الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

رجال العلم ورسالتهم، في مصر

Share

( تكلمنا في مقالنا السابق عن طوائف ثلاث من رجال العلم : الأولى طائفة المشتغلين بالعلوم البحتة ؛ والثانية طائفة المشتغلين بالعلوم التطبيقية ؛ والثالثة طائفة المشتغلين بالبحوث الخاصة بنتظم الصناعة والإنتاج على نطاق واسع ، وشرحنا الحركة القائمة بينهم في الوقت الحاضر ، والتي ترمى إلى الاشتراك الفعلي في تنظيم العالم بعد الحرب ، وإلى اتخاذ خطة إيجابية فيها يتعلق بمساهمتهم جميعا في الشئون العامة الاجتماعية والسياسية ، ووعدنا بأن تخصص المنال التالي لتحليل طوائف رجال العلم في مصر ، والبحث فيها أدوه من خدمات ، والنظر فيما ينتظرهم من تبعات ، حتى تستطيع أن تحكم إلى أي يحق لهم أن يجاروا رجال العلم في الغرب في صيحتهم الأخيرة ؟ أو لعلنا ننتهي إلى أن رسالتهم في مصر تتطلب حركة في اتجاهات أخرى تنطلق مع حاجيات البلاد وظروفها الخاصة ) .

أما رجال العلم المشتغلين بالبحث في مصر ، من أمثال رجال الطوائف الثلاث التي ذكرناها ، فعددهم قليل جدا ؟ وبعضهم من رجال الطائفة الأولى المشتغلين بالناحية الأكاديمية البحتة ، كأمثال أساتذة الكليات العلمية ؛ وبعضهم من المشتغلين بالبحوث التطبيقية ، كأمثال رجال معهد الأبحاث الصحية ، ومصلحة الطبيعيات ، ومصلحة الكيمياء ، وقسم الحشرات الخ . أما الطائفة الثالثة من المشتغلين بالبحوث الصناعية التكنولوجيا فلا نعرف من رجالها أحدا في مصر ، ولا تحسب أن لها وجودا عندنا لا نعدام المصانع الكبري ، إذا استثنينا مصانع شركة مصر للنسج والحليج بالمحلة الكبرى . وقد تحربنا عما إذا كانت تجري فيها أبحاث من هذا النوع ، فتبين لنا أن شيئا من ذلك لا أثر له فيها . ولكنا نتوقع أن تظهر هذه الطائفة في مصر بعد الحرب في الصانع الموجودة فعلا ، وفي المصانع التي يرجي أن تقوم عندنا حين تضع الحرب

أوزارها ، وتستخدم عددا كبيرا من العمال الذين اكتسبوا خيرة ومرانا في مصانع الأمم المتحدة التي أقيمت هنا في خلال الحرب .

ونحن لا نستغرب قلة عدد رجال البحث في مصر ، فقد كان التعليم فيها مضي متجها وجهة ضعيفة ، ترمى إلي مجرد تحصيل القشور اللازمة لتكوين الموظفين اللازمين للحكومة ، ولم تدر يخلد أحد فيها مضى أن يكون من أغراض التعليم خلق طائفة من الباحثين ، الذين يزيدون الثروة العلمية ويضيفون إلى التراث العلمي آثارا جديدة من ابتكارهم . لكن المتعلمين الذي مارسوا البحث في أوروبا أخذوا يتطلعون إلي هذه المنزلة السامية التي يحتلها البحث ورجاله ، ويدركون أهمية هذه الناحية الإنسانية من الدراسة ، وشرعوا يحفظون آمالهم من هذه الناحية ، ويقومون بقسطهم نحو العلم ونموه ، والعالم والكشف عن مكنوناته ؛ وإن كنا لا نخفى شعورنا ، بأن رجال الجامعة من هؤلاء لم يحققوا ما كان ينتظر منهم في هذه السبيل .

