الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341الرجوع إلى "الثقافة"

راغب باشا الوزير

Share

من الشخصيات المحبوبة فى تاريخ الترك ، شخصية الوزير الكاتب الشاعر محمد راغب باشا المعروف عند الترك راغب باشا الكبير .

ولد بالآستانة عام ١١١٠ ه من أب مثقف تثقيفا حسنا يدعي شوقى افندى ، وأمضى مراحل التعليم كلها فى الآستانة . حتى إذا بلغ الرابعة والعشرين من عمره عين سكرتيرا لأحمد باشا العارفى ، والى أرضوان من ولايات الأناضول الشرقية . ثم عين رئيساً لإدارة شئون الجيش الذى أرسل إلى جهات تبريز فى قيادة عبد الله باشا الكوبريلى . ولما هزم الجيش العثمانى ، جيش طهاسب الصفوى ملك إيران ( ١١٣٦ ه ) أنشد راغب بك قصيدة محمسة طويلة فى مدح عبد الله باشا الكوبريلى أثبت بها اطلاعه على الآداب القديمة وقدرته على قرض الشعر . وأخذت شهرة محمد راغب تتلألأ فى سماء الأدب التركى منذ هذا التاريخ . لقد اعجب الناس بذكائه وعلمه ورجاحة عقله . وقام محمد راغب بك مدة بوكالة إدارة الشئون المالية للجيش فى رفقة الوزير على باشا بن الحكيم . ولما عاد إلى الآستانة سنة ١١٤١ ه ، ألقاها قد انغمست فى الفسق والفجور والسرور والنعيم .

قضت استانبول عهدا من الراحة والسكون فى أيام السلطان أحمد الثالث ووزيره وصهره إبراهيم باشا النوشهرى ؛ ويسمى هذا العهد فى تاريخ الترك وتاريخ أدبهم بعهد الخزامى . وقد اندفع فيه أهل استانبول ، وقد سئموا من حروب لانهاية لها ، فى اللهو واللعب ، والفرح والسرور ، والفسق والفجور ، وحب الحدائق والزهور ، وخاصة زهر الخزامى ، حتى سمى هذا العهد وهو نحو ثلاث عشرة سنة ( ١١٣٠-١١٤٣ ه ) بعهد الخزامى "

كانت الخزامى فى استانبول ذلك العهد كالزهور المعروفة فى أيامنا بكريز تقيم . بقبارى العظماء ومتوسطو الحالة ، بله الفقراء ، فى العناية بها واستنبات أنواع جديدة منها ؛ ويبالغون فى أثمانها . وقد روى أن بصلة منه كانت تباع أحيانا بألف ذهباً .

كان السلطان أحمد الثالث ضعيف الجسم سوداوى المزاج قد غرق فى الملذات ، وكان يجيد قرض الشعر وأما صهره ووزيره إبراهيم باشا فكان شاعرا ومحبا للشعر والشعراء ، وله ذوق فى الفن . فاتفق مشرب السلطان ووزيره على الانغماس فى الملذات وحب الفن والجمال ، وسنحت لأهل الآستانة فرصة لإدخال السرور فى قلب السلطان بجميع الوسائل من شعر وموسيقى ، واستنبات أنواع جديدة من الخزامى ! كانت أيام الصيف ولياليها الرطيبة تمضى فى سماع الغناء والموسيقى والطرب فى القصور المنيعة الظريفة التى شيدها الوزراء والأمراء والأغنياء على ضفتى البسفور ، وخاصة فى سعد آباد الواقع فى نهاية خليج استانبول . وإذا جاء الشتاء ببرده وأمطاره وثلوجه ، انتقلت حياة اللهو والفجور أإلى مسامرات الخلواء بقصور استانبول المزخرفة . كان الشاعر (( نديم )) ، أمين مكتبة الوزير إبراهيم باشا وأكبر شعراء القرن الثانى عشر الهجرى ، عندليب هذه المجالس الصداح ، ويحيها بقصائده وغزلياته وأشعاره المجونية ، وبنكته ولطائفه .

مكث راغب سنة فى الآستانة ، وقد بلغ عهد الخزامى أوجه فى سنة ١١٤٢ ه . ولكنه لم يشارك القوم فى تلك الاجتماعات المجونية ، ولم يكن راضيا عنها الرضاء كله ، ولو أنه قرأ ما أنشده شعراء هذا العهد من القصائد والنزليات وحاول أن ينشد مثلهم . وقد كانت عقليته النافذة تدرك سوء مغبة هذا الفساد ، وفى السنة المذكورة عين محمد راغب وكيلا لرياسة الجيش فى همذان وما إن

مضت سنة حتى قام رجال الإنكشارية والعلماء بثورة عنيفة فى استانبول ، فعزلوا السلطان أحمد الثالث وقطعوا الوزير ابراهيم باشا وندماءه وتركوا جثتهم فى شوارع الآستانة ، وهلك الشاعر نديم أثناء هذه الحوادث . ولم يكتف الغوغاء الثوار بهذا القدر ، بل أرغموا السلطان محموداً الأول الذى جلس على عرش السلطنة بعد تنازل السلطان أحمد الثالث على أن يوافق على هدم القصور والحدائق الغناء التى أنشئت على شاطئ البسفور وفى سمدآباد وتخريبها ، فما كاد السلطان يوافق على أن يهدمها أصحابها حتى نفذه الثوار قبل أصحابها ونهبوها . كان السلطان أحمد وصهره إبراهيم باشا وسائر وزرائه قد بنوا هذه القصور باسم الحضارة وباسم التقرب من الحياة المدنية ، وفتحوا بابا لعمران البلاد ، وذهبت هذه الثورة بجميعها باسم الدين ، ولم يبق مما ينفع الناس غير المطبعة التى أنشئت فى ذلك العصر والتى كان يطبع فيها بعض كتب . ونهضت صناعة القيشانى ، وأنشئ مصنع لصب الحديد ، وكان يصهر ويصب فيه الأدوات الضرورية لصناعة السفن .

