الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 927 الرجوع إلى "الرسالة"

ربيعك فى نفسك

Share

كنت كلما أقبل أبريل بالربيع تلقيته وفي نفسى بهجة الطفل  وفى عينى وضاءة الجنة، وفى قلبى صبوة العاشق، وفى حسى  نشوة الشاعر، وعلى لسانى أغرودة البلبل. ثم أجدىي بعد همود  الشتاء وعبوسه قد تجاوبت مع الطبيعة، فأنفر مع الغصن،  وأنفتح مع الزهر، وأنطلق مع النسيم، وأمرح مع الطير، وأزدان  مع الروض، وأقضى أواخر النهار على ضفاف النيل، وأوائل الليل  فى ملاهى القاهرة فأجد لكل شىء جمالاً، وفى كل عمل لذة  وعلى كل منظر فتنة!

أما اليوم فأنه يقبل به على فلا ألقاه، وإذا لقيته لا أراه!  ذلك لأن ستاراً من ظلام النفس يفصل بين عينى ونوره  وحجاباً من كآبة العيش يحول بين قلبى وسروره!

فأنا أمشى فى شارع فؤاد - إن مشيت - فأرى حياة  الربيع من حولى تتدفق باللهو، وتتألق بالجمال، وتتأنق بالزينة،   وأنا محمول على عبابها المضطرب ذاهل الوعى بارد الحس خامد  الحركة، كأننى جثة قتيل على سطح نهر، تمور الأمواء  تحتها بالحياة، وتزدهى الشطئان حولها بالنضارة، وهى تجرى إلى  مصيرها المجهول لا تتصل بالكون ولا تشعر بالوجود!

وأنا أغشى مسرح اللهو - إن غشيت - فأرى الوجوه  تهش، والثغور تبسم، والعيون تقول، والقلوب تصغي، وأنا  جالس إلى المنضدة الرخامية لا أجد بينى وبينها فرقاً فى الجمود  والبرود! فمثلى كمثل الآصم الأصلخ فى المرقص الصاخب:  يرى أفواها تنفخ فى مزامير، وعصياً تضرب على طبول،  وأجساداً تلتصق بأجساد، وشفاهاً تنفرج عن ثغور، ثم لا يسمع  أنغام العازفين فيطرب، ولا يدرى كلام الرقصين فينتعش!

لقد خبت وقدة القلب وعادت جمراته رماداً! أذلك لتقدم السن، أم ذلك لتأخر الصحة؟ لا يا صديقى!

لا تقدم السن يؤخر الربيع، ولا تأخر الصحة يقدم الخريف  مادامت فيك حياة ففيك شعور، والشعور إن يبلد يدرك الحس  فى جمال الطبيعة؛ وإن يرهف يدرك الروح فى حس الجمال، إنما  هى الحياة العفنة التى تحياها اليوم فى مصر! مستنقع من الماء  الآسن، تنعقد عليه أبخرة خانقة، وتسطح منه روائح خبيثة  وتطن فوقه حشرات سامة. فإذا لم يؤتك الّله المشاعر السحرية  التى تجعل الظلام نوراً، والبخار بخوراً، والطنين شدواً،  والكدر صفواً، عناك أن تجد اللذة، وأعياك أن تسيغ العيش!  لقد كنا من قبل نبصر الحياة بالقلب والقلب فنان، ونحن  الآن نبصرها بالعقل والعقل عالم!

اشترك في نشرتنا البريدية