وقبل أن نتكلم عن رجال البحث في مصر وعن  مهمتهم ورسالتهم ، نقول كلمة عن الجهرة الكبرى من رجال العلم القادرين الذين تلقوا العلم في مصر وأوربا وتعمقوا فيه وأحاطوا بدقائقه وهضموها . وتقوم غالبيتهم بالتدريس بالمدارس الثانوية أو بالعاهد العالية أو بوظائف التفتيش وما شاكلها . فهؤلاء وإن فاتهم الاشتغال بالبحث العلمي لظروفهم الخاصة وظروف البلد العامة ، فإن عليهم واجبا لا يقل أهمية عن البحث العلمي في ظروف مصر الحاضرة ، ألا وهو المساهمة في نشر الثقافة العلمية العامة على صفحات الجرائد والمجلات ، وفي تنمية المكتبة المصرية بتزويدها بالكتب العلمية المبسطة ، التى يستطيع القارئ العادي الذي أتم الدراسة الثانوية أن يتفهمها ، ويجد لذة في قراءتها تحفزه إلى متابعة القراءة

فجمهور المتعلمين تعليما متوسطا في مصر متعطش إلى أمثال تلك الكتب ، وقد ظهر جليا ميله إلي اقتنائها ومطالعتها ، وتهافته على الجديد الذي يظهر منها ؛ ولذلك نري أن مهمة رجال العلم هؤلاء في وضع مثل هذه الكتب العلمية المبسطة المشوقة على جانب عظيم من الأهمية ، وإذا قامت هذه الطائفة من رجال العلم بها أسدت إلي مواطنيها خدمة جليلة . كما أننا لاحظنا أن الجرائد والمحلات قد أخذت تعنى بالناحية العلمية أكثر من ذي قبل ، وكلما ازداد عدد الكتاب المجيدين ازداد عدد القراء وازداد رجال الصحافة اهتماما بتلك الناحية

ولعله من الطريف والمفيد أيضا أن تذكر بهذه المناسبة أن الجرائد والمحلات في روسيا صارت في السنوات الأخيرة حافلة بالمواضيع العلمية ، بحيث لا يكاد يخلو أي عدد منها من مقال علمي على الأقل ، وكثيرا ما تنشر تلك الموضوعات العلمية في صدر الصحيفة أو المجلة تنويها بأهميتها . هذا إلي أن أماكن بيع الكتب العلمية هناك قد صارت في كسترتها معادلة لأماكن بيع السجاير أو الحلوي .

فهل لنا أن نتطلع في القريب العاجل إلي اليوم الذي نصل فيه إلى ما يداهى ذلك الاهتمام بالموضوعات العلمية ، وإلى ما يداهى تلك الكثرة من الإنتاج العلمي المفيد ؟ ذلك كله مرهون بما تبذله هذه الطائفة من رجال العلم من جهد في سبيل القيام بواجبها نحو المجتمع الذي تعيش فيه ، وبرسالتها العلمية الجديرة بكل عناية . ولئن فعلت ذلك على الوجه الآكمل فستحسن أثرها في المجتمع واستجابته لدعوتها ولرعايتها ، وهذا ما يسمى له رجال العلم في الغرب في وقتنا الحاضر كما قدمنا .

والآن فلنمد للكلام عن رجال العلم المشتغلين بالبحث ،

والذين هم عماد التقدم العلمي ، وأساس نمو الثروة ، وتحسين الصحة ، وإصلاح التعليم ، ومصر بلد ناهض حديث عهد بالتقدم في جميع مرافق الحياة ، فإذا أريد لهذا التقدم ولحركات الإصلاح التي تصحبه أن تكون كلها في الاتجاه الصحيح المنتج ، كان من الواجب أن تقوم كلها على أساس أبحاث تجري في مصر على أيد مصرية ، مطبقة في البيئة المصرية بواسطة عقول مصرية ناضجة . فلا يكفي أن يقال إن البلاد التمدينة التى سبقتنا قد قامت بأعمال ما ، واتخذت طرقا معينة في سبيل الإصلاح فيما يتصل بالزراعة والصناعة وتحسين الصحة وإصلاح التعليم وترقية المجتمع وتنظيمه ، وإن علينا أن تنقل صورة من ذلك كله إلى بلادنا ليتم لنا هنا بذلك ماتم لهم به هناك .