كان راغب بك فى خلال هذه الحوادث يشغل منصب الدفتردارية فى بغداد . وعين سنة ١١٤٩ سكرتيرا للصدر الأعظم ، ثم عين فى سنة ١١٥٣ رئيس الكتاب ( وزير الخارجية ) . ولما كانت سنة ١١٥٧ ه عين واليا لمصر مع رتبة الوزارة ( الباشوية ) .

ولما قدم راغب باشا الذى وصفه الجبرتى بكلمة (( مسلم )) إلى القاهرة واستقر فى قلعتها ، ألفى نفسه بين أمراء المماليك المتعودين اللعب بالولاة ، فشرع يأخذ بعضهم بالشدة ويظهر لبعضهم المودة والعطف ، وقام ببعض أعمال مفيدة ، ولكنه وفق قليلا جدا لإصلاح ما فسد من الأمور فى المدة التى قضاها بمصر حتى نقل إلى الآستانة رئيسا لقلم التوقيع سنة ١١٦١ ه . وتدل الأبيات الآتية ،

وهى التى أنشدها حين مفارقته لمصر ، على ما عانى الباشا فى مصر من المشاق . فهو يقول : (( لقد قدم الشوق ، فلنعتب على الحظ الغابر ، ولنحطم رأس الغموم بكأس الراح ، ولنقلب نظام الحرب إلى نظام المآدب ، ولنهاجم باخلاص صف الغم الأسود . لقد سئمنا من التصرف فى أم الدنيا ( مصر ) وكفى قهر القاهرة ، فلنرحل إلى بلاد الروم ))  .

ولما عاد أإلى الآستانة شغل عدة مناصب عالية ، حتى إذا كانت سنة ١١٧٠ قلد الصدارة العظمى . وكان ذلك فى آخر أيام السلطان عثمان الثالث . ولما جلس السلطان مصطفى الثالث على عرش السلطنة العثمانية ، اقترن راغب باشا بالأميرة صالحة أخت السلطان مصطفى ، وظل صدرا أعظم حتى توفى سنة ١١٧٦ ه  ( سنة ١٧٦٢ م ) ودفن فى حظيرة مكتبته التى أنشأها فى حى (( قوسقة )) بالاستانة .

تقلد راغب باشا معظم مناصب الدولة وتنقل فى كثير من أطرافها . واكتسب معلومات وتجارب واسعة من تنقلاته وذاع صيته . قال الجبرتى : (( إنه كان من أفاضل العلماء وأكابر الحكماء ، جامعا للرياستين وحاويا للفضيلتين )) . وقد سمى عهد صدارته بعهد الاعتدال والحكمة )) .

كان راغب باشا يقرض الشعر باللغات التركية والفارسية والعربية ، وامتاز بالشعر الحكمى والأخلاقى ، ووفق فى هذا الوادى توفيقا تاما ، وفى هذا النوع من الشعر تظهر آراؤه الأخلاقية والاجتماعية .

ويظهر أنه كان أيام ولايته لمصر ، يشغل أوقات فراغه بالأبحاث العلمية ومناقشة العلماء وقراءة الأدب العرىى أكثر مما يشغلها بقرض الشعر . قال الجبرتى : (( وله ثلاثة دواوين ؛ تركى وعربى وفارسى . وكان له ذوق صحيح ، وفهم رجيح ، يكرم العلماء والوافدين ، ويباحث أهل العلم بمبتكراته )) . ويمكن أن يستدل من هذا أن راغب باشا

أفاد من حياته بمصر (( سفينته )) وبعض مكتبته القيمة .

أكبر مؤلفاته وأهمها كتابه (( سفينة الراغب ودفينة المطالب )) المؤلف باللغة العربية . وهو موسوعة جامعة لمواضيع مختلفة من أدب ولغة وطبيعة وطب ورياضة ومنطق وأدعية وتصوف وغيرها ، وقد طبع بمطبعة بولاق بمصر سنة ١٢٥٥ ه .

وطبع ديوانه التركى مع بعض رسائله الخاصة وبعض رسائله الرسمية ، فى بولاق سنة ١٢٥٥ ه .

وله رسالة فى العروض ، شرحها كما يقول الجبرتى ، الشيخ أبو محسن القلمى المغربى .

وألف كتابا بعنوان (( تحقيق وتوفيق )) ، يقول محمد طاهر البروسومى إنه يحتوى على حل المسائل المختلف فيها بين السنيين والإماميين ، والسعى للتقريب بين المذهبين والدعوة إلى الوحدة . وتوجد نسخته المخطوطة بمكتبة المؤلف . وله مؤلفات أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية