كان ذلك الكوخ صغيراً قديماً ، يقع بالقرب من شاطئ ترعة صغيرة ملأها الماء الأخضر الرقراق . أما جدرانه فقد أثرت فيها السنون حتى تركتها لا تكاد تمسك نفسها لتقوبها الكثيرة ، وأصبحت ممرا مباحا للريح ، وأشعة الشمس وضوء القمر تدخل منه ويخرج ولا مانع ، وصارت عمدة الخشبية كشكل حلوي " السمسمية نخرها النمل ، وذهبت الرياح الأربع وأمطار السحاب بلون الأعشاب الصفراء التي فرشت على سطح الكوخ ، فأصبحت ذات لون اشهب ، وانعكست صورة الكوخ في قاع الترعة قراع ذلك السمك الصغير ، وعند ما طلع القمر في ضوء الفضي علي الكوخ، فأرسل هذا ظله ممتداً على شاطئ الترعة والحقل ، فراع الطيور التي تستيقظ في منتصف الليل .
وكان يسكن في هذا الكوخ القديم صبي يدعي " هيانج " ومعه أمه . وعندما كان أبوه في النزع الأخير لم يوص له بشيء ، ولكنه أشار إلي رباب ممتلئة على الحائط وقال بصوت خافت بقطمه التنفس : " بابني اعذرني إن لم اترك لك ما توته عني ، اللهم إلا هذه الرباب ، لذلك أرجو منك أن تحافظ عليها " .
ولكن " هيانج " لم يفهم كلام أبيه لصغر سنه ، وعندئذ بكت أمه بكاء حاراً ، ولم يلبث الرجل ان توفي . وكان والد " هيانج " يعزف دائما على هذه الرباب التي تغير لونها لتقدم الزمان بها ، ونخر السوس بعض اجزائها . كان يعزف عليها في ليالي الصيف حين تنتثر النجوم اللامعة بكثرة في عرض السماء ، او في ليالي الخريف حبيبها تهب الرياح الخفيفة ، فنسمع مختلف الألحان وجميل التوقيع من روابه الخالدة ، وعندما ينجم بذر زرعه وتظهر براعم خضرواته وأشجاره يهب إليها ينزع من بينها الحشائش
والطفيليات ، ثم يدركه التعب ، فيتناول ربابه ويسترسل مع قوسه حين تتحرك علي أوتارها ، كما يدخن غيره من الفلاحين وينفخ دخان غليونه حلقات في الهواء ، بل كنا نسمع ربابة عندما يشتد البرد ، ويغطي الثلج وجه الأرض وتتلبد الغيوم في السماء ، وتصفر الرياح .
ووري الأب التراب ، ولكن الرباب لم تزل معلقة على الحائط . فلما هبت الرياح ونفذت إلي الكوخ من ثقوب جدرانه اضطربت الرباب وتحركت يمنة ويسرة . و كلما أرسلت الشمس أشعتها أو دخل ضوء القمر من ثقوب الكوخ انطرح ظل الرباب علي الحائط كغرف الماء ، فلما رآء " هيانج " فرح ، وظن أن اضطرابها من سحر الجن وان ظلها من رسمه .
وبينما كانت أم " هيانج " تنسج حصيراً في يوم من الأيام ، إذا بها تتوقف قليلا عن النسيج ، وتتأمل ابنها في لعبه ، ثم تشير إلى الرباب قائلة يا بني! إن أباك ترك لك هذه الرباب ميراثاً ، فإذا استعلمت أن تعزف عليها كما كان يفعل فإني العجب بك وأسر منك " ولكن " هيانج " لم يفهم كلامها ، وإنما نظر إلي الرباب واجماً ، ولما حل وقت الأكل أشارت أم " هيانج " إلى الرباب قائلة : " يا بني إن أباك ترك لك هذه الرباب ميراثاً ، فإذا استطعت أن تعرف عليها كما كان بفعل فإني أعجب بك وأسر منك . " ولكنه لم يفهم كلامها ، وإنما نظر إلي الحائط واجما ؛ ولما أصبح الصباح واستيقظ " هيانج " من النوم كانت أمه بجواره فأشارت إلي الرباب قائلة : " بني ! إن أباك ترك لك هذه الرباب ميراثاً ، فإذا استطعت ان تعزف عليها كما كان يفعل فإني أعجب بك وأسر منك . "
ولما بلغ " هيانج" من العمر أربع سنوات اخذت امه الرباب من على الحائط وناولتها له وهي تقول : " أنت الآن تستطيع إمسا كها والعزف عليها ، فأرجو ان تعزف عليها ألحاناً جميلة مثل ألحان أبيك " . فحمل " هيا نج " الرباب
بين يديه ، وقد عرفها ، فهي صديقته الحبيبة التي براها كل يوم على الحائط ، ولكنه لم يعرف كيف يعزف عليها ، فخرك القوس على أوتارها ، فسمع لذلك صوت كصوت نشر الخشب ، واستمر يحرك القوس جيئة وذهابا فابتسمت الأم قائلة : " إنك لذكي يابني "
وأصبحت الفوس و تحريكها على الرباب درس " هيانج " الجديد ، فذا كر ذلك الدرس في البيت وعلى شاطئ الترعة وفي السوق وبين أرباض المدينة . وصادف أن سمع صوت الرباب صياد كان يجلس على شاطئ الترعة ، فضحك من " هيانج " وقال : " هل صوت الرباب الذي نعرفه فأصبح كصوت نشر الخشب أجمل أم الصوت الذي عزفه عليها أبوك ؟ " وضحكت منه امراة مجوز كانت تغسل الملابس في جنب من الترعة وقالت : " هل ترك أبوك هذه الرباب القديمة القبيحة ميراثاً لك ؟ " ونبهه أولاد السوق وصاحوا به : " ياله من صوت قبيح يجمل بك ان تهدي الرباب إلينا فنعرف عليها " ولم يمر هيانج " كلامهم سمعاً ، وانطلق يعزف على الرباب ويطوف بها في كل مكان .
وذهب " هيانج " إلي مكان بعيد عن الناس وخال من الضوضاء ، فرأي حوله جبالا مرتفعة شاهقة ، وأمامه غاية كبيرة ، فعزف على الرباب بكل جهده ، فأطربه صوتها وهز نفسه لحنها ؟ وبينما هو ذلك إذ فاجاء صوت رقيق يقول : " اخي الصغير اتريد ان تعرف ألحانًا جميلة ؟ إن كنت تريد فتعال أعلمك " . فاطلع حوله فلم يرى احداً ، فهمس خائفاً يخاطب نفسه : " عجباً ! من ذا المتكلم انفاً ؟ " ثم لم يلبث الصوت أن عاد يقول : " أنظر ياصغيري تحت قدميك تجدني ، اخفض رأسك ياصغيري تجدني تحت قدميك " ولما خفض رأسه رأي ترعة بسيل ماؤها سريعاً نقياً رقراقاً ، وبوقع على حصى الشاطئ أنغاماً رائعة ، وانتثرت كسر الصخور مختلفة الألوان في قاعها ، وقد
صقلها من الماء فاستدارت . عندئذ صاح " هيانج " فرحاً : " يا أختي الجميلة ! إن رضيت أن تعلميني لحنا من الحانك العذاب فما أعجزني عن شكرك ! " فردت الترعة قائلة : " إذا سمعت مني لحناً فحارني فيه بربابك . ثم وقعت لحها مرة ثانية ، وأرهف " هيانج " سمعه للحنها ، ففهم كل رفائقه ، وتابعه مع الرباب ، فلم يسمع منها صوت كصوت الخشب حين ينشر ، وإنما تتابع اللحنان ، لحن الرباب والترعة ، ثم اجتمعا ، فلم يعرف الفرق بينهما وشغلى " هيانج " والترعة بالتوقيع والغناء وغفلا عن كل شئ ، ثم أبطأت الترعة في لحنها تريد أن تستريح ، ولم تلبث أن أنت اللحن ، وقالت هيانج " : " لقد أصبحت ألحان ربابك جميلة جداً ، فدعني الآن لأنام قليلا وإلى اللقاءيا صغيري . " وخف صوتها شيئا فشيئا ، فلم ينتظر " هيانج " وإنما انطلق سائراً إلي الأمام .
ووقع " هيانج ألحانه الجديدة ، فرددت الجبال صداها ، فكثرت الأصوات ثم اختلطت متجاوبة ، كأنها تجيبه عن لحنه ، فطرب لذلك اينما طرب . وبينما هو غارق بين لحنه وصداه إذا بصوت حنون يناديه : " أخي الصغير أتريد أن نتعلم ألحاناً جديدة ؟ إن كنت تريد فتعال أعلمك " فالتفت ونظر من حوله فلم يجد احدا ، فروع وهمس يخاطب نفسه : " عجباً ! هل استيقظت الترعة من نومها ولحقت بي ؟ " ولكن الصوت عاد يقول له : " أنا هنا ياصغيري ، فارفع رأسك تجدني . " فلما رفع رأسه وجد نسمة رقيقة دافئة هبت فوق رأسه ، ثم تماوجت أعطافها كما يحتال الملك بين اجنحته ومطارقه ، وأخذت تثنى لحناً جميلاً دائما ، فأخذت الحشائش والزهور ترقص طربا علي وقع لحن النسمة .
ففرح " هيانج " وأجابها قائلا : " يا أختي اللطيفة ! إن رضيت أن تعلميني غناءك الرائع ولحنك الظريف فما أعجزني عن شكرك " فأجابته النسمة قائلة : " إذا سمعت غنائي
فتابعه بربابك . " ثم غنت مرة ثانية ، وأرهف " هيانج " سمعه إلى غنائها حتى فهم دقائق لحنها ، فتابعه ربانه مجهداً نفسه كل الجهد أن يحاكيه ، فتابع صوت الرباب وصوت النسمة ، ثم اجتمعا صوتاً واحداً ، فلم يظهر فرق بين الصوتين ، عند ذلك فرح " هيانج " والنسمة فرحاً شديداً ، فأخذت النسمة ترفع لحنها و " هيانج " يتابعه ، يسرعان مرة ، واخرى يتمهلان ، ومرة يرفعان الصوت ، وأخرى يخفضانه ، طرب في طرب بدون توان أو فتور ، وبهر اللحن الحشائتش والزهور فرقصت متمايلة يميناً مرة ويساراً أخرى حتى كانت من الفرح . ولما أرادت النسمة أن تتحول من مكانها كفت عن الغناء وقالت "هيانج " : " الآن قد تعلمت ألحانًا جديدة ، فدعني أذهب إلي مكان آخر ، وإلي اللقاء باصغيري ثم غادرت مكانها في حركة خفيفة وانطلق " هيانج " سائراً إلى الأمام .
ووقع ألحانه الجديدة واحداً بعد آخر ، فكلما رتلت ربابه ألحان الترعة تذكر جمالها ونشاطها ، وكلما رتلت ألحان النسمة تذكر خفتها ولطفها ، واستمر يوقع الألحان حتى دخل الغابة وهو لا يكاد يشعر ؛ وبينما هو يسير إذ سمع صوتا يقول : " أخي الصغير أتريد أن تتعلم ألحانا جديدة ؟ إن كنت تريد فتعال أعلمك . " ولكنه لما نظر حوله ولم يجد احداً قال في نفسه : "عجيب ذلك ! من ذا الذي يريد ان يكون استاذي في الموسيفا هذه المرة ؟ " وإذا بالصوت يعود فيقول له : " يا صغيري انظر إلى بين أوراق الاشجار الخضراء الكثيفة ، فإنك إن فعلت وجدتني . " فنظر " هيانج " في التجاويف التي بين أوراق الأشجار ، فوجد طائراً جميلا يغرد تغريداً رائعا حسناً ، ويرقص بين فروع الأشجار الخضراء كأنه راقصة حسناء ترقص في قاعة الرقص الجميلة .
ففرح " هيانج " وأجابه قائلا : " يا أخي الطائر الجميل ! إن رضيت أن تعلمني غناءك فإني اشكرك من كل قلبي " .
فقال الطائر : " إذا سمعت غنائي فتابعي بربابك . " ثم غني مرة ثانية ، وأرهف " هيانج " سمعه إلي غنائه حتى فهم دقائق اللحن ، فتابعه بربابه ، وقد مرنت يده على إثارة أوتارها ، فخرك القوس صاعدًا هابطاً بخفة ويسر ، وكانت الرباب تتبع صوت الطائر ثم اجتمعا ، فلم يكد يبين فرق من الصوتين ، وابتهج " هيانج " ، والطائر لذلك اشد الإبتهاج ، واخذ يوقع احدهما اللحن على ربابه والآخر يغني في مواجهته و قد أشرق وجهاهما بالأبتسام ، ثم ظمئ الطائرو أراد ان يشرب الماء فتوقف عن الغناء وقال "هيانج" الآن تعلمت ألحانًا جديدة كثيرة فدعني لأشرب وأستحم ، وإلى اللقاء يا صغيري ، وخرج الطائر من الغابة .
وبعد ذلك استطاع " هيانج " ان يوقم على ربابه كل لحن جديد وكل نغم رائع ، ليست ألحان الترعة ولا ألحان النسمة ، ولا ألحان الطائر ، ولكنها ألحان جديدة مؤتلفة من كل تلك الألحان كألوان مختلفة اختلط بعضها مع البعض الآخر فصارت لونا واحداً . وذهب " هيانج " مرة إلي الترعة ، ليري هل استيقظت أم ما زالت تستمر في النوم ، فلما رأته وسمعت ألحانه الجديدة قالت له : " إن ألحانك الآن أصبحت أجمل من ألحاني ، مأرجو منك أن تعيد التوقيع مرة ثانية لأسمعها فأنام نوما لذيذاً . " وأخرى ذهب إلي النسمة ليزورها ، فلما رأته وسمعت ألحانه الجديدة قالت له : "إن ألحانك الآن أصبحت أروع من ألحاني ، فأرجو أن تعيد التوفيع مرة ثانية كما أسمعها وأسر بها " . وثالثة ذهب إلي الطائر ليري رقصه الجميل ، فلما رآه وسمع ألحانه الجديدة قال له : " إنك الآن تستطيع أن تعلمني ، فأرجو أن تعيد توقيع ألحانك الجديدة كما أتعلمها منك " وكاد " هيانج " يطير فرحاً حين حبيبه بهذا الإطراء ، وأعار ألحانه الجديدة واستمر يعزفها دائما ، فنامت الترعة نوماً عميقاً ، وابتسمت القسمة ابتسامة خفيفة ، وغرد الطائر تغريداً
رائعاً . وذهب " هيانج " بعد ذلك إلى الترع والنسمات والطيور الأخرى ليزورهن ويعقد معهن صداقة جديدة ، فلما سمعن ألحانه الجديدة التي ابتدعها سررن بها غاية السرور وغنين له أغانيهن الجميلة الرائعة الألحان .
و كادت أم " هيانج " تجن من شدة الفرح بأبنها وألحانه الجديدة . فانها بلغ رشده صارت ألحانه في غاية الروعة والجمال ، فقالت له أمه : " إن ألحانك الآن اصبحت كألحان أبيك تماماً ، وإعجابي بك قد بلغ غاية الإعجاب ، فاخرج يا بني من البيت بهذه الرباب ميراث أبيك وأنشر ألحانك بين الناس " . فأطاع " هيانج " أمر أمه وخرج من الكوخ .
- وكان في المدينة قاعة للموسيقي والغناء ، بقيت درجات مدخلها وأعمدتها من الرخام الأبيض ، وحجب مسرحها بستار من الحرير وأحيط بالأفاريز المزركشة والزخارف المذهبة ، كلها جميلة ظريفة تأخذ بمشاعر القلوب ، وكان يحيى حفلات في هذه القاعة كبار الموسيقى ومشاهير المطربين ، وإذا ما ظهروا على المسرح كانت المقاعد خاصة بالسامعين من الرجال والنساء ذوي الشخصيات الموقرة والئلابس الفاخرة . كان أولئك الرواد كلما سمعوا لحناً جديداً أو أغنية رائعة أغمضوا عيونهم وأومأوا برؤوسهم مظهرين قدرتهم على تذوق لذة الموسيقى والغناء ومعرفتها التامة ، وإذا ما انتهي موسيقار من توقيع لحن ، أو أتم مطرب عناء قطعة ، عبروا عن سرورهم بالتصفيق الرقيق الوقور ليشعروا الناس أنهم من ذوي الوجدان الحي ، وأن ذلك اللحن أو تلك الاغنية عارت رضاهم ، وعند ذلك يطير صبت الموسيقار أو المطرب في المدينة .
ولما ذهب " هيانج " إلي المدينة دعاء صاحب القاعة ليعزف فيها على ربابه ، وأعلن الخبر بين الناس ، وحدد لذلك الميعاد ، وألصقت إعلانات جميلة ملونة على جدران
المنازل في الشوارع الكبيرة ، وقد كتب عليها " الألحان الجديدة الأنغام الرائعة . الموسيقار الريني" وكان خط هذه العبارات طريفاً عجيباً دائما يجتذب القلوب . فلما جاء الميعاد غصت مقاعد القاعة بالرواد الكثيرين الذين تعودوا التردد على هذه القاعدة ، وقد ففروا أفواههم استفهاما كأنهم ينتظرون الطعام .
صعد "هيانج" إلي المسرح وكان يلبس جلباباً قديماً ممسكا بيبدء الرباب ميراث أبيه ، فأدي التحبة للرواد. ولكنهم لما رأوه عبست وجوههم ، وقالوا في أنفسهم : " لقد رأينا كثيرين من الموسيقين والمطربين ، ولكننا لم نر مثل هذا الموسيقي الفلاح ، وما افبح هذه الرباب التي تشبه رباب الشحاذين التي يسألون بها الناس ! " وعزف " هيانح " ربابه فانتشرت ألحانها في القاعة ، وكان الجو هادئاً ، فسمعها الرواد في وضوح وجلاء ، ولكن بعد برهة صدرت منهم اصوات خفيفة ، ثم ارتفعت شيئا فشيئ تهدر كموج البحر ، فأسرع " هيانخ " في العزف وارتفعت ألحان ربابه ارتفاعا كبيرأً . ولكن الضوضاء طغت على صوتها كأنها تريد ان تغطيها ، وحيل إلي " هيانج " أن الرواد يقولون : " لم تكن نسمع مثل هذه الألحان ؟ . .
ليست لها روعة ولا لذة ؟ . . من أين جاء هذا الشحاذ إنه خداع وموسيقى دعي ! . . لقد وسخت ألحانه آذاننا فيجب علينا أن نغسلها ، ثم قاموا وتفرقوا يريدون أن يغسلوا آذانهم ، ورفع الشيوخ شواربهم ، واحمرت وجوه السيدات وانتفخت ، ولمته الفتيان والفتيات ، وغضب الرواد المترقبون غضبا شديداً ) ؟ خرجوا من القاعة حتى لم يبق إلا " هيانج" وحده على المسرح ، فتوقف عن العزف وخرج هو أيضا من القاعة ، وبعد ان سار برهة أدار رأسه ونظر إليها نظرة ساخرة وانصرف .
ورجع" هيانج " إلي شاطئ الترعة ودخل الكوخ
الصغير القديم . فلما رأته أمه سألته قائلة : " إني أمرتك بأن تخرج إلي الناس وننشر ألحانك بينهم ، فلماذا رجعت سريعا ؟ فأجابها قائلا : " إن الناس لا يريدون ان يسمعوا ألحاني لذلك رجعت" فضحكت أمه وأخذت رأسه في حجرها فائلة : " لا بأس عليك يابني ! إذا كان الناس لا يريدون أن يسمعوا ألحانك ، فإني أريد أن أسمعها ، فوقع على ربابك لأنني إذا سمعتها زاد نشاطي في نسج الحصير " . وقبلت وجهه قبلات حارة كما كانت تقبله في طفولته .
وبعد ذلك كنا نسمع ألحان الرباب خرجت من الكوخ الصغير القديم حينا بعد حين ، في ليالي الصيف حين تنثر النجوم اللامعة الكثيرة في السماء ، او في ليالي الخريف التي تهب فيها الرياح الخفيفة ، أو في مواسم حصاد الفلاحين زروعهم ، أو في الشتاء القارس عند ما يغطي الثلج وجه الأرض ، وفي القري التي تقرب من الكوخ او تبعد عنه ، فنسمع خرير الماء في الترع ، وهبوب خفاف الرياح بلطف ، وتارريد ال الطبور الخميلة ، كأنهن يطربن ألحان رباب "هيانج " . وصارت الحقول بجوار الكوخ الصغير القديم قاعة الموسيتي والغناء .
وعندما فادت الحان رباب "هيانج " أصوات الترع والرباح والطيور ، وانتشرت في الجو وعمت ، صارت كأنها حلم لذيذ خفيف يطغى علي أجسام السامعين ، فرجعت قوة الفلاح المكدود إلي جسمه ، ونشطت روح العامل المتعب الأعصاب ، ونسي الحداد حرارة النار وألمها ، وذهب حزن المرأة المجوز التي فقدت وحيدها وحسرتها ، سمعها كل الناس ، فشعروا براحة وسرور ، فقالوا جميعا : " نشكر للصبي " هيانج " ألحان ربابه "
ولكن رواد قاعة الموسيقى التي ينبت بالرخام الأبيض زهدوا في سماع تلك الألحان .

