رجال العلم المقصودون في هذا المقال ، هم اولئك العلماء الذين وقفوا حياتهم للبحث ، ولدراسة خواص المادة التى تتكون منها الأشياء المحيطة بنا في هذا العالم ، والقواعد والقوانين التي ينبني عليها سلوك هذه الأشياء في مختلف الظروف تبعا لتلك الخواص التي يكشف عنها العلم . ويتطلب ذلك بطبيعة الحال فحص دقائق مختلف المواد وتعرف تركيبها ، وطبيعة تكوينها ، وبذل الجهد في الوصول إلى الأسباب الحقيقية التي يرجع إليها اختلاف المواد بعضها عن بعض .
وكم من فروض وضعوها في سبيل ذلك ، وأيدتها المشاهدات واحدة بعد اخرى ، حتى بلغت تلك الفروض مرحلة النظريات ، وظن العالم العلمي انها تمثل الكلمة
الأخيرة ؛ ولكن لم تلبث مشاهدات العلماء اللاحقين في عصور تالية أن تعارضت معها ، وحتمت على العلماء أن يعدلوها أو يبحثوا عن فروض جديدة لتكون أكثر ملاءمة للانطباق على الواقع ، بحيث تتفق مع جميع المشاهدات القديمة والجديدة . وحين وفق بعض الباحثين إلي فروض جديدة تحقق تلك الأغراض هلل لها العلماء وأيدوها ، وكلما زادت المشاهدات التي تتفق معها زاد إيمان رجال العلم بها ، حتى وصلت هي الأخرى إلي مرحلة النظريات ، وساد الاعتقاد بأنها الكلمة الفاصلة ؛ وظلت كذلك حينا من الدهر حتي اصطدمت بمشاهدات أدق من سابقاتها ، وعندئذ تحتم العدول عنها ، واقتضي الامر تغييرها ، وهكذا دواليك .
وليس القصد من مقالنا هذا تتبع بعض تلك النظريات ، وبيان الظروف التي نشأت فيها ، والمشاهدات التى ادت إلي نقضها ، والجهود التي بذلت لصوغ نظريات اخرى تحل محلها ، فذلك ما قد نتناوله في فرصة اخرى ؛ وإنما قصدنا الآن إلي ناحية أخرى أكثر اتصالا بالحياة العملية وبالمجتمع ، وهي ناحية التطبيق .
فهناك طائفة اخري من العلماء جعلوا مهمتهم استغلال كل كشف علمي جديد لمصلحة الإنسان وراحته ورفاهيته وسعادته ومتعته في الحياة . فكلما وصل العلماء السابقون إلى اكتشاف خاصة جديدة من خواص المادة ، أو صورة جديدة من صور الطاقة ، أخذ هذا الفريق الثاني من العلماء في بذل الجهد وإعمال الفكر لابتكار وسيلة عملية لاستغلال الكشف الحديث في تطبيق عملي جديد يسخر لخدمة الإنسان ، فيقدمونه له هدية ينعم بها ، وهو بدوره يبذل لهم المال في نظير ذلك عن طيب خاطر ولا يزال هؤلاء العلماء التطبيقيون يهذبون من مخترعاتهم ويحسنونها ويبسطون من أجزائها ومن طرق استعمالها حتى يصير صنعها سهلا ، واستخدامها ميسورا للجميع لبساطته
بهذه الوسائل العلمية نشأت ونمت وارتقت وتهذبت ملابس الإنسان وأطعمته ؛ واجهزة الإنارة والتسخين والطهى ؛ وآلات الحرث والري ؛ ووسائل النقل وأجهزة التليفون والإذاعة ، وما كينات الطباعة ، والآلات ذات الإحتراق الداخلي ، والطائرات ، وآلات الجراحة ، والأمصال ، وغير ذلك مما لا حصر له من جميع ما ينعم الإنسان به من وسائل الراحة والترف والتسلية والاستغلال ، واتقاء أسباب المرض ، والتغلب على العلل ، والتمتع بطيبات الحياة وبالآثار الجميلة للمدنية العلمية الحديثة .
