كان قد هاج على أحد أضراسى عام ١٩٤٣ هيجًا شديدًا ، حتى إنى كنت أدع له مضجعى بهدىء من الليل - والشتاء قارس - وأوسد خدى البلاط البارد رجاء ، أن تطفأ ثائرته ، فلما عالى أمره شكوت ذلك إلى صديقى الطبيب البارع (الآن لا آنذاك) حسينة بن المنطس ) ، ( وكان حينئذ طالبًا بمدرسة كتشنر الطبية بالخرطوم ، فأشار على - لا بل أمرنى - أن أذهب معه إلى عيادة أم درمان الخارجية ليتولى قلعه هو بنفسه ، فترددت قليلا ، فأخذ يحذرنى سوء العقبى إن أنا لم أتبع رأيه ، وشرع يمزج التحذير بشرح مطول لهيئة الضرس وتكوينه ، وغشائه الصلب الخارجى ، وباطنه اللين الرخو ، وجذوره التى إن سرى إليها السوس أو غيره من الأوبئة أعدت جاراتها فدربن كلهن ، وجعل يهول على بكلمات لاتينية بعضها ينتهى بميم ساكنة ، وبعضها ينتهي بياء ممدودة ، وبعضها من الشناعة حيث لا يشبهه
إلا طلاسم شمهورش وأبى هدرش ، وطفق يستشهد على صحة ما يقول بمجلة " لانسيت " البريطانية وأحيائها من برنستون وهافارد ، ولو كان حسينة يتقن الفرنسية أو الألمانية لما فاته أن يستشهد بمجلات باريس وبرلين ؛ فلعمري قد راعنى ، ولكنى لم أملك أن ذكرته بما تحتمه قوانين المستشفيات من أن الطلبة الطبيين لا يجوز لهم أن يباشروا العمل هم أنفسهم فى غير ساعات العمل ومن دون مراقبة ذوى الخبرة ، الآلى رسخت أقدامهم فى هذا الفن ، فبكتنى على مقالتى هذه أيما تبكيت ، واتهمني بجبن المدرسين وورعهم ، وأفهمنى أن صناعة الطب إنما أبناؤها كالبنيان المرصوأص ، " يقوم بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم " ون الطبيب من لدن دخوله فى المدرسة إلى أن يتخرج ويتدرب ويمسك بالمبضع على أوفاض العمليات ويقرى به بطون الأشقياء المساكين ، إنما هو يمين قبيلته الطبية وتحت رعايتها ، تدافع عن ذماره
وتتكفل بقضاء جميع أوطاره ، ثم أضاف أنه على صغر سنه يستجهل كثيرًا ممن يبدون فى أعين العامة أمثالى ذوى معرفة وخبرة وحذق فى هذه الصناعة التى هو أدرى بها ، فلم يسعنى إلا الإذعان . وليعزز حسينة حجته أشار على أخى الفاضل حباب بن يتباع أن يصحبنا إلى المستشفى ، فربما احتاج ضرسه هو أيضا إلى قلع ، أو أذنه إلى قطع . أو أنفه إلى جدع ، أو معاه إلى جرع ، من كل حامض ذى لدغ ، وكان أخى حباب بن يتباع يومئذ مدرسًا فنى صدق وحياء وأمانة ، لما تعلمه الصحافة بعد (كما هى الحال الآن) قراع الحجة بالحجة ، ودر ، الخصومة بالخصومة ، وفوت المغالب ، وروغان الثعالب ، فأسطاع - كما يقول النحويون أى أطاع - واستسلم ، ومضينا ثلاثنا يقودنا زعيمنا إلى العيادة ، فما إن وصلنا وقرعنا بابها حتى تلقانا أمر نكر مجر عصيب ، إذ استقبل " التمرجى " المسئول صديقنا حسينة بنفور ، وطرف مكسور ، وأبى أن يسمح له بالدخول ، وجعل حباب يكتم ضحكا خبيئًا ، واستشيط طبينا غضبًا :
- افتح لى فأنا حسينة . - وكيف أعرف أنك حسينة ؟ . والتفت حباب إلى صديقنا يلومه : " إنك قد فرطت يا أخى حين تركت عباءتك البيضاء الشقوفة من وراء . وحضرت معنا بملابس الدهماء ". وانبريت أنا قائلًا : " أين ذلك الطويق السحرى الذى نسمعع به وحبيب القلوب ؟ ".
وأخرج حسينة سماعته من جيبه الأيسر ، وجعلها علاطًا (١) على رقبته . وما إن رأيناها عليه حتى استشعرنا هيبة له . وقوى أملنا فى أن " التمرجي " سيفتح له الباب، وأدرك " التمرجى " أيضًا أن صاحبنا ليس من السوقة والدهماء . وأنه وإن لم يكن طبيبًا حقًا ، إلا أنه تنفيذ طبى فى عامه النهائى أو نحو من ذلك . ومن الحكمة مداراته .
ففتح الباب بين كاره ومعتذر . ودخلنا . وأخذ صاحبى يبحث عن مخدر يخفف به ألم القلع عنى . ولكنه لم يجد شيئًا . فسأل وهو يبتسم ابتسامة ذئب متمرس : " أعندك من " الشجاعة الجسدية " كما يقول الإنجليز ، ما تحتمل به ألم انتزاع ضرسك ؟ " فذكرت فى نفسى ذلك الشيخ الجعلمى (١ ) الذى بتر طبيب القرية رجله المتأكلة بلا " بنج " سوى زغاريد النساء ، فلما جمعها ملأته نشوة وحماسة وفتوة فمد برجله الصحيحة وصاح بالطبيب : " امرأتى طالق إن لم تبتر هاته الأخرى أيضًا " . ذكرته ووطنت نفسى للكروب ، وأجبت : أن نعم .
وشرع حسينة ينتخب من الآلات ما يصلح لتعذيبي . وإذا كثوب كأنما يستعمل لقلع المسامير . وأقعدني على كرسي ، ساء من كرسي . وما زال يجذب وينزع حتى شرم أعلى الضرس تشريمًا ، وحطمه تحطيمًا ، وغادرني - لولا الجلادة - مكلوم الفؤاد ، وصب الرأس ، منقطع الأنفاس . وأشفق حباب من أن يصيب فمي ضرر بليغ . فأخذ يصيح بصاحبنا أن يكف . وصاحبنا لا يزيد إلاتغشمرًا وشراسة . ثم أخيرًا وبعد لأى أدرك أن الأمر أعسر من أن يفرغ منه في ساعته تلك ، وأنه " رب عجلة تهب رئبنا " . فأمسك ، وأنشد :
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
واكتفى من اقتلاع الضرس بتنظيفه ووضع بعض الكاويات فيه . ونصحني أن أحضر من الغد إلى الطبيب الأرمني المتخصص في الأسنان " برنتو " . وخرجنا إلى محل قهوة قريب . فلقينا بعض المنظرفة فألقى علينا نظرة ثم قال بالإنجليزية ما معناه : " تبدو مسلوب البشاشة اليوم " . فأجبته بلسانه ولم أنفض رأسًا : " إني لراض أن لست إلا مسلوب البشاشة " فقال لي حسينة وهو يضحك : " لقد أنطقك الألم بعجمة فصيحة " . والحق أقول ، إني قضيت ليلتي تلك أروح من ذي قبل ، إذ لم يكن جهد طبيبي وتنظيفه عبثًا ، لازال معه مشكورًا ، ومن الغد مضيت إلى " برتنو " فأزاح جذم الضرس كلمح البصر . فقلت
أرثيه مقتربًا سبيل متمم بن نويرة اليربوعي في قصيدته التي
رثى بها مالكًا أخاه :
لقد بان ذاك الخل عنا وودعا
فصدع شعب لم يكن قبل صدعا
فيا ليت ضرسًا كان سيد ربعه
أقام فلم يسترك لي الفم بلفما
تمكن في عمر مكين جذوره
تمكن محشى العشيرة أروعا
وكان جديرًا أن يقيم مكانه
ويجعل في السلطان كسرى وتبعا
ولكن بنات الدهر فرق شملها
تخبيء في الأمن الخوف المروعا
فلم يقتنع بالخير واللحم مطعمًا
فقصرك ألا تجعل البغي مرتعا
فقدمًا أطاح الظلم هامة قيصر
ومزق عن دارا الستار الممتعا
وأنزل رب الصغد عن عرش عزه
قنيئة لما حمل القوم مفظعا
وأحرق في نار الصواعق أربدا
فأمسى ليبد بعده الحزن جرعا
أغار عليه السوس ينخر عظمه
وما كان قبل السوس يوما لبيجعا
يظل نهاري ساكنًا فإذا دجت
دجى الليل عاطاني الأذى والتوجعا
ويلدغني لدغًا ترى الصبر عنده
ضعيفًا كبيت العنكبوت مزعزعا
يظل نهاري ساكنًا فإذا دجت
ويلدغني لدغا ترى الصبر عنده
ضعيفًا كبيت العنكبوت مزعزعا
وأسقيه ماء الملح مرا فيرعوى
قليلًا ولكن ريثما أن ينمو عوعا
ألح على الليل ينفث سمه
وناولني كأس السهاد فأنزعا
فلأيا طعمت النوم حتى تثورت
ثوائره تذكي لي النار مضجعا
تشكي إلى إخوانه وقبيله
فجب بها داعي السقام وأوضعا
ففي العين أوجاع وفي الرأس مثلها
كما ابن الشرق الإمام المودعا
تمتد القصيدة إلى ما يساوي صفحتين أخريين من هذه المجلة ، لكننا نكتفي بنشر هذا القدر منها .

