الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الثقافة"

رجل رهيب !, قصة مصرية .

Share

مضى صديقي فريد يقص علي من ذكرياته البعيدة قال : ناداني عمي صباح يوم من الأيام ، وكان قد انتهي من تناول فطوره ، فتربع على متكئه المريح وسط وسائده ، وجعل يدخن ويحتسي القهوة ، فلما مثلت أمامه اجلسنى بجواره وقال :

- اسمع يا فريد ، لقد كبرت سني كما تعلم ، ووهنت قواي ، فلم أعد استطيع الإشراف على شؤون الضيعة ، فهل لك في أن تأخذ مكاني ، فتعينني علي ان استريح ...؟ إنني عميد الأسرة ، وانت فتاها الوحيد فيها . فأردت أن أتكلم فاستأنف قوله مقاطعا : - لن تخسر وظيفتك في الوزارة ، حسبى منك الخميس والجمعة من كل أسبوع نقضيهما في الريف .

بعد أيام من هذا الحديث أخذت مكان عمي في " الدائرة " وبدأت في تدبير اعمال الضبعة بنشاط وحماس متتبعا في ذلك الأنظمة الأساسية التي سنها عمي لتكون دستورا للعمل

وقدموا إلي يوما كشف المرتبات الخاص بموظفي الضيعة ، فقراه الكاتب أمامي اسما اسما فكنت استوضحه عن كل شخص ، فيزودني عنه بمعلومات مفيدة ، حتى وصل إلي اسم " الشيخ حميدة الباز " فعلت له ابتسامة مريبة ، فقلت : ماذا ؟ - لا شئ . - ما صناعة الشيخ حميدة الباز ؟ - أحد خفراء الضيعة . فعاد يبتسم ابتسامته المريبة ، فأمررت يدي علي جبهتي

وانطلقت استجمع بعض حوادث نأي بها الزمن وانا اتمتم : - الشيخ حميدة الباز ، الشيخ حميدة الباز .... ! ثم رفعت رأسي وحدقت في وجه الكاتب وقلت : - أليس هو ذلك الشرير الكبير ، صاحب الجرائم المعروفة ؟

هو بعينه . وتعينونه خفيرا ، وتسكنونه " العزية " وتمنحونه مرتبا شهريا . .!؟ - هذا هو الواقع بإسيدي . ومتي ألحقتموه بهذه الوظيفة ؟ - منذ عشرة أعوام . . نهضت من فوري إلي عمي ، فإذا هو على متكئه الوثير ملتف بعباءته الفضفاضة الحمراء ، على رأسه " طاقية " بيضاء من الصوف مزدكشة الحافة ، وكان مشغولا بسعوطه ينشقه ، فلما رأي أنى مقبلا عليه قال وقد بسط منديله المحلاوي الكبير : خيرا إن شاء الله ! - كله خير يا عمي ، لقد جئت أسألك عن الشيخ حميدة الباز ....!

فأخذ بطرف منديله ، وراح يمسح عينيه وانفه وقال : - شيخ ملسر الناحية ؟ - هو بنفسه ! - أترغب أن تزيد في راتبه ؟ - بل العكس ؛ إني أفكر في طرده !! فابتسم ابتسامة لا تخلو من تزمت ، ثم عطس عطسة حفيقة وقال : - أتريد أن تغتهب المزرعة ؟

- وأين إذا حراس الأمن ؟ إن هذا يشجع الأشرار على فرض ما يشاءون من إناوات علي اصحاب المزارع . فأخرج مسبحته وراح يداعب حباتها وقتا وهو صامت ثم قال : أفعل ما تراه صوابا

ثم حدق في بعين ذات بريق خاطف وقال : لتعلم قبل كل شئ أنك مسئول عن كل خسارة تلحق بضعتنا . وتركت عمي تلتنازعى شي الدوافع . وفي الماء عندما التقيت به على مائدة العشاء ، قال لي وهو يشرب حساءه : - هيه يا فريد ، ماذا فعلت بصاحبك الشيخ حميدة الباز ؟ - تركته كما هو يسرح في الضيعة كما يشاء ، ويأخذ الإثارة من خزائنا حسنا فعلت .

