أسد الحزيرة العربية وحاميها هو ملكها عبد العزيز آل سعود ، وهو رجل عصامي كون نفسه ، وبني ملكه على قواعد من الحزم والعدل والرحمة بعد أن فتح الجزيرة كلها بسيفه وبسط عليها سلطانه .
وقد نشأ في نجد كما ينشأ البدو ، يركب الخيل والجمال ، وينتطي السيف دفاعاً عن الحق والأهل والعشيرة ، وأشتهر بهيبته وقوته وتقواه . . وقد راقب حال الجزيرة عن كثب وما نفشي فيها من الفوضى والاضطراب أيام حكم الشريف ، فقرر أن يخلصها من هذا الحكم .
والحق أن الفساد في عهد تلك الدولة إستشري ، فالأمن مضطرب...حتى إن الحاج ما كان يأمن على نفسه أو ماله ، ربا ويل من كان بزمع زيارة الدينة ، فإن السلب
والقتل كانا متربصين له في الطريق . . حتى إنه قيل ( إن من يخرج رأسه من الهودج فهو أن يعود له ( كما انتشرت الرشوة والمحسوبية والجرائم .
عرف عبد العزيز كل هذا ولمسه بنفسه ورآه بعينه فآلى على نفسه أن يخلص الجزيرة من هذا الرعب والفساد ، وينشر فيها حكم الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم) .
وأخذ يجمع قومه ويحدثهم ويحضهم على الجهاد ، ويدربهم على إستعمال الأسلحة المختلفة التي مدته بها جهات عديدة ، فجيش جيشه وتحرك به من نجد متجهاً إلي الحجاز ، وفي طريقه إلي مكة أخضع كل القبائل وجندهم حتى وصل إلي مكة فحارب في شعابها ودروبانها حرباً دامية حتى إستولى على أم القري . . وعندئذ دخل المسجد هو وأصحابه
مكبرين مهللين ، بعد أن حرموا من دخوله أعواماً ، فصلى لله شكراً وطاف بالبيت المتيق ، وعاهد الله على أن ينشر العدل والأمن في أنحاء الجزيرة .
وسارت بعد ذلك جيوشه المظفرة إلى جدة والمدينة وجميع أطراف الجزيرة فإستولت عليها جميعاً .
الحكم :
قلب عبد العزيز طرفه في ملكه الشاسع الجديد ، ولم تداخله نشوة الظافر وغروره ، بل أحس تبعة الحاكم . . . الحاكم الذي يريد أن ينشر السلام والأمن والعدل في بلاد شاسعة كلها صحراء وجبال ... بلاد لا تنبث شيئاً ولا تصنع شيئاً ، بل تعتمد على ما يأتيها من مال وعروض في مواسم الحج ، ولا وسيلة بها للنقل إلا الجمل .
فأمر أن يكون الحكم فيها لكتاب الله ، وطارد المجرمين وعاقبهم بلا رحمة ، وولي أبناءه وأقاربه إمارة البلاد ... وأنشأ مجلس الشوري بمكه التي جعل بها دواوين الحكومة . ومد شبكة المواصلات التلغرافية بين أنحاء البلاد وكذلك أدخل التليفون والسيارات وجعلها وسيلة المواصلات الأولى .
واتخذ له مقرين للحكم : أحدهما بالرياض عاصمة نجد ، والآخر في مكة عاصمة الحجاز . أما في الصيف فهو ينتقل عادة إلي الطائف ، كما أتخذ له علماً يدل علي إيمانه وسطوته ؛ فهو سيف كتب أعلاء لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وراح ينشر الدعاية للحج ويهتم بسلامة الحجاج حتى يتوفر له المورد المالي ، الذي يمكنه من إقامة دعائم الحكومة وتنفيذ الاصلاحات الضرورية ، وأنشأ العلاقات السياسية مع الدول المختلفة ، ولكنه حرم على غير المسلم أن يقترب من مكه أو المدينة حرصاً علي شعائر الدين وحرمته .
البترول :
وأراد الله أن يفرج كربته فاكتشف الأمريكيون
منابع البترول في شمال الجريرة ولم يتردد عبد العزيز في الأتفاق على إستخراج البترول .
