كثيرا ما نسمع الناس يستعملون في تخويف الأطفال وإجبارهم على إتبان عمل من الأعمال يأبونه . نسمعهم يهددون بإحضار " العسكري " إن استمر الطفل في بكائه ، وباستدعاء البوليس إن أبى الطفل شرب الدواء .
وأقف عند هذه العادة الدائمة بيننا أفكر في أسباب هذا الخوف المتأصل من رجل البوليس ، فأصل إلى ثلاثة أسباب :
رجعت إلي عمل رجل البوليس وواجباته فرأيتها تتلخص في أنه حارس لأموال الشعب وحريته وحياته . وتأملت هذا الشعب فإذا أكثره فقير معدم ، ليس لديه من الأموال ما يحتاج معه إلى غيره لحمايته ، ثم هو مستعبد ذليل ، لا يملك الحرية التي يخاف عليها من الذهاب ، ثم هو ضعيف الثقة بنفسه ، يبيع نفسه وكرامته وحياته بأرخص من سعرها ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن رجل البوليس لا يحمى شيئا للشعب ، لأن الشعب لا يملك شيئا.
فإن أدى رجل البوابس دينا فإنما هو حراسة هذه الطبقة التي تتمتع بكل هذه الأشياء : الأموال والحريات والأرواح . ولما كانت ثروة البلاد من نتاج الشعب العامل الفقير ، فهي ثوة مسروقة من أصحاب الحق في الاستمتاع بها . وعلى ذلك فرجل البوليس لا يحمي في الواقع إلا طبقة من اللصوص ، سرقت أموال طبقة أخرى يعد رجل البوليس منها أولا وأخيرا . ولكنه يخون طبقته هذه لقاء لقيمات من الخبز ، ما كان أشرفه لو أنه نالها من طريق آخر .
والسبب الثاني في هذا النفور ، أن رجل البوليس يلقي دائما من رؤسائه كل غبن وإذلال . فهو يشعر بالظلم والتبرم في كل وقت ، وينوء بأحمال ثقيلة من الضغط
والاستبعاد ، وهو يتجه بأحماله التي ألقاها عليه من هو في حاجة إليهم ، ليلقيها على من هم في حاجة إليه - ولو صوريا . وهو يجد في ذلك تعويضا وراحة يفرج بهما عن همومه ، فيصب جام غضبه على الضعفاء ، وينكل بصغار النفوس الذين يقعون في قبضة يده . ومن هنا نظر إليه الشعب كعدو لحرياتهم لا كحارس لها .
والسبب الثالث هو اعتبار الشعب بأن رجل البوليس لا يمثل إلا الحكومة ، والحكومة في نظره أفراد يستنزفون دمه ويعتمدون على ما تأتي به المزارع من دخل كبير ، والشعب لا يفقد بذلك حقه من المال فحسب ، وإنما يفقد حريته أيضا ، ويعيش - بفضل رجل البوليس - في ظل قوانين لا يفقه أكثرها ويغضب عليها .
وقد أفكر في علاج لهذه الحال فأجد أن أساسها قوي يصعب علينا هدمه . فإذا أردنا أن نعالج غنى الشعب عن رجل البوليس في حمايته ، رأينا أن سبب ذلك هو أن الشعب لا يملك ما يطلب حمايته . وإذا بنا نطلب منح الشعب حقوقه .
وإذا أردنا أن نعالج ما يعامل به رجل البوليس الشعب من عنف وتنكيل ، رأينا ان سبب ذلك ما يلاقيه هو من غبن وإذلال من رؤسائه . وإذا بنا نطالب بالعدل والديمقراطية .
وإذا أردنا أن نعالج نظرة الشعب إلي الحكومة ، رأينا أنفسنا نجرى وراء معالجة الحكومة . وكثيرا ما يسأم الإنسان الحديث في الفساد الأكبر ، ويسأم الغضب الشديد ، فيجري وراء الفساد الأصغر ، والسخط الوادع المستكين .

