الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 659الرجوع إلى "الثقافة"

رجاء إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر :, مقدمة ابن خلدون

Share

من يوم أن عرفت فضل حكيم الشرق ابن خلدون ومقدار مقدمته النفيسة التي لم يؤلف فى العربية مثلها والتي جعلت مؤلفها بحق أستاذ لعلماء أوربا فى علم الاجتماع الذى وضع قواعده وأسس بنيانه - وأنا لا أدع طبعة من طبعات هذه المقدمة إلا اشتريتها ، سواء ما ظهر منها بمصر أو بالشام - ذلك بأنه لا يوجد منها صورة منشورة صحيحة كما كتبها مؤلفها ، وكنت أتمنى أن تخرج من هذه المقدمة طبعة عصرية تصدر عن أصل صحيح في شكل أنيق يتفق وجلال قدرها .

وفى صيف سنة ١٩٢٣ قرأت بمجلة الهلال كلمة لأحمد تيمور باشا رحمه الله ذكر فيها ، أن كل طبعات مقدمة ابن خلدون لا تطابق الأصل الصحيح منها، وأنه يوجد بمكتبة زكي باشا نسخة خطية من هذه المقدمة بقلم مؤلفها، فسررت بهذا النبأ وتوجهت بأستفهام إلى زكي باشا على جريدة المحروسة عن حقيقة ما نشره تيمور باشا، وكان ذلك فى ١٧ أغسطس سنة ١٩٢٣، فأجاب رحمه الله ببضع مقالات على هذه الجريدة تكلم فيها عن طرف من تاريخ ابن خلدون ومقدمته . وأنا أسوق هنا خلاصة ما قاله عن هذه المقدمة النفيسة وفيه البلاغ لما نحن بسبيل الكلام فيه اليوم . ذكر رحمه الله أن هذه المقدمة الفريدة قد ظل أمرها مهملا خمسة قرون كاملة ، فقد تم تأليفها فى سنة ٧٧٥ ه . ولم تظهر إلا فى سنة ١٢٧٤ ه سنة ١٨٥٧ م وكان أول من عثر على هذا الكنز رجل نمساوى اسمه آسرلى ، فقد وقف في دار كتب ( ويانة ) عاصمة النمسا على نسخة مخطوطة من هذه القدمة ، ثم نشرها مع بعض ملاحظات وتعليقات فى المجلة المعروفة باسم الخزانة الطلبانية ، فكانت أبحاثه

مدعاة لتنبيه علماء أوربة على العناية بهذا الأثر العربى الكريم . "ولما جاء المسيو آسرلى إلى مصر قنصلا لدولته لدى محمد على باشا كان مما عمله أن حض محمد على باشا على الانتفاع بهذا الكتاب وطبعه . فترجمه إلى اللغة التركية وطبع بمطبعة بولاق وكذلك طبع الأصل العربى منها ، وفى الوقت الذي طبعت فيه المقدمة فى مصر كان العلامة كترمير الفرنساوى يطبعها فى باريس، وقد طبعت هذه القدمة بالمطبعة الأميرية طبعة ثانية فى سنة ١٢٨٤ هـ .

ثم ذكر زكي باشا " أنه بعد ما تحقق وجود المسخ والبتر والتشويه، والتحريف فى جميع ما صدر من الطبعات العربية المقدمة ابن خلدون آلى على نفسه أن يبحث عن نسخة خطية تكون وافية بالمرام ، حتى قضى الله له الظفر بها فى خزانة المرحوم عاطف افندي بالقسطنطينية ، وهذه النسخة قد صححها ابن خلدون بقلمه، وذلك أنه لما عاد إلى القاهرة من عند تيمورلك طاغية التتار رأى النساخين قد شوهوا محاسن مقدمة تاريخه فضاقت نفسه وتناول نسخة من التى أصابها المسخ وأقبل عليها بنفسه وتولى تصحيحها بقلمه، وكان من هذا التصحيح أن حذف بعض الكلمات وطائفة من العبارات ووضع هوامش كثيرة بخطه، فإذا أعوزه المكان أضاف ( طيارة ) أى جزازة ويلصقها بين الصفحتين ويدل على موضعها دلالة ظاهرة واضحة، وقد انتقلت هذه النسخة من مصر إلى الآستاذة على أثر سقوط مصر بين يدى السلطان سليم سنة ٩٢٢ هـ