ذلك لأن لكل أمة مميزاتها ، ولكل بيئة خصائصها ولكل كائن حي خواصه ، والإصلاح لا يمكن أن ينجح ويثمر إلا إذا بني على هذه الخصائص وتلك المميزات . وهذا يقتضي أن نقتضى أثر الأمم التي سبقتنا ، فتخصص لكل من مرافق الحياة رجالا يتوافرون على البحث ، فيتعرف فريق منهم بطرق علمية دقيقة على خصائص التربة المصرية ، ومن ثم يهدوننا بعد التجارب العديدة التي يجرونها بأنفسهم إلي خير الطرق وأتجهها في إصلاح الأراضي بمختلف أنحاء القطر ؛ كما يدرس فريق آخر المحاصيل المصرية ، ويجرون أبحاثا وتجارب تدلنا على كيفية تحسينها نوعا ومقدارا يضاعف الإنتاج ويرفع الأسعار .

وينقطع فريق إلي المواشي أو إلي الدواجن ليرسم لنا بعد الدرس والبحث طريقة تحسين نوعها والإكثار من إنتاجها كذلك وآخرون يدرسون الآفات التي تنتاب المحاصيل ، والحشرات الضارة التي تغير على المزروعات وتجعلها عشبا ، وتصبب المواشي والدواجن فلا تلبث أن تقضي عليها ، وتحرم البلاد من ملايين من الجنيهات لإصابة الحاصلات

والحيوانات مما كان يمكن تفاديه ، لو أن البحث العلمي كان متقدما وجادا ومحل عناية كافية ناشئة عن إيمان وثقة به .

ونحن نعلم ان في وزارة الزراعة طائفة من هؤلاء الباحثين الذين يقومون بمثل تلك البحوث ، ولكنا نعلم أيضا أن هؤلاء أقل عددا مما ينبغي ، كما نعلم أن كثيرا  من هيئات البحث هذه تستطيع أن تضاعف نشاطها وإنتاجها وتعمم فوائدها ، لو أن  الحكومة أجابت طلباتها ولم تضن عليها بالأموال والأراضي والحيوانات والخامات والآلات والآدوات اللازمة . ونحن لا نعرف ناحية من نواحي صرف المال أجدى ولا أنفع من صرفه على البحث العلمى .

ولعل ما أسدته تلك الأقسام الفنية من خدمات جليلة ، وما لا تزال البلاد تئن تحته من أرزاء زراعية ، وما أسدته البحوث الطبية من خدمات جليلة ، ومالا تزال البلاد عن تحتة من أرزاء صحية ، لعل في ذلك ما يحفز الحكومة إلي أن زيد عنايتها بالبحث والباحثين ، وتكون أسخي نحوها في البذل والرعاية .

وتود أن تعم هذه العناية والرعاية جميع المرافق ، فهناك - مثلا - ناحية من نواحي البحث العلمي لا يكاد يوجد لها أثر في مصر ، وهي البحوث النفسية والتربوية ، مع أننا لا نعرف شيئا عن خصائص العقل المصري ، وكانت النتيجة أننا لا تصدر في كل محاولاتنا الإصلامية التعليمية إلا عن مجرد التقليد ؛ ولم تعرف بمصر للآن المنشأت التعليمية التي يقصد فيها إلى تجربة مختلف الطرق والأساليب والانتفاع باختبارات الذكاء المصرية ، مما ينبغي أن يقوم به رجال التربية في مصر إذا أريد النهوض بالناشئ المصري ، وبالمدرسة المصرية التي لا تزال تسير في مجموعها طبقا للنظم القديمة ، محرومة من كل تجديد مبني على التربية الحديثة ، وقائم على نتائج بحوث علمية مصرية .

وبعد ، فإنا نرجو أن يكون القارئ قد أدرك مما تقدم في مقالينا ، أن أعظم عامل من عوامل الترقي والتقدم في العصر الحديث في كل ناحية من نواحي النشاط الإنساني هو البحث العلمي المنظم ، وان الأمم والهيئات لا يمكن أن تصل إلى علاج ناجح لأيه مشكلة أو عيب أو أفة إلا إذا مهدت لذلك بسلسلة من البحوث الوافية ، التي تتناول كل عامل يصح أن يكون ذا أثر في تلك المشكلة أو العيب أو الآفة المراد التغلب عليها ، وعلى نتائج تلك البحوث المستفيضة يجب أن تبني الاقتراحات التي تقدم لطرق المعالجة والإصلاح . وما لم يؤمن رجال الحكم ومن بيدهم مقاليد الأمور بتلك الحقيقة فستظل نبني علي غير أساس ، ونصرف الأموال سدي ، ونضيع الجهود هباء .