وهناك فريق ثالث من العلماء تخصصوا في نوع آخر من البحث ، وهو البحث الصناعي التكنولوجي ؛ فقد تبين
للعالم العلمي ولرجال الصناعة على حد سواء ، أن التقدم الحقيقي سواء أكان من ناحية تحسين المخترعات وإتقانها ، أم من ناحية تقليل نفقات صنعها ، يحتاج إلى أمرين : أولهما تخصيص جماعة كبيرة من الباحثين لفحص كل مرحلة من مراحل الصناعة ، بغية ابتكار التحسينات المتواصلة في كل جزء من أجزائها ؛ وثانيهما تنظيم الإنتاج على نطاق واسع ، فصنع كل جزء من اجزاء السيارة مثلا يحتاج إلى آلات دقيقة وعمال فنيين يكلفون المصانع مبالغ طائلة ؛ فإذا كانت الآلة والعمال القائمون عليها تنتج في اليوم ألفي قطعة مثلا ، فإن تكاليف القطعة الواحدة تكاد تنزل إلى نصف تكاليفها حين يكون الإنتاج اليومي ألفا فقط . ومن ثم جاءت فائدة الإنتاج على نطاق واسع ، مع التخصص الذي يحصر الجهود ويركزها في ناحية واحدة
وهذا الفريق الثالث من الباحثين يشتغل عادة لحساب المصانع ؛ ويحيط كل منها اعماله بالكتمان الشديد نظرا للمنافسة التجارية بين مختلف دور الصناعة في الملكة الواحدة وفي الممالك المختلفة
هذه الطوائف الثلاث من رجال العلم كانت إلى عهد قريب قائمة بالإنزواء في معاملها ، والانصراف إلى عملها في هدوء وسكينة ، غير عابئة مما يجري حولها من تصرفات ، ومما يزخر به المجتمع من تقلبات ، وبما يسفر عنه إنتاجها العلمي من تغييرات ، بل ومن ثورات اجتماعية . وكان شعارهم الذي توارثوه ، صغير عن كبير ، هو أن العلوم نشأت على الحياد ، ويجب أن تبقى ملتزمة هذا الحياد إذا أريد اطراد التقدم العلمي ، وأن الباحث إن هو إلا آلة ينتفع بها الجميع دون أن تكون له أدنى إرادة خارجة عن نطاق عمله العلمي في البحث والتجريب والإنتاج
لكن عاصفة الحرب الكبرى الماضية التي اجتاحت العالم ١٩١٤ ، لما هدأت في سنة ١٩١٨ فتحت اعين الناس إلي قيم الأشياء في ذاتها وإلى قيمها النسبية ، كما جعلت كل طائفة تنظر إلى مركزها في المجتمع ، وإلى ما لها من حقوق وما عليها من واجبات ، وتتطلع إلي تحسين حالها وإلى اكتساب حقوق تتناسب مع ما تضطلع به من واجبات . فأخذ العمال يعيدون النظر في شئونهم ، والزعماء وقادة الفكر يبحثون حالة المجتمع والنظم السائدة فيه ، وبالجملة لم تشذ طائفة من الطوائف عن التفكير في حالها ونظامها ومستقبلها .
وكان الرأي الذي تلاقت عنده كل تلك الطوائف على اختلاف انواعها هو عدم الرضا بالحالة على ما هي عليه ، والإجماع على سوئها ، والإصرار علي عدم العودة إلى نظام الرأسمالية العتيق ، وعلى ضرورة إقامة نظم اجتماعية جديدة على أسس جديدة ، تكون أقرب إلي تحقيق المثل العليا للإنسانية كما تصورها كل فريق على حدة .
ولعل رجال العلم كانوا أكثر الناس تنبها وأشدهم عنفا في استشعار الحاجة الملحة لتغيير وجهة نظرهم في الحياة الاجتماعية بوجه عام . فقد أخذوا يتساءلون فيما بينهم : هل نحن محقون في الفكرة التى سادت بيننا من قديم الزمان ، والتي أساسها ان العلوم يجب ان تظل علي الحياد دائما ، وان هذا هو الضمان الوحيد لتقدم العلم والصناعة وارتقائهما ؟
ثم نظر هؤلاء إلي العالم وإلى المجتمع نظرة فاحصة ، فإذا هم يلمحون اثر العلوم واثر النظرة العلمية وأتر التقدم العلمي في جميع نواحي الحياة ، فلم يقتصر هذا الأثر على الناحية المادية فحسب ، بل تعدها إلى النواحي الفنية والإنسانية والروحية وتخللها جميعا . فإذا التفتوا إلي الإنتاج الأدبى والفني الحديث في مختلف صوره وجدوه قد تأثر
تأثرا ظاهرا بالاتجاه العلمي ، وإذا تلفتوا إلي الناحية العمرانية تجلى لهم الأثر العلمي واضحا قويا نفاذا
وإذا ما حولوا بصرهم والتفاتهم إلى الجانب الإنساني في الحياة وجدوه كذلك قد تأثر تأثرا بالغا بالتقدم العلمي . ولكن الأثر في هذه الحالة متناقض ، فبينما نجد الجهود العلمية قد اتجهت من ناحية إلى الأخذ بيد الإنسان وتجنبيه ويلات المرض ، وإلى تقديم مقومات البهجة والسعادة إليه ، إذا بنا نجدها من ناحية اخري قد اتجهت نحو التدمير والتخريب والتقتيل والتمثيل بالإنسان على اسوأ الطرق وبأبشع الأساليب .