وهكذا عمرت الخزانة وتدفق الخير وعم الرخاء
طويل العمر :
والملك عبد العزيز رجل مسلم مؤمن بكل ما في هاتين الكلمتين من معني وقوة ، فهو لا يعرف إلا الحق ، ويعيش في بساطة طبيعية محببة ، لا يلبس إلا القطن ، وينتعل نعلاً ويأكل بالطريقة العربية كما تعود .
وهو لا يسمح لأحد أن يدعوه صاحب الجلالة . . بل يناديه أهله يا عبد العزيز " أما رعيته فنداؤها المحبب هو " يا طويل العمر " .
ولكل شخص من رعيته أن يقابله ويرفع إليه شكواه ، وهو لابد منصفه حتى من نفسه ومن أقرب المقربين إليه . لا يعرف في الحق كبيراً ولا صغيراً .
في ثورة غضب صفع أحد أمرائه رجلا على وجهه . فرفع الرجل شكواه إلى طويل العمر فقرر أن يصفع الرجل الأمير ثم عزله من إمارته.
وهو لا يشرب الدخان ولا الخمر إطلاقاً ، وقد حرم التدخين في أول حكمه . أما الآن فقد أبيح . لكن من يشرب الخمر يقام عليه الحد .
الرجل السياسى :
إن هذا الملك البدوي الطويل ، الذي لم يدخل جامعة ولا تتلمذ على أساطين السياسة ، هو بلاشك داهية سياسي ، فهو يعرف ببديهته وفطرته السليمة وحنكته كيف يقود سفينته إلي بر السلام دائماً . وهو مساوم بارع صريح يكسب من مساومته أكثر ما يمكن لبلاده .
ومما لاخفاء فيه أن هناك منافسة شديدة بين إنجلترا وأمريكا في المملكة العربية السعودية ، وهو يستفيد كل الاستفادة من هذه المنافسة ، ويعرف في كل حالة كيف
يحفظ إستقلال بلاده ، وهو يوازن بين المتنافسين ثم يربح دائماً.
وإنك لتحس كيف إستغل ذلك التنافس . فالحجاز هو البلد الوحيد الذي ما زالت العملة فيه هي الجنيهات الذهبية ، وهي تتدفقن على أسواقه كالسيل . وكلنا يذكر كيف أصر منذ عامين على أن تكون نقود الحجاج من الذهب ، وكيف أضطرت الحكومة الإنجليزية أن تعطي مصر والبلاد الإسلامية ما يلزم لحجاجها من الذهب .
وإنك لتجد أيضاً ذلك السيل المتدفق من المؤن الذي ترسله أمريكا وبخاصة الدقيق الأبيض والسيارات والأطارت .
وهو يعرف كيف يتخير الكفة الراجحة في أشد الحالات حلوكة وغموضاً ؛ فعندما إشتدت الأزمة الدولية بين الديموقراطيات والمحور الذي تسير أساطيله في البحر الأحمر وتحتل إحدي دوله الحبشة ... أخذ بفكر وبتدبر ، وفي ذات ليلة إشتد به التفكير وسهر حتى الصباح مصلياً ومرتلاً للقرآن ، وبعد أن صلى الفجر جمع أعوانه وأبلغهم أنه قد قرر أن يقف بجوار الدول الديمقراطية.
وهكذا تخير الكفة الراجحة
عبد العزيز الرجل:
رأيته لأول مرة في حياتي في اليوم السادس من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٣ واقفاً على عرفات في المكان الذي كان يقف فيه الرسول ( صلى الله عليه وسلم)فرأيته رجلا طويلا نحيلا يلبس ملابس الإحرام البسيطة . أما وجهه فهو طويل نحيل بنتهي بلحية سعودية ، وتشوبه السمرة البدوية ، وتظهر فيه علامات القوة والحزم أما نظراته فثاقبة توحي بالثقة والاطمئنان ، كما توحى بعمق التفكير والفطنة الشديدة والذكاء الفطري.