ومسح عمي شاربة الأشيب ، وقد بللته قطرات الحساء وقال : اتذكر حادثة السطو الشهورة التي وقعت في البلدة المجاورة لضيعتنا ؛ كفر عتيق ، وقتل فيها أحد خفراء الحكومة ؟ أذكر شيئا منها

- كنت في التاسعة من عمرك ، وقد صحبتني وقتئذ إلي الضيعة لنقضي إجازة العيد ... كانت ليلة ليلاء يزار هواؤها البارد ولا يني ، وكنت نائما في فراشك ، فأفزعك إطلاق الرصاص ، فهرولت إلي بقميص النوم تسألني ما الخبر ، وتحتمي في عباءتي .

- لقد كانت جلبة الرجال وصراخ النساء العالي يدويان مع الريح دويا مرعبا .... - وخرجنا إلي الدوار ، ومرجان العبد ينير الطريق أمامنا بمصباحه المغير ، فوجدنا الناظر والخفراء وبقية الموظفين مجتمعين يتشاورون ، والفزع مرتسم على وجوههم . لقد فوجئوا بأن القاتل من رجال الضيعة وتناول عمي بين طرفي إصبعيه قليلا من علبة النشوق ، وراح ينشقه في استمرار ، ومال برأسه على ظهر المنبكأ ،

وأسبل جفنيه ، ثم استأنف حديثه قائلا : - وقد طوق الآمور العزبة وفتش مبانيها وقبض على نفر من سكانها .

- وهل كان القاتل منهم ؟ - لم تثبت التهمة على أحد ، وإن كان الناس جميعا يؤكدون أن بطل الحادثة هو الشيخ حميدة الباز ! وسكت عمي وقد بدأت تغشاء موجة من الخمول . وقمت إلي حجرتي ، وانطلقت أفكر في امر هذه الحادثة ، وما تلاها من حوادث على شاكلتها ، كنت أسمعها من أفواه رجال الضيعة ، عندما أقصد إليها ، أيام طفولتي مع عمي - كانوا يروون هذه المغامرات عن الشيخ حميدة الباز على أنها قصص للمسامرة ، فأستمع إليها في شغف ممزوج بتخوف ، وأقضي ليلتى قلق المضجع ، تتراءي لي الخيالات المروعة ، ومن بينها شبح هذا اللص العريق في الإجرام ، وهو يقتحم الحجرة شاهرا في وجهي بلطئه الحادة الملوثة بالدماء . وقد كان في وسعي أن أشهده ، ولكني لم أفعل ، بل كنت أتوخى دائما أن أتجنب رؤيته . وظللت أسمع عنه سنة بعد سنة ، ثم شغلتني الدراسة عن زيارة الضيعة ، وتغيبت بعد ذلك أعواما في أوربا فتطايرت من رأسي اخبار هذا المجرم ، حتى كدت أنساه كل النسيان .

وانقضي شهر على حديث عمى ، وسافرت إلي الضيعة لتفقد احوالها ، وكانت أول زيارة لي منذ ان توليت إدارتها .

وصلت إلي الضيعة فلم أجد تم ثمة تغييرا يذكر ؛ فالدار القديمة ذات الطبقة الواحدة كما هي ، والمتنزه الصغير ذو الشجيرات الهزيلة ما يزال أمامها ، ومرجان العبد واقف بالباب يستقبلنا بوجهه اللامع الباش . وبعد أن نلت قسطي من الراحة ، خرجت إلي " الدوار " فما إن شاهدت الناظر حتي بادرته بقولي : - والشيخ حميدة الباز . . كيف حاله ؟ - بخير !

- ألك أن تستدعيه إلي ؟ وبعث الناظر رسولا ليأتي بالشيخ ، وجلست على المصطبة ، ذات الكليم " الصوف الأحمر الفاقع . وبدأت اشرب القهوة ، وانا اصور في مخيلتي شكل الشيخ حميدة الباز كما اتوهمه : رجل بسيط القامة قوي العضل ، ذو وجه متجهم ومشية ثقيلة ، ينثر الفزع حوله حيث تلفت . وظهر الرسول وخلفه شخص فميء اعجف غائر الأشداق يجر نفسه جرا ، دنا مني ، وانحني على يدي يريد أن يقبلها وتمتم يقول : خدامك الشيخ حميدة الباز ؟ وجلس الرجل على الأرض ، وأخذ يسعل سعالا كريها يتزلزل منه جسمانه ، فتحسبه يتناثر قطعا ، وبعد ان استعاد قوته قلت له :