فالمخترعات التي فرح بها رجال العلم وقدموها للإنسان بشيرا مما يسعده ويكمله ، ويرفع مستواه ، قد استغلت في كثير من الحالات لإنزال العذاب وجلب البؤس والشقاء ، ومحو الآثار الزاهرة للمدنية التي كان يفخر بها الإنسان ويزهو . وذلك لأنه لما قامت الحرب الحالية واطلع كل من الفريقين المتحاربين على ما أنتجه الفريق الآخر من آلات جهنمية ، اقتنع الكل بأنه لا امل في الغلبة إلا لمن يبتكر آلات اشد تدميرا من آلات خصمه ، وأقوي أثرا في الفتك من التي يستخدمها عدوه . وإذا بالفريقين يحشدون رجال العلم ويسخرونهم لتحقيق أغراضهم وقد اقتضى ذلك السياق ان ازداد تشبث الفريقين بسياسة " الإنتاج على نطاق واسع " ، وبالتنظيم الدقيق للبحث والتحكم في عقول الباحثين بتوجيههم وجهات معينة ، بعد ان كانوا فيما مضي احرارا في اختيار موضوعاتهم وطريقهم والزمان الذي يناسبهم .
ثم نظر رجال العلم إلي النظم الاجتماعية القائمة وحللوها بطريقتهم العلمية الدقيقة الفاحصة ، فإذا بهم يجدون معظمها أجوف لا يستند إلى مبادئ قويمة ، ولا يقوم على اسس معقولة ، وإنما تقبله الناس لما كانوا فيه ) في الفترة التي بين
الحرب الماضية والحرب الحالية ( من اضطراب وقلق وتلهف على تغيير الحالة القائمة . وقد كان الدافع الاساسي للشعوب التى ارتضت تلك النظم الواهية الدعائم هو ما املوه من ورائها من عظمة قومية وتوسع استعماري ، وربح مادي وتفوق عالمي ، وهذه كلها تحوي في ثناياها بذور الشقاق بين الاجناس ، ودلائل تأهب الإنسان لافتراس اخيه الإنسان .
رأي رجال العلم كل هذا فهالهم أن يكونوا مسيرين إلي هذا الحد ، لا يملكون من توجيه السياسة العامة شيئا مع أنهم عماد الحياة ورقيها في السلم والحرب عندئذ بدأ فريق منهم يتحرك ويكتب مناديا رجال العلم ان يهبوا من سباتهم ، ويخرجوا من عزلتهم ، ويتركوا الحياد الذي التزموه ، ويستشعروا أن عليهم واجبات اجتماعية ، وأن لديهم رسالة يجب أن يؤدوها بأمانة للمجتمع الذي يعيشون فيه ، وليدركوا ان ذلك يستلزم ان يكون لهم صوت مسموع فيما يجب أن يكون عليه المجتمع ، وأن يشتركوا في البحث عن النظم الجديدة التى ستوضع للعالم بعد الحرب . فمن السخف أن يفنوا حياتهم في اكتشاف الحقائق وإخراج المخترعات وتنظيم الصناعة ، ثم يتركوا لغيرهم توجيه ذلك كله دون ان يشتركوا معه في هذا التوجيه وفي استغلال ثمرة عقولهم على الوجه الذي يتفق مع نزعاتهم الطيبة ، ونظراتهم الصائبة ، وميولهم الإنسانية المعقولة . وعندهم أن النظرة العلمية هي وحدها التى تستند إلي أسس منطقية معقولة ، وهي التي تضمن للنظام الجديد الذي يبني على اساسها استقرارا واستمرارا ونجاحا ، وتضمن للعالم هناءة وعدالة ، ووفرة وسلامة
فإذا ما انتقلنا من ذلك إلي بحث الطريقة المثلى لهذا الاشتراك الفعلى لرجال العلم في الشئون الاجتماعية والسياسية ، تشعبت بنا الآراء واختلفت المسالك . ولذلك نجد نخبة رجال العلم البارزين وقادة الرأي فيهم يطلعون علينا في الفترة
الأخيرة بكتب جديدة ، ومقالات ممتعة ، تحوي اقتراحات عديدة في هذا الصدد ، وتراهم جميعا يتناولون تلك الاقتراحات والأراء التي تبدي بالتمحيص والدرس الدقيق بغية الوصول إلي خير الطرق وأنجعها . وشأنهم في ذلك هو هو شأنهم في جميع المسائل الأخرى ، حرية في الرأي لا حد لها ، وتقبل للرأي أنى كان مصدره ، وقرع للحجة بالحجة في غير مراعاة ولا تهيب . فالجميع مقتنعون بأن كلا منهم قد تنزه عن الغرض الشخصي ، وانه لا يبغي فيما يبدي ويقترح سوى المصلحة العامة
ونحن نري لزاما علينا قبل ان نتناول هذه المقترحات وتلك الآراء بالعرض والنقد ، ان نعرض لما هو انفع لنا وأجدي علينا هنا ، وذلك أن ننظر أولا فيما لدينا من طبقات العلماء ، وفيها اداه هؤلاء لمصر من خدمات ، وفيما لا يزال ينتظرهم من تبعات ؛ ثم نبحث في نظرة أولى الأمر تجاه رجال العلم هؤلاء ، وفيما يجب على الدولة حيالهم كل ذلك يجب ان نعرفه قبل ان نحكم إلي اي حد يحق لهم ان يشتركوا مع زملائهم في الدعوة القائمة ، وقبل ان نتبين إذا كان ما ينطبق عليهم هناك في العالم الغربي ينطبق عليهم هنا في العالم الشرقي . ذلك ما نرجو ان نتناوله في المقال التالي .

