تجرد المعتزلة فكرة الله تعالى من كل عنصر مادى أو من كل ما يؤدى إلى وصفه تعالى بأى صفة من صفات المادة مهما كانت ضعيفة ، لأن المعتزلة كانوا يفخرون بأنهم المدافعون عن التوحيد الحقيقى المطلق . ولما كانت هذه هى فكرتهم فى الله فيكون من الطبيعى أن يردوا مسألة رؤية الله إذا كانت هذه الرؤية حسية ، ولكن إذا نظر إليها كأنها رؤية من نوع آخر يختلف تماما عن الرؤية الحسية ، فالمعتزلة لا تمانع فى فحص المسألة من هذه الناحية .
الله لا يرى بالأبصار :
أجمعت المعتزلة على أن الله لا يمكن أن يرى بالأبصار فى دار القرار (١) لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال أعنى ما هو مادى ؛ والله ذات غير مادية . فمن المستحيل إذا ان يقع عليه البصر . فقط يقول أبو الهذيل وأكثر المعتزلة : إننا نرمى الله بقلوبنا بمعنى أننا نعلمه بقلوبنا ( ٢ ) وهذا لا يعنى أننا نعلمه علما حقيقيا كاملا شاملا ، لأن المتناهى لا يمكن أن يدرك اللامتناهى - ونحن نعلم أن فكرة اللهد عند المعتزلة هى عبارة عن نفى كل صفة من صفات المخلوقات عنه تعالى - هذا ما أدى هشام الفوطى وعياد بن سليمان المعتزليين إلى إنكار رؤية الله حتى ولو بالقلوب ؛ بمعنى أن هذه الرؤية هى إدراكنا لله أو علمنا به . فمثل هذا الإدراك أو قل هذا العلم غير ممكن لنا لما يوجد من فارق بين طبيعة المخلوق وطبيعة الخالق . إذا كان العلم حسب قول أبى الهذيل هو مجرد شعور داخلى بوجوده تعالى فهذا ما يتفق عليه جميع المعتزلة . أما إذا كان هذا العلم علما حقيقيا لماهيته تعالى ومشاهدة مباشرة لهذه الماهية فهذا ما ينكره جميع
المعتزلة حتى أبو الهذيل . وهذا ما يتفق وتعريفهم فى حين يقولون إنه لا توجد أى مشابهة بين ذات اللامتناهية وماهية المخلوقات أجمع المتناهية.
استحالة رؤية الجواهر :
تلجأ المعتزلة إلى ما بين الأعراض والجواهر من فرق لتعزز قولها بنفى رؤية الله بالأبصار - يقولون إن الجوهر المجرد لا يمكن رؤيته بالأبصار ، لأن الألوان والأشكال فقط يمكنها أن تؤثر على عضو البصر وتسبب فيه الرؤية .
والألوان والأشكال أمراض ، فإذا بصرنا لا يدرك إلا الأعراض ، ولا يمكنه أن يدرك الجواهر العراة عن كل عرض - وفى الله لا يوجد أى عرض . وهو تعالى ذات بسيطة ومجردة ، فكيف إذا يمكن القول بأنه يمكننا ان ندركه بالأبصار ؛ وعلى ذلك يكون الكلام فى إمكان رؤية الله كلاما يترتب عليه الاعتراف بوجود أعراض في الله ، وهذا محال ويناقض تعريف المعتزلة لله تعالى (١).
تكفيرهم لمن يقول برؤية الله :
لما كان هذا هو قول المعتزلة فى استحالة رؤية الله ، ولما كانت هذه هى حجتهم فى ذلك فمن الطبيعى إذا أن يدافعوا بشدة عن هذا الاعتقاد وهو فى مذهبهم ركن من أركان التوحيد كما يفهمونه . لذلك كانوا يكفرون كل من خالفهم فى هذا القول ، لأن القول برؤيته تعالى هدم للتنزيه وتشوبه لفكرة الله وتشبيه الله بخلقه . وهذا كفر . لذلك لم يترددوا فى تكفير من قال بهذا القول ، وكلام أبى عيسى المردار المعتزلى صريح واضح فى هذا الصدد ، ويعبر أيضا عن رأى المعتزلة أجمع حيث يقول : إن من قال إن الله يرى بالأبصار على أى وجه قال ، فمشبه لله بخلقه والمشبه كافر بالله . والشاك فى قول المشبه كافر بالله أيضا ، لأنه شاك فى الله لا يدرى أمشبه هو لخلفه أم ليس بمشبه لهم ، وكذلك الشاك فى الشاك
أبدا (١) . - والرؤية حسب قول المعتزلة هى المقابلة أو اتصال شعاع بصر الرائى بالمرئى (٢) . وذلك لا يجوز إلا لما هو مادى أو متصل بالمادة . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
ما يترتب على القول بالرؤية:
تقدم المعتزلة البرهان الآتى لنرد قول متبنى الرؤية . فتقول إن البصر خاصية حس من حواسنا الخمس ، وإذا سلمنا بأن الله يمكن رؤيته فيستنتج ضمنا من هذا القول كونه تعالى مسموعا مشموما مطعوما ملموسا . وذلك شرك عظيم (٣) وكائن هذه صفاته لم يعد يختلف عن الأشياء المادية المحسوسة . وشتان ما بين هذا القول وفكرة الله عند المعتزلة من الفرق الشاسع . فإذا نظرت المشبهة والرافضة إلى إلهها نظرة مادية يترتب عليها رؤيته بالأبصار ، فإن المعتزلة كانت مجتهدة فى رد هذا الرأى الخاطئ وفى إظهار كل ما يترتب عليه من نتائج منافية لكماله تعالى .
هل يرى الله خلقه ؟ :
بعد ما نفت المعتزلة رؤية الله وقدمت البرهان على ذلك جابهت مسألة أخرى تتعلق بالأولى . وهى عكس السؤال الأول ، أعنى : هل يرى الله خلقه ؟ وما معنى رؤيته لخلفه ؟ . الجواب على هذا السؤال يستخلص من فكرة الله عند المعتزلة . فهو تعالى منزه عن كل مادة . ويؤولون وصفه بالسميع البصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التى يسمعها غيره والمرئيات التى يراها غيره . لذلك يقول الكعبى بوضوح إن الله لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معني علمه بنفسه وبغيره . والنظام يقول : إن الله لا يرى شيئا على الحقيقة (٤) ، فقط هو تعالى " بكل شئ عليم " . نجد إذا أن كل آراء المعتزلة متماسكة تماسكا وثيقا ، وتبدو كبنيان
وطيد الأساس شيد على العقل . إنهم يقولون بالتنزيه وبكمال الله . نفوا عنه تعالى كل ما يتعلق بالمادة ، وعلى ضوء هذه المبادىء شرحوا وأولوا كل ما يمكن أن يؤدى إلى الاعتقاد بالتشبه شرحا وتأويلا داخلين فى نطاق التنزيه والتوحيد كما فهموه .
معنى قول أحمد بن حابط برؤية الله :
بينما ينفى جميع المعتزلة رؤية الله بالأبصار نجد أحمد بن حابط وفضل الحدبى وهما من أصحاب النظام المعتزلى يذكران الحديث التالى : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته " على رؤية العقل الأول الذى هو أول مبدع ، وهو العقل الفعال الذى منه تفيض الصور على الموجودات ، فل يعنى هذا الحديث أننا سنرى فعلا الله ؟ . كلا . والحديث يستمر قائلا : إن هذا العقل الفعال هو أول ما خلق الله فقال له تعالى أقبل فأقبل ، ثم قال له تعالى أدبر فأدبر . فقال : وعزنى وجلالى ما خلقت خلقا أحسن منك ،
بك أعز ، وبك أعطى ، وبك أمنع . فهو الذى يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التى فاضت منه ، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر . فأما واهب العقل فلا يرى البتة (١) . فيكون هناك نوع من الرؤية ولو أنها ليست رؤية الله تعالى نفسه ، بل رؤية هذا العقل الأول الذى خلقه ، إن الصور التى هى تميز الكائنات المخلوقة أجمع فاضت منه ، وإن حجابا يحجب هذا العقل الأول عن هذه الصور الفائضة منه . فلما يرتفع هذا الحجاب تصبح حينئذ رؤيته ممكنة ، وهو الكائن الوحيد الذى له علاقة مباشرة بالمخلوقات وهى تفيض منه .
مصدر هذا القول :
يقول أفلوطين (٢) : إن فى قمة الوجود الواحد أو الأول

