الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 346 الرجوع إلى "الرسالة"

رجع

Share

وأما قصة   (الزلزلة)  فلقد فر الكاتب، في عدد الرسالة  الماضي، من ميدان المناقلة والمثاقفة إلى ميدان التطاول باللفظ  وحده. فقد كنت بصرت الكاتب، في مقالي السابق،  وبين يدي الشواهد النواهض، بأمور ثلاثة: الأول أن بحر    (المنطلق)  ليس من مجزوء   (المتدارك)  كما وهم أول الأمر،  متبعاً وهم غيره؛ فلم ينطق ههنا بكلمة واحدة. والأمر الثاني  أن الزلزلة في اللغة ليست بمقصورة على زلزلة الأرض كما وهم أيضاً،  إذ هي تفيد الاضطراب والتحرك أول ما تفيد؛ فلم يقو على العناد

لأن أحداً من الناس لا يستطيع رد القرآن. والأمر الثالث  أن الزلزلة والطرب على مجاورة في لغتنا؛ فلم يقدر على المكابرة  لأن أسلوب صاحب   (الأغاني)  وغيره من البلغاء فوقها،  بل جلب إلي شاهداً آخر يعزز قولي (المغنية التي   (زلزلت قلوباً ) )

وعلى هذا فقد سلم الكاتب، مرغماً، باني بصرته بما كان  يجهل، في ثلاثة مواطن. غير أني أريد أن أنصف القارئ:  فقد تشبث الكاتب - بعد تسليمه ذلك - بدليل فريد،  لعله أن ينفي به زلزلة الأذن، أي اضطرابها وتحركها،   (ومن  يتلمس الخطأ لغيره لابد له أن يتشبث بشيء) . فقال غير مزلزل  القلم: إن أذن الإنسان - من بين جميع الحيوان -  لا تتحرك البتة. وهنا أعود إلى تبصير الكاتب بما تواضع الناس  على تلقنه وقبوله. فحسبه ما جاء في كتاب قررت وزارة المعارف  المصرية استعماله بمدارسها، وعنوانه:   (خلاصة الطبيعة - الجزء  الرابع: في الصوت)  الطبعة الـ ١٤، مصر ١٩٣٠، ص١٢٥:    (شرح عمل الأذن: عند حدوث صوت بالقرب من الأُذن  تنقل التموجات الهوائية داخل الأُذن الخارجة وتؤثر في غشاء  الطبلة فتهتز بحركة مماثلة لحركة مصدر الصوت، لأن شكل ذلك  الغشاء وقوة توتره يمكنانه من الاهتزاز بتأثير أي صوت خارجي) .  إن الكاتب يظن أن كل الأُذن - وهي جهاز السمع - هو  ما يراه إذا نظر إلى مرآته - إلا أن في هذا التبصير الجديد الكفاية.  وهل تبصر الخلق ببسائط لغتهم ثم بمبادئ العلوم إلا على جهة  التسلي والتلهي؟

تشبث الكاتب بهذا الدليل الفريد - وقد عرفت بطلانه -  بعد أن سلم بصحة قولي في الأمور الثلاثة التي كان نازعني فيها.  على أن تسليمه بأني بصرته بما كان يجهل أوغر صدره، فنثر  حول قهره ما نثر من نفاية الكلام؛ وذلك نتركه له، فليتطوق!  فكل يتزين بما تملك يده، و   (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) .

اشترك في نشرتنا البريدية