كيف حالك يا شيخ حميدة ؟ - معدن يا سيدنا البيه ، ما دمنا في خير سعادتك ورحت النظر إلي هذا الهيكل المزعزع ، ذلك البناء المحطم ، اتفحصه في عجب ، وأمرت له بقهوة ، ونأولته سيجارة ، فأخذها شاكرا ولكنه لم يشعلها ، بل اخرج علبة تبغ ووضعها فيها بعناية ، واخذ يلف سيجارة من دخانه ، فقلت له : لعلك لا تستلذ غير تبغك ) ؟ . فبتسم ابتسامة وديعة وقال : إني احتفظ باللفافة لأمي . فناولته أخري وقلت له : هذه لك على شرط أن تدخنها . فأشعلها وجعل يدخنها ويحتسي معها القهوة في سرور وقلت له : كيف حال الأمن في منطقتنا ؟

فرفع رأسه وحدق في بعينين كأنهما جذونا نار تتوهجان تحت الرماد ، وقال في لهجة حازمة ؛ وهل تظن أن أحدا من الأشرار تحدثه نفسه بشيء ما دمت حيا ؟ . فأردت ان ابتسم هازئا ، فحالتني شفتاي ، وشعرت بكلمات الرجل تمرق كالنصال الحادة إلي شفاف قلبي . وانطلق بعد ذلك الشيخ حميدة الباز بتكلم ، فأخذ يروي لي عن أسرته ونسبه العريق الذي ينتهي إلي قبيلة من " قيس " فقلت :

- أعرب أنت ؟ لقد جاء جدى الأكبر محاربا مع الغزاة الفاتحين . - ما شاء الله - وقد استقرت قبيلتنا بعد ذلك في مديرية الشرقية وكنا دائما ممن يعتمد علينا في الفتح وإخماد الثورات ، إن التاريخ ليتغني بما ثرنا ويروى وقائعنا ، وبذكر مجد الفتيان والكهول منا . وكانت الدواب قد اسرجت ، واعدت للركوب ، فقلت للشيخ حميدة :

ستتناول معي طعام الغداء ... السلام عليكم فرفع يديه إلي رأسه يرد السلام وتناول معي الشيخ حميدة الباز الغداء ، فقضيت معه وقتا من اطيب الأوقات ؛ إذ كان يقص على في جلسة الطعام طريف النوادر والقصص ، فوجدت فيه محدثا انيسا ذاق اللسان . وقد حدثني فيما حدث عن حبه لامه وعطفه في ربيته التي تبناها بعد موت زوجته ، ولم يعش له من أولادها احد . فكان لهذه الريبة من نفسه معزة الابنة الحقة يتعهدها ببره ، ويحنو عليها حنو الأب الشفيق

وعدت بقطار المساء إلي القاهرة ، ودخلت على عمي ، فوجدته كعادته على المتكأ الوثير ، وبجانبه علبه نشوقه القضية ، فقلت له من فوري : - لقد رأيت الرجل وجلست معه . - أي رجل ؟ - صاحبنا شيخ المفسر ؟ فابتسم عمي وقال :  - ما أعظم شجاعتك ؟ . - إنني عندما أتصور أننا نعطي هذا الرجل الذاتى مرتبا شهريا نظير اشرافه على حفظ الأمن ، وهو غير قادر على دفع ذبابة عن وجهه ؛ لا اتمالك من الإغراق في الضحك .......

فقال عمي وقد بدا عليه بعض العبوس : إذا لم لا تقطع الرتب ؟ . كلا ، إني لا تبرع به رحمة بهذا البائس الضعيف

وفي المرة التالية عندما سافرت إلي الضيعة ، سألت عن الشيخ حميدة ، فأخبروني بأنه ذهب إلي كفر الطبال للاحتفال بزواج ربيبتة ، وعلمت من مرجان العبد أنه أنفق في جهازها وفي عرسها ما لا يستطيعه إلا الأثرياء ، وأضاف مرجان إلي ذلك قوله : - لقد كنا نسأله : ولم كل هذا يأشيخ حميدة ؟ فكان يجيبنا في بداهة : - أليست هي وحيدتى ، قرة عيني وبهجة قلبي ، فإذا لم أفرح بها فبمن أفرح ياترى؟ - وهل رأيت ربيبته ؟ . - نعم . إنها لا تساوي في نظري قرشا واحدا . كيف ؟ . - إنها كالجرذ الأجرب ، قصيرة نحيلة ذات وجه ينفر من بشاعته الشيطان ، وهي مطبوعة على الشر ، تتجسم اللصوصية في عينيها . - وممن تزوجت ؟ . - اختار لها والدها رجلا من أعوانه الأصفياء . . ومن يرضي أن يتزوجها غير هذا الصنف من عباد الله الضالين ؟ :

وتلاحقت زيارتي للضيعة ، وتوقفت بيبي وبين الشيخ حميدة روابط الألفة ، فكثيرا ما دعوته لتناول الغداء معي ، وكنت أعني بتقديم الشاي له لما اعلمه من غرامه الشديد به ، وكثيرا ما قضينا السهرة معا إلي ساعة متأخرة من الليل ، وأمامى المدفأة وإبريق الشاي ، استمع للشيخ حميدة ، وهو يروي لي مختلف التوادر والحكايات ، أو ينشد المواويل الريفية الجميلة ، أو ينطق ساروا لي العجب المطرب من

الأمثال العلمية ، وقد تتور به تعرفه العربية فإذا بلسانه يتعثر ببعض ابيات يحفظها ملحونة من الشعر العربي في لهجة مبتدلة مضحكة . . ولم يكن يتعرض في أحاديثه لذكر وقائمة التي اشتهر بها ، بل كان بنو في أن يشير إليها ، ولكنه طالما تغني لي بأصله العربي العريق - كما يدعي . ويمجد قبيلته القيسية . وكان دائما بقول وهو يقرع صدره بقبضة بدء:

- نحن من أشراف العرب ومن سرائها الأصائل وإذا تحدث عن امه أوريبته رق صوته ، وعلا البشر وجهه ، وأفاض عليهما من تحتائه ما شاء أن يفيض .

وتوالت الأيام . وحان ميعاد التحصيل فقصدت إلي الضيعة اراقب العمل بنفسي ، وكنا في اواخر الربيع ، وقد بدأ الفلاحون يحصدون القمح ، واخذت الأجران تمتلئ . بعيدانه الذهبية ذات السنابل الممثلة . وجاءفى الناطر بمائتى جنيه في كيسين من النسيح . وكان الوقت ظهرا ، فوضعت النقود في خزانه بحجرة نومى واستوقفت من إغلاقها بالمفتاح ، وكنت مزمعا الرحيل في اليوم التالي . وبعد العشاء قضيت فترة من الليل أسامر الصحف والمجلات ، ولو كان الشيخ حميدة الباز موجودا في هذا اليوم بالضيعة ، لاستغنيت عن مسامرة هذه الصحف النفسة بالإضاليل ، وقد سألت مرجان العبد عنه ، فقال وقد اعتزت شفتاء المهدتنان وتشجت زاوينا فيه ؛ لقد ذهب إلي كفر الطويل ، في إحدي مغامراته . . ربنا ما يرجعه ؟ . فقلت وانا أتضاحك :

- ما هذا التخريف يا مرجان ؟ إن الرجل قد ودع هذه الشقاوات من زمن طويل! - أقسم لك ياسيدي أنه لن يكف عنها حتى بعد مماته . - وهل له من عزم وقوة يمكنانه من القيام بمثل هذه المغامرات الآن ؟ . - إن مثل هؤلاء الأشرار يستعدون قوتهم من الشيطان . .

وكان الوقت قد قارب منتصف الليل ، فقلت لمرجان وأنا على أهبة الذهاب إلي حجرة النوم : - وكيف حال ربيبته : أهي ناعمة البال مع زوجها ؟ - يقولون إنها مرتاحة جدا . إنها بالعزبة الآن تقضي أياما مع أمه . - أتقدم في ضيافته فيتركها وينصرف إلي مغامراته كما تدعي ؟ .

- لا تنس يا سيدي اننا في موسم التحصيل . . . ! وصرفت مرجان ، وقصدت إلي حجرة نومى ، واتجهت إلي الخزانة لأخذمنها شيئا ، ولشد ما دهشت حين وجدت بانها مفتوحا ، فامتدت يدي علي الفور إلي حيث وضعت  صر فى النقود  فلم أجدها فقلت ما تحويه الجزنة رأسا على عقب باحثا منقبا ، فكان مجهودا ضائعا . فصرخت انادي مرجان ، وأعلمته بالخبر ، فقال وقد غارت تجاعيده وازدادت شفتاء مهدلا : - أأنت متأكد يا سيدي أنك وضعت الصرتين في الخزانة ؟ - وابن أضعهما يا غبي ، أيوجد في الحجرة مكان آمن منه ؟

اقسم لك يا سيدي انني لم إفارق المنزل . - إنك تحسن النوم تاركا لعابك يتساقط على الأرض بدون أن تشعر . . لا بد أنهم غافلوك وأنت نائم فسرقوا النقود . .!

وأخذ مرجان العبد يلطم خده ويقرصه ، وخرج مهرولا يستدعي الناظر ، وجعلت افكر مغالطا نفس ، مخادعا يقيني : أأكون قد أخفيت الصرتين في مكان آخر ؟ وقلبت فراش السرير ، وبحثت تحت المقاعد وفي الأركان ، ولم أعف أي شيء ، حتى خزانة المأكولات ، من تفتيشي ، ولكن ذهب كل ذلك بلا جدوي . وسمعت لغطا شديدا بالباب ، فخرجت فوجدت الناظر بملابس النوم وهو محاط بموظفي الضيعة والخفراء ،

فقلت : لقد وقعت السرقة ، هذا امر واضح ، فيجب أن تعمل على ضبط الجناة في أقرب وقت . أخشى أن يتمكنوا من الهرب . وأصدر الناظر امره بتطويق العزية ، فلا يؤذن لأحد في ان يجرح مكانه ، وذهبت وإلياء إلي حجرة الجلوس للمشاورة فقال لي : - سألحا قبل إعلام المركز وفتح التحقيق الرسمي ، إلي طريقة ريفية قديمة ، كثيرا ما يجحت في مثل هذه الحالة .

- ما هي ؟ - سأنصح لأهل الضيعة بأن يراجعوا أنفسهم ، بعيدوا الصرتين بالحسب مهددا إهم بأقصي العقوبات إذا أصروا علي إخفاء النقود . أما طريقة رد المبلع دون ان يعرف السارق ، وهي ان يخرج من كل بيت شخص تحمل قفة مملوءة بالغراب ، يذهب بها منفردا إلي مكان معلوم في الحرن ، فيفرغها فيه ، فالسارق يستطيع ان يدس لصرتين في القفة الملومة بالتراب ، ويذهب مها إلى الخزن فيفرغ محتوبانها في ذلك المكان بعيدا عن الانظار ، فإذا ثم العمل وافرغ كل مندوب فقته ذهبنا إلى كومة الغراب فبحثنا فيها حسنا ، فلنبدأ !

خرجنا إلي العزبة في ضوء المشاعل ، وكانت السماء صافية تلتمع نجومها كانها عيون حادة يقظة ، ويهب النسيم الرطب على الوجوه فيكسب النفس القلقة الحيري شيئا من الظما نيته والرضا ، وكانت العزبة قد استيقظت بأسرها ، وعلت همهمة غامضة في جوها . كل أسرة أمام دارها تتساءل في وجل عن حادث الليلة ؛ النساء جالسات القرفصاء مع اطفالهن ، ملفوفات في ثيابهن السود ، يتراقص عليهن ضوء المشاعل فيحيلهن من ادميات إلي أشباح ، والرجال منتحون جانبا ، جماعات جماعات ، يتهامسون في وجوم .

وخرجت اسراب الدجاج من الدور تتلفت في مشبتها العربية ، تتساءل متعجبة عن سر هذه اليقظة المبكرة ، فلما تبين لها أن الأمر لا يعنيها انطلقت تنقنف وتفيش الأرض بمنافيرها ومخبها . ورددت السطوح صياح بعض الديكة ، وقد ظنت أن النوم عليها فتأخرت عن محية السحر وظهرت شراذم الكلاب الهزيلة بأذنها المدلاء تنقل نظرها الخائف البليد بيننا .

ومر الناظر على أهل الصيعة يبسط لهