قرأت في العدد ٤٦٥ من الرسالة كلمة قيمة للأستاذ (محمد خليفة التونسي) استهلها بالرد عليّ فيما قلته في العدد ٤٦٣ من أن أبن يعيش سبق ديكارت إلى الشعور بالفكرة التي بنى عليها أبو الفلسفة الحديثة منهجه الموصِّل إلى اليقين بعد الشك، ومن أن ديكارت عمل ما لم يعمله ابن يعيش فصاغ هذه الفكرة في منهج فلسفي فكان هذا الفرق بينهما.
استهل الأستاذ كلمته بالرد عليّ فيما قلته؛ فقال إن ابن يعيش لم يكشف مذهباً فلسفياً، لأنه كان يناقش تركيباً عربياً من حيث معناه، ولأنه لم يجُلْ بفكره أن يقف عند هذه القضية قليلاً ولا كثيراً، فليس الفرق أن ديكارت صاغ وابن يعيش لم يصغ
وأنا أشكر للأستاذ عنايته بتمحيص ما قلت، ولكنني أرى أنه فهم كلامي على غير الوجه الذي قصدتُ، ومال به إلى غير الطريق الذي نهجت، فظن أنني أريد أن أقول إن ابن يعيش كشف مذهباً فلسفياً.
ففي الحق أنني ما أردت أن أقول ذلك، وما خطر لي ذلك ببال، فابن يعيش رجل نحوي قبل كل شيء، وهو في قوله لم يحاول مطلقاً أن يثبت وجود نفسه لأنه ما شك مطلقاً في وجود نفسه، وإنما كان - كما يقول الأستاذ - يناقش تركيباً عربياً من حيث معناه.
إنما أردت أن أقول إن الفكرة التي بني عليها ديكارت مذهبه وهي أن في تفكيره المرء برهاناً على وجوده قد شعر بها ابن يعيش مجرد شعور فقال في عرض كلام له عن تركيب عربي إن في علم المرء برهاناً على وجوده.
ففكرة ديكارت قريبة الشبه من فكرة ابن يعيش وأن لم تكن هي ذاتها. وذكره لها في عرض كلامه النحوي معناه أنه لم يصغ هذه الفكرة في منهج فلسفي. وما كان غرضي مما قلت أن أهزّ مؤرخي الفلسفة هزاً عنيفاً لينتبهوا إلى أن ابن يعيش سبق ديكارت في منهجه الذي انتقل به من الشك إلى اليقين، وإنما قصدت إلى أن أعرض مثالاً طريفاً لتوارد الخواطر بين الشرق والغرب.
فهذا تفصيل ما أجملت، لعله يوضح ما أنبهم ويفسر ما استسر
على أنني لا أود أن أترك القلم قبل أن أنبه الأستاذ إلى أن ابن يعيش - كغيره من النحويين المتأخرين - كان يعيش في بيئة فلسفية كلامية، فتأثر - كما تأثر هؤلاء - بهذه البيئة في منهج تفكيره وفي عرض تفكيره، وهذا يتضح لمن يقرأ في شرحه على المفصل.
وقصدي من هذا الكلام أن أنص على أنني وإن لم أحمل كلامه السابق على أنه كلام فلسفي إلا أنني أشم فيه رائحة فلسفية وألمح فيه مخايل التفلسف.
فهذا ما جوز لي قرن ديكارت بابن يعيش وللأستاذ مني تحية صادقة.