وعند الغروب وقف خاشعاً رافعاً بديه إلي السماء ضارعاً مبتهلاً ، وكانت تظهر عليه علامات المرض والضعف
وفي يوم ٨ ديسمبر سنة ١٩٤٣ تشرفت بمقابلته في إستراحته يمكن حيث ينزل أيام عيد الأضحي . فوجدته يلبس جلباباً من القطن عليه عباءة سوداء ، ويغطى رأسه بكوفية بيضاء من القطن الأبيض مزينة بنقوش حمراء ، وقوق رأسه عقال مقصب ، وكان يجلس في بساطة وهيبة على كنبة كبيرة وثيرة واستقبلنا هاشاً باشاً واخذ يتحدث في بساطة وتؤدة ونيرات صوته ضمينة وكلمات بطيئة إلا أنها قوية ، وهو يسأل كل إنسان عن حاله ويزوده بنصائحه وهو يتكلم العربية الفصحى في لهجة نجدية لطيفة .
وفي مجلسه تتجلي الديموقراطية الحقة . فالكل إخوانه وأحبابه وضيوفه ، وتقدم لك في مجلسه القهوة العربية (جهار) ثم الشاي ، ولا بد لك أن تشرب في حضرته .
ويبدو لك كرمه فيما يخلعه من خلع سنية على كبار زواره ، وهو كريم غاية الكرم ، ويروى عنه أنه كان في إحدي رحلاته من مكة إلى الرياض ، وهي رحلة يعتبرها أهل البادية موسماً وعيداً ، إذ تتدفق عليهم فيها خيراته وينعمون بالكثير من لطفه وبره رأي أحد أولاده الصغار،وكان في صحبته،بدوياً يحمل غزالاً فرغب فيه . فنادي الملك الأعرابي وأفهمه رغبة ولده فترك له الأعرابي عن غزاله . ثم سأله الملك " أيش تريد " فقال الأعرابي : "والله يا طويل العمر أريد هذه السيارة ؟ وأشار إلي سيارة الملك .
فلم يتردد عبد العزيز ، بل نزل منها وأهداء إياها وركب سيارة أخرى .
وهكذا عرف هذا الملك كيف يرضي رعيته ويرغبهم في حكمه.
وإذا دخل عليه أحد مجلسه وشكا إليه سوء حاله أمر
له بما يلزم من الدقيق والدهن وأعطاء من ماله الخاص ما يرد غائلة الدهر عنه .
ولذلك يعتبره أهل الجزيرة ملكاً وأباً وزعيماً
عبد العزيز والوحدة العربية :
وهو يعطف أشد العطف على الوحدة العربية وآمال كل العرب وأمانيهم ، وطالما نادى بذلك في مجالسه في مواسم الحج ، وكثيراً ما جمع حوله رؤساء الوفود وذوي المكانة في البلاد المختلفة العربية واستفسرهم عن شئون بلادهم وحثهم على التآخي والأتحاد
وهو يعتبر موسم الحج مؤتمراً عاماً المسلمين ويحرص على حضوره وبتذاكر معهم شئونهم وآمالهم وآلامهم . أما موقفه من فلسطين فهو واضح غاية الوضوح ،
وصريح كل الصراحة ، وهو يصر على جعلها عربية لحماً ودماً يشهد ذلك خطابه للرئيس روزفلت الذي نشر أخيراً.
أما مصر فهي حبيبته ، وفاروق الملك هو أخوه الذي يحتل من كل قلبه أعز منزلة وأكرم مكان .
وهو لم يخرج من بلاده قط إلا إلي مصر في الشتاء الماضي ، وهو يعرب من شئونها كل شئ ، ويعرف أكثر رجالها ، ويثق كل الثقة في عبد الرحمن عزام باشا ، حتى إنه لينزله صيفاً خاصاً عليه في قصره وبعطيه أقرب الحجرات إليه ، ويمنحه من الود والمحبة الشئ الكثير .
وهو بجانب ذلك حريص غاية الحرص على إستقلال بلاده والبلاد العربية ، لا يفرط في ذلك ولا يتزحزح عنه
قيد أنملة