وقد عثر عليها زكي باشا في سنة ١٩١٠ م فى خزانة المرحوم عاطف أفندى بالأستانة ولم يلبث أن أخذ صورتها الفتوغرافية فى أربعة مجلدات وأنفق عليها مالا كثيرا ، وقد كتب على هذه المقدمة العبارة الآتية " هذه صورة المقدمة

من كتاب العبر في أخبار العجم والبربر، وهي عامية كلها كالديباجة لكتاب التاريخ قابلتها جهدى وصححتها وليس يوجد في نسخها أصح منها، وكتب مؤلفها عبد الرحمن ابن خلدون وفقه الله تعالى وعفا عنه".

ولما وقفت من زكي باشا علي نبأ هذه المقدمة وكان الشرق كله في حاجة إلى الصورة الصحيحة منها، رجعت إلى العالم الجليل الدكتور أحمد أمين بك رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر راغبا إليه أن تقوم اللجنة - التي من أغراضها نشر الأسفار القديمة النافعة - بطبع هذه القدمة وهي خير ما ينشر من ذخائرنا العربية ، فجاء في من هذه اللجنة جواب مؤرخ ١٦ أغسطى سنة ١٩٢٧ تقول فيه : إن اللجنة ستضع هذا الاقتراح موضع البحث ، ولما لم تحقق اللجنة رجاءنا رجعنا إلى وزارة المعارف فطلبنا منها مرارا على صفحات الجرائد أن تعنى بنشير هذا الأثر القيم فتطبعه طبعة صحيحة ، ولكنها أصمت آذانها ، وغيرت السنون على هذه المقدمة وهي على تحريفاتها وأغلاطها .

ولا تزال أمنية طبع هذه المقدمة تعتلج في صدري لا افتأ أسعي إليها ما وجدت إلى السعي سبيلا.

ولما أتمت لجنة التأليف طبع كتاب العقد الفريد وأخرجته في هذه الصورة الصحيحة الجميلة ، أسرعت - وكان ذلك منذ شهور - فطلبت من العلامة الجليل الدكتور أحمد أمين بك أن تأخذ اللجنة في طبع هذه القدمة لكي تؤدي للعربية أجل خدمة في هذا العصر ، وبينا ارتقب عقيق أمنتي التي لا يعتربي يأس منها أو ملل في التماسها إذا في أجد إعلانا بمحلة الثقافة الفراء عن ظهور كتاب التعريف ابن خلدون ورحلته غربا وشرقا بتحقيق الأستاذ الفاضل محمد بن تاويت الطنحي ، فشاع السرور في قلبي وكأن أمني العزيزة قد دنت مني ، وقلت لعل هذا الكتاب المتمتع يكون مقدمة لظهور مقدمة ابن خلدون أو يكون طليعة لها ولتارع ابن حلدون كله من بعدها .

ومرة ثالثة أتوجه إلى لجنة التأليف الموفرة بعد أن توجهت إليها في سنة ١٩٢٧ راجيا منها أن تتعاون هي والأستاذ الفاضل الطنجي على إخراج هذه المقدمة عن النسخة التي

نقلها زكي باشا ، وهي موجودة الآن بالمكتبة الزكية في صورة أنيقة وشكل بهيج ، حتى تتحقق أمنيتنا التي هي أمنية العربية كلها ، والتي ظللنا أكثر من ربع قرن ننشدها ، فيخرج هذا الكنز الثمين إلى الناس لينتفعوا منه على مر العصور .

وللأستاذ الطنجي خالص تحياتنا وشكرنا على عنايته بآثار حكيمنا ( ابن خلدون ) وجده في تحقيقها ونشرها لينتفع الناس بها. وكذلك ندى صادق عمدنا للجنة التأليف الموقرة التى لا تفتأ تعمل على ما ينفع العلم وطلابه من تأليف وترجمة ونشر.

(المنصورة)

اشترك في نشرتنا البريدية