الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

رجل الأقدار

Share

حين تحابي الأقدار ، تمد للقائي في حبل الرجاء ، وتعيد له الطريق الوعر ، وتنيم العقبات فلا تفطن إليه . وتشغل النوائب فلا تنقص عليه ، وتذكي له نار الحماسة في الصدور ، وتخلص له الطوايا ، ولا يحاسبه الناس إذا أخطأ ، ويفسر خطؤه بالصواب ، وتكون له الظروف كالمد مؤاتية ، والصروف كالجزر مجافية ، ويظل موكبه ريكض من مجد إلي مجد ، وعلمه يخفق من نصر إلي نصر ، وسلمه يحمله من درجة إلى درجة ، حتى يبلغ الذروة ، فيبدأ الانحدار

عندئذ تفلت قدمه درجات السلم ، وتزل في السهل والوعر ، ويطوي علمه فلا يشهد النصر ، ويتفرق موكبه ، ويقيم افقه ، ويفيض بحره ، ويكون كل شئ عنده جزرا ؟ وتصم الأذن عن امره ونهيه ، وتنتقص الهزيمة من قدره ، وينفض الصديق من حوله ، حتى الأخ والأخت يشغل كل منهما عنه بنفسه ، ويفر كل شئ منه حتى الموت .

هكذا كان نابليون . أسعفته عبقريته وخانته ، وهي هي ذكاء الساطعة الهادية ، ونفعه تصرفه امس واضر" اليوم ، وهو هو الرشد والبصيرة . وعبده الناس وحطموا صنمه ، وهم هم الناس ، احتقرهم معبودا ، واحتقرهم منبوذا . لكنها الاقدار حابت تحاملت ، ومدت ثم قصرت ، وسهلت ثم صعبت ، وانامت ثم ايقظت ، وقيدت ثم أطلقت ، واذكت ثم اطفأت ، واخلصت ثم غدرت ، واغضت ثم حاسبت ، والناس في الحالين لم يلهموا حكمة سليمان فيستبينوا ، ولم ينزل عليهم وحي الالهة فيستنيرروا ، لكنها الغشاوة رفعتها الأقدار كما اسدلتها ، والقلب البشري القلب لا يعرف الثبات ، والملل من الطيب والخبيث على السواء ، والزهد في الحال الواحدة ولو كانت خيرا محضا ،

والرغبة في التبديل ولو كان سوءا محضا وقد قادته مبادئ الثورة إلي النصر ، وقاده الانتفاض على الثورة من فخر إلى فخر ؛ وغلب الأعداء بالقلة أكثر مما غلبهم بالكثرة ، وخذلت الاقدار كثرته ، وآزرت قلته وكان خليفا ان تملكه الكثرة ما لم تملكه بالقــــلة ، فقلةه في الحرب كان يزداد مع الأيام والمعارك خبرة ، ومجده يتسع مع النصر رقعة ، ويزداد رفعة . لكن الأقدار أوسع عقلا من عقله ، وأشمل من شموله ، وأكثر إحاطة من إحاطته . فلما حاكت من حوله شبكتها ، كان لا بد ان يضطرب فيها ، ولما أرخت نحوي في أداته لم يقطن إلي موضعه ، كان لابد أن تتفكك اداته ، ويتزعزع  بنيانه . وقد كانت الاقدار تتولي عنه السهر والإصلاح ، فلما تخلت حاول الإصلاح وحاول السهر ، خفيت عنه مواضع الخطر ، دون دلائل النذر

إن نابليون موضوع واسع ، متشعب ، خالد ، يساير الأبد ؛ تحالف الخير والشر ، وتحالفت الأمانة والقدر على هدمه فنالت منه . وتعاونت شخصيتان هما موضوعنا اليوم على إزالته فأزالاه ، الأولى لتكسب عرشا ، والثانية لتخدم وطنا . الأولى المشقي غلأ ، والثانية لتحطم غلا . الأولى عضت اليد التي أطعمتها ، والحت عليها حتى هشمتها ، والثانية سامحت اليد التي لطمتها ، وألحت عليها حتى عصمتها برنادوت مواطن نابليون ، وفون شتاين طريد نابليون

كان برنادوت رفيقا لبونابرت ؛ حارب معه ، ونافسه وتزوج من حبيبته ، واغدق عليه  بونابرت نعمه ، ورفعه الإمبراطور إلى مرتبة الأمراء ترضية لهذه الحبيبة . وكان عديلا ليوسف ملك إسبانيا بنعمة نابليون ، وشقيق الإمبراطور . رشحه ملك السويد الموالي الذي خلف الملك العادي ، وليا لعهده لقرابته هذه من نابليون ، فكان

