الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 641الرجوع إلى "الثقافة"

رجل البوليس، وكيف يراه الشعب

Share

كثيرا ما نسمع الناس يستعملون في تخويف الأطفال وإجبارهم على إتبان عمل من الأعمال يأبونه . نسمعهم يهددون بإحضار " العسكري " إن استمر الطفل في بكائه ، وباستدعاء البوليس إن أبى الطفل شرب الدواء .

وأقف عند هذه العادة الدائمة بيننا أفكر في أسباب هذا الخوف المتأصل من رجل البوليس ، فأصل إلى ثلاثة أسباب :

رجعت إلي عمل رجل البوليس وواجباته فرأيتها تتلخص في أنه حارس لأموال الشعب وحريته وحياته . وتأملت هذا الشعب فإذا أكثره فقير معدم ، ليس لديه من الأموال ما يحتاج معه إلى غيره لحمايته ، ثم هو مستعبد ذليل ، لا يملك الحرية التي يخاف عليها من الذهاب ، ثم هو ضعيف الثقة بنفسه ، يبيع نفسه وكرامته وحياته بأرخص من سعرها ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن رجل البوليس لا يحمى شيئا للشعب ، لأن الشعب لا يملك شيئا.

فإن أدى رجل البوابس دينا فإنما هو حراسة هذه الطبقة التي تتمتع بكل هذه الأشياء : الأموال والحريات والأرواح . ولما كانت ثروة البلاد من نتاج الشعب العامل الفقير ، فهي ثوة مسروقة من أصحاب الحق في الاستمتاع بها . وعلى ذلك فرجل البوليس لا يحمي في الواقع إلا طبقة من اللصوص ، سرقت أموال طبقة أخرى يعد رجل البوليس منها أولا وأخيرا . ولكنه يخون طبقته هذه لقاء لقيمات من الخبز ، ما كان أشرفه لو أنه نالها من طريق آخر .

والسبب الثاني في هذا النفور ، أن رجل البوليس يلقي دائما من رؤسائه كل غبن وإذلال . فهو يشعر بالظلم والتبرم في كل وقت ، وينوء بأحمال ثقيلة من الضغط

والاستبعاد ، وهو يتجه بأحماله التي ألقاها عليه من هو في حاجة إليهم ، ليلقيها على من هم في حاجة إليه - ولو صوريا . وهو يجد في ذلك تعويضا وراحة يفرج بهما عن همومه ، فيصب جام غضبه على الضعفاء ، وينكل بصغار النفوس الذين يقعون في قبضة يده . ومن هنا نظر إليه الشعب كعدو لحرياتهم لا كحارس لها .

والسبب الثالث هو اعتبار الشعب بأن رجل البوليس لا يمثل إلا الحكومة ، والحكومة في نظره أفراد يستنزفون دمه ويعتمدون على ما تأتي به المزارع من دخل كبير ، والشعب لا يفقد بذلك حقه من المال فحسب ، وإنما يفقد حريته أيضا ، ويعيش - بفضل رجل البوليس - في ظل قوانين لا يفقه أكثرها ويغضب عليها .

وقد أفكر في علاج لهذه الحال فأجد أن أساسها قوي يصعب علينا هدمه . فإذا أردنا أن نعالج غنى الشعب عن رجل البوليس في حمايته ، رأينا أن سبب ذلك هو أن الشعب لا يملك ما يطلب حمايته . وإذا بنا نطلب منح الشعب حقوقه .

وإذا أردنا أن نعالج ما يعامل به رجل البوليس الشعب من عنف وتنكيل ، رأينا ان سبب ذلك ما يلاقيه هو من غبن وإذلال من رؤسائه . وإذا بنا نطالب بالعدل والديمقراطية .

وإذا أردنا أن نعالج نظرة الشعب إلي الحكومة ، رأينا أنفسنا نجرى وراء معالجة الحكومة . وكثيرا ما يسأم الإنسان الحديث في الفساد الأكبر ، ويسأم الغضب الشديد ، فيجري وراء الفساد الأصغر ، والسخط الوادع المستكين .

اشترك في نشرتنا البريدية