قول المعتزلة فى استحالة رؤية الله ، ولما كانت هذه هى حجتهم فى ذلك فمن الطبيعى إذا أن يدافعوا بشدة عن هذا الاعتقاد وهو فى مذهبهم ركن من أركان التوحيد كما يفهمونه . لذلك كانوا يكفرون كل من خالفهم فى هذا القول ، لأن القول برؤيته تعالى هدم للتنزيه وتشوبه لفكرة الله وتشبيه الله بخلقه . وهذا كفر . لذلك لم يترددوا فى تكفير من قال بهذا القول ، وكلام أبى عيسى المردار المعتزلى صريح واضح فى هذا الصدد ، ويعبر أيضا عن رأى المعتزلة أجمع حيث يقول : إن من قال إن الله يرى بالأبصار على أى وجه قال ، فمشبه لله بخلقه والمشبه كافر بالله . والشاك فى قول المشبه كافر بالله أيضا ، لأنه شاك فى الله لا يدرى أمشبه هو لخلفه أم ليس بمشبه لهم ، وكذلك الشاك فى الشاك

أبدا (١) . - والرؤية حسب قول المعتزلة هى المقابلة أو اتصال شعاع بصر الرائى بالمرئى (٢) . وذلك لا يجوز إلا لما هو مادى أو متصل بالمادة . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

ما يترتب على القول بالرؤية:

تقدم المعتزلة البرهان الآتى لنرد قول متبنى الرؤية . فتقول إن البصر خاصية حس من حواسنا الخمس ، وإذا سلمنا بأن الله يمكن رؤيته فيستنتج ضمنا من هذا القول كونه تعالى مسموعا مشموما مطعوما ملموسا . وذلك شرك عظيم (٣) وكائن هذه صفاته لم يعد يختلف عن الأشياء المادية المحسوسة . وشتان ما بين هذا القول وفكرة الله عند المعتزلة من الفرق الشاسع . فإذا نظرت المشبهة والرافضة إلى إلهها نظرة مادية يترتب عليها رؤيته بالأبصار ، فإن المعتزلة كانت مجتهدة فى رد هذا الرأى الخاطئ وفى إظهار كل ما يترتب عليه من نتائج منافية لكماله تعالى .

هل يرى الله خلقه ؟ :

بعد ما نفت المعتزلة رؤية الله وقدمت البرهان على ذلك جابهت مسألة أخرى تتعلق بالأولى . وهى عكس السؤال الأول ، أعنى : هل يرى الله خلقه ؟ وما معنى رؤيته لخلفه ؟ . الجواب على هذا السؤال يستخلص من فكرة الله عند المعتزلة . فهو تعالى منزه عن كل مادة . ويؤولون وصفه بالسميع البصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التى يسمعها غيره والمرئيات التى يراها غيره . لذلك يقول الكعبى بوضوح إن الله لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معني علمه بنفسه وبغيره . والنظام يقول : إن الله لا يرى شيئا على الحقيقة (٤) ، فقط هو تعالى " بكل شئ عليم " . نجد إذا أن كل آراء المعتزلة متماسكة تماسكا وثيقا ، وتبدو كبنيان

وطيد الأساس شيد على العقل . إنهم يقولون بالتنزيه وبكمال الله . نفوا عنه تعالى كل ما يتعلق بالمادة ، وعلى ضوء هذه المبادىء شرحوا وأولوا كل ما يمكن أن يؤدى إلى الاعتقاد بالتشبه شرحا وتأويلا داخلين فى نطاق التنزيه والتوحيد كما فهموه .

معنى قول أحمد بن حابط برؤية الله :

بينما ينفى جميع المعتزلة رؤية الله بالأبصار نجد أحمد بن حابط وفضل الحدبى وهما من أصحاب النظام المعتزلى يذكران الحديث التالى : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته " على رؤية العقل الأول الذى هو أول مبدع ، وهو العقل الفعال الذى منه تفيض الصور على الموجودات ، فل يعنى هذا الحديث أننا سنرى فعلا الله ؟ . كلا . والحديث يستمر قائلا : إن هذا العقل الفعال هو أول ما خلق الله فقال له تعالى أقبل فأقبل ، ثم قال له تعالى أدبر فأدبر . فقال : وعزنى وجلالى ما خلقت خلقا أحسن منك ،

بك أعز ، وبك أعطى ، وبك أمنع . فهو الذى يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التى فاضت منه ، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر . فأما واهب العقل فلا يرى البتة (١) . فيكون هناك نوع من الرؤية ولو أنها ليست رؤية الله تعالى نفسه ، بل رؤية هذا العقل الأول الذى خلقه ، إن الصور التى هى تميز الكائنات المخلوقة أجمع فاضت منه ، وإن حجابا يحجب هذا العقل الأول عن هذه الصور الفائضة منه . فلما يرتفع هذا الحجاب تصبح حينئذ رؤيته ممكنة ، وهو الكائن الوحيد الذى له علاقة مباشرة بالمخلوقات وهى تفيض منه .

مصدر هذا القول :

يقول أفلوطين (٢) : إن فى قمة الوجود الواحد أو الأول

اشترك في نشرتنا البريدية