وليا للعهد . ولم يشأ نابليون استبقاءه في بلاده ، فسر بابعاده ، اتقاء لدسائسه ، فوافق على ولايته لعهد السويد . ولو خطر له انه ينقل عش الدسائس من الداخل المضبوط إلى الخارج المتفلت ، ويجعل الدسائس بمأمن من بطشه ، لآثر بقاء الشوكة في جنبه . وبرنادوت خطر ، غامض ، ما كر ، كياد ، طموح اطمعه مركزه في عرش فرنسا ، فهو يمالي انجلتره عدوة نابليون ، ويصادق القيصر عدو نابليون ، فما إن يقترب الإمبراطور من موسكو ، ويطلب من القيصر الصلح ، حتى نكون إصبع برنادوت في رفض الصلح إلي جانب إصبع البارون فون شتاببن تحركهما إصبع القدر

أما البارون فون شتاين فرجل أودع الله صدره شعلة من نار ، هي قلب جسور ، يخطف الرأي في خاطره خطف البرق ، سريع الإدراك ، عنيف ، يكتسح كل ما يعترضه ، وبهدم كل ما يقف في طريقه . نبيل ، عريق في النسل ، صادق ، مستقيم . مستقيم في نظرته ، مستقيم في مشيئته ، يسير من الطريق المستقيم إلي غابته . عاش لبلاده بروسيا ، وأخلص لملكه المتردد ، وبذل في سبيلهما كل جهد ، دخل الوزارة البروسية مرتين ، وأقيل في المرتين ، وكانت أخراهما بتأثير نابليون الذي أطل دمه بعد خروجه ، لأنه كان في وزارة حليقه خصمه العنيد ، وفي بلاد حليفة الداعي إلي الحرية والثورة على الأجنبي . والتجأ إلي النمسا ، ثم إلي الروسيا بدعوة من القيصر اسكندر ، فلما توغل الإمبراطور في الروسيا انقسمت حاشية القيصر قسمين : فريق منهم أمه والغراندوقات ينصحون له بمصالحة نابليون ، وكانوا من قبل يشيرون عليه بمخاصمته ، وفريق منهم ضيفه اللاجئ فون شتابن يقوي ظهره ، ويمنع بدء أن تمد إلي فاتح بلاده .

وأرتد نابليون ارتداده المشهور ، ولولا شتاين وبرنادوت

ما ارتد ردة المدحور ، ولا كان المنظر المرؤ المأثور - منظر رجعة نابليون على رأس جيش كبير ، يسير في مقدمته القواد على الأقدام ، ولا يركب إلا القليل . اشباح في اعمال ، عزل ، غير ، قد تصلبت لحاهم ، وعقدت السنتهم وتقوست ظهورهم ، وتوكأ الكثيرون منهم على العكاكيز ، وضمدت أقدامهم بخرق من فراء الخراف .

كانت إصبع القدر في هذه الرجعة بارزة ، وكانت هنا  نقطة التحول ، فزال السحر الذي كبل اوربا هذا الزمن الطويل ، وطمع في الإمبراطور الصغير قبل الكبير ، وتقاطر الامراء الذين خلقهم ، والذين ولدتهم امهاتهم امراء ، يتهافت الفريقان على خصومه ، يدفعهم الحظ المتحول ، لا الرغبة في التحرر ، فقد كانوا تحت نفوذ هاسبورغ أسوأ حالا منهم تحت نفوذ نابليون ، وكانوا مطمع بروسيا والروسيا والنمسا اكثر مما كانوا صنيعة لفرنسا ، وكانوا على قول شتاين نفسه لا يستحقون المغفرة التي لقوها في معسكر الخلفاء لأنهم عاشوا للهوهم ، ومتعهم . ولم يعيشوا لأممهم لكن غراب الحظ نعق فتبعه الغربان ، لا تسأله لماذا نعق ، ولا تسأل أنفسها لماذا تبعته .

