طالعت في العدد الأخير ٦٦٤ من الثقافة بحثا للأستاذ على أدهم فى رثاء النفس وهجاء النفس ، وقد جاء فيه ذكر حافظ إبراهيم من الشعراء المعاصرين كالشاعر الوحيد الذى رثى نفسه فى رثائه للأستاذ الإمام .
وإنى أذكر أن الشاعر اللبنانى فؤاد بليبل قد رثى نفسه قبيل وفاته بأيام قلائل فى أبيات بلغت منتهى الروعة والقوة وفاضت باليأس من الحياة ومن فى الحياة وما فى الحياة . والأسى على سوء حظه من الحياة والإشفاق على شبابه الذى أذبله المرض وعصف به بل والإشفاق من الموت السريع الباكر ؛ وكأنى به برغم ما يقاسى وما يعانى وما واجهته به الحياة من آلام يشفق من هذا الفراق السريع :
أنا ! من أنا ؟ يا للتعا سة ! من أنا ؟ . . شبح الشقاء
بل زهرة فواحة عبثت بها أيدى القضاء
عند الصباح تفتحت وذوت ولم يأت المساء
وطغى الفناء على الشباب فغاله قبل الفناء
بالأمس كانت ملعب الـ ـعصفور فى ذاك العراء
يشفى العليل أريجها وبهاؤها - يحيى الرجاء
بسامة لا تعرف الجلى ولا معنى العناء
واليوم باتت ، يا لتعـ ـس نصيبها ، هدف البلاء
قد حولوا عنها الغديـ ـر فلا خرير ولا دواء
فذوت على أكمامها عطشا وبعثرها الهواء
إن هذه الأبيات تشبه قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسه ، فكلتاهما حصيلة اليأس من الحياة بعد أن أيقن صاحباهما من دنو الأجل وانتهاء العمر فراح بيكى نفسه أحر البكاء ؛ لكن شعر فؤاد بليبل يمتاز بالإفراط فى الرقة التى عرف بها فى حياته القصيرة . وبالنظرة البعيدة المدى التى لا تهتم بصغائر الأمور كالأرض والقبر والماديات بعد أن أوشك أن يفقد أعز ما يملك فى الوجود .
إن فؤاد بليبل يتحدث عن معركته القصيرة الخاسرة مع الفناء ويشيد بمجهوده فى هذه الحياة ، الذى يشبه مجهود الزهرة فى تزيين السكون بجمالها حتى تعدو عليها الأيدى فتقتلها كما عدا عليه الفناء فاختطفه فى صدر شبابه .