ومما يؤسف له أن الذين يقدرون أهمية البحث العلمى كان عددهم قليلا إلى عهد قريب ، فأغلبية الناس تستكثر صرف الأموال في جهود تتوقف نتائجها في كثير من الأحوال على مجرد الصدفة ؛ وينسي هؤلاء ، ان من أهم عوامل التوفيق في البحث مقدرة الباحثين وبعد نظرهم ونافذ بصيرتهم ، وهذه صفات يحتاج معظمها إلي الخبرة والمران ، وهذان لا يتوافران إلا لمن يدأب علي البحث ويستمر فيه ، ويغالب صموياته فأنت تري أن خلق جيل من الباحثين يكلف الدولة مالا كثيرا في أول الأمر ؛ وقد يبدو لقصار النظر أن إلفاقه فى وعبث ، لكن بعيد النظر يدركون أن خلق هذا الحيل أمر لا مناص منه ، وأن تأجيله إن هو إلا تأجيل لأكبر عامل من عوامل رقى الأمة وتقدمها تقدما مبنيا على أسس سليمة وبأساليب تضمن النجاح .

فمن الخير إذن ألا نضن بالمال نصرفه في خلق جيل من الباحثين في جميع نواحي الحياة العملية وشتى مسالكها ، ولا يغيبن عن البال أن المال اللازم لهذا الغرض لا يقتصر على تدبير مرتبات الباحثين ، وإنما يتطلب كذلك مدهم بالمال

اللازم لشراء ما يحتاجون إليه من أجهزة وأدوات وأراض وحيوانات وخامات الح ، وإطلاق يدهم في العمل استجابة لما توحى ، به فرائحهم وما ترتاح إليه أمزجتهم ؛ فالحرية وهدوء البال وتوافر المعدات من أهم الأسباب في نجاح رجال البحث في عملهم الدقيق ، وجهارهم في كشف مغالين الطبيعة ، واستنباط وسائل إكثار الإنتاج وتحسين الثروة ، ومكافحة الأمراض وإسعاد البلاد وأهلها بوجه عام .

ولئن فات مصر فيما مضي أن تقدر البحث العلمي وأهميته كما ينبغي ، فهي الآن قادمة بعد الحرب على فترة من الزمن عظيمة الأهمية تتيح لها فرصة نادرة لتعوض ما فاتها ، ولتبنى صرح مستقبلها على أساس من البحث متين . ويجب أن تتخذ عدتها لذلك من الآن ، فتمد رجال البحث الحاليين بكل ما يحتاجونه من رجال وأموال ، وتعمل على إعداد جيل جديد من الباحثين في النواحي التي تفتقر إلى

ذلك ، كناحية الدراسة النفسية ، والدراسات الاجتماعية ، ولتعلم ان أموالا تصرف في هذه السبيل ستأتي علي مر الزمن بربح وفير ونفع عميم .

وبعد ، فإن على رجال البحث العلمي أن يبينوا للآمة أهميته ، وأن يتضافروا علي إفهام الرأي العام قيمته ، وأن يجاهدوا حتى يظفروا بتأييد الحكومة لهم ، وإجابتها مطالبهم حتى يؤدوا رسالتهم العلمية على أكمل وجه ، ويؤدوا واجبهم القومي والاجتماعي فتطمئن ضمائرهم ، ثم يمضوا في بحوثهم حتى تجني البلاد ثمرة جهادهم وتنعم بآثارهم ، وتفاخر بها غيرها ؛ وعندئذ يصح لهم أن يطالبوا بما يطالب به زملاؤهم في الغرب ، وذلك أن يكون لهم صوت مسموع في النظم والشئون الاجتماعية والسياسية . ومن الخير لمصر أن تستمع لرجال العلم من الآن ، وأن تساعدهم على نشر الثقافة العلمية ، وأن تقيم نظمها المستقبلة من الآن على ذلك الأساس العلمي المتين .

اشترك في نشرتنا البريدية