ويتعقبه الروس ويتعقبه برنادوت ، ويمر بشاعر فيسأل عن حال السيد جويته ، والسيد جويته مشغول به وعنه بشعره ينظم فيه قصيدته التى يقول فيها :

" هكذا فعلت فالبعيد العزيز تعلمت في سكون ان تملكه ، " " وما صادقت من صعاب رايت وتأملت وعرفت أن تذله ، " وطلع عليك نهار بهيج فلبيت دعوته . ودعوك للخروج فحرمت بهجته ، " " وما تزال صامدا رغم ما شعرت ورغم ما يشهر العدا من حروب ، ٢

" وما ينزل بك من خطوب من هناك وهنا : يريدون لك التهلكه

وتنقلب بروسيا ، وتقف النمسا على عتبة الانقلاب ، ثم تتقلب ، ويهزم الإمبراطور في ليبزيج. ثم تعود الحرب سجالا فتارة ينتصر ، وتارة يذر قرن الخيانة فينهزم ، ويدخل الحلفاء باريس ، ويعتصم هو مع فلول جيشه في فونقينبلو وقد انضم إلي العدو اقدم رفاقه ما رمو ، وهجره قواده إلا مارشالا واحدا ، وانفلت وزراؤه إلا وزيرا واحدا . ويتنازل عن العرش ويرغمونه على حرمان فرخ النسر ، ويستعد لمغادرة فصرفو نثينيلو إلى المنفي ، إلى جزيرة إلبا ، فهل جاء من يودعه ؟ .

بلى . ففي فناء القصر حرسه القديم ينتظمه مربع ، فهو يهبط الدرج إليه ، ويتقدم منه ويتوسطه يريد ان يخطبه :

" يا جنود حرمي القديم إني أودعكم عشرون سنة شهدكم وشهد تكم معها في طريق الشرف والمجد . فلما كانت الأيام الأخيرة كنتم فيها مثال البسالة والولاء ، كما كنتم في السراء . فأنا راحل . . فلا تنتدبوا مصيري ، ولتصحبكم تمنياتي  وداعا يا أولادي ، فكلكم وددت لو أضمكم إلي صدري ، فدعوني علي الآقل ألثم علمكم ! ليحي الإمبراطور ! .

وتنطلق به المركبة . ويقف هؤلاء الرجال الذين وخط الشيب رؤوسهم ، ينتحبون ويعولون : فقد ذهب أبوهم ! لكنه كيف كان استقبال الشعب له ، وموكبه يخترق ارض الوطن إلى المنفي ؟ " ليسقط الظالم ! " وتتزاحم النسوة الحانقات على مركبته يصرخن بها في أذنه ، تننهال الحجارة عليه . ويمر بإحدي القري فياقي مشنقة تدلت منها دمية على صورته الهزلية ملطخة بالوحل ، ملوثة بالدم ، وتحتها جوفة تردد : " اقتلوا القاتل " و بعد أشهر من هذا

اليوم يهرب من إليا ، ويزل إلى ارض الوطن فكيف كان استقبال الشعب له وهو يعود من نفس الطريق إلى باريس ؟ ! تذرت اللعنة ، وجف البصاق الذي تطاير من أفواه قذرة على وجهه ، حين ادير الخط وادار له القدر ظهره ، وهتف الناس إذ رأوه . وتصايحوا بعودته ، وجاءوا يستقبلونه ويودعونه كلما مر بقرية ، وينضمون إليه كلما مر بحامية

وينعي الخبر إلى الحلفاء فيكون شتاين أول من يطلب إهدار دم من أهدر من قبل دمه . والسن بالسن ، والعين بالعين ، والبادي أظلم . فيتحررج الإمبراطور فرانتس حمو الأمبراطور نابليون ويسأل ابنته ماري لويزه وفي ظنه انها لن توافق على إهدار دم زوجها فينتهي الأمر . وهل توافق زوجة على إهدار دم زوجها ، وهذه الزوجة على الأخص . وقد كان تفكيره يوم حزب الامر ، فيها وفي ولده منها . وبقي تفكيره فيهما إلى هذه اللحظة ، بل إلى لحظته الأخيرة ؟

حكى انه لما جاءها المخاض ، وتسر الوضع ، وتعرضت حياتها او حياة الولد للخطر ، وسئل الإمبراطور ، لم يتردد في الجواب . وليس ولده ككل ولدي فهو الوريث الذي اراد به حفظ دمه ، ودوام ملكه ، وضحي في سبيله برفيقة حياته ، والعزيزة عليه جوزفين ، ومحيطته من النمسويين ، وكانوا عليه بلاد أي بلاء . كان الغاية وأمه الواسطة . وكان قيل ميلاده شغله الشاغل ، وعاملا أساسيا في تغيير سياسته ، ومع ذلك لم يتردد في الجواب : انقذوا الأم ! أما الام ، وأما الزوجة ، فلم تتردد في إطلال دم الزوج والآب . فهل من سبب لهذا الجحود البشع ، والخيانة الدميمة ؟ عشق امرأة .

هكذا من يرفعه القدر ، يخفضه القدر ، لتتم الرحلة بالذهاب والإياب ، ويعود التراب إلى التراب .

اشترك في نشرتنا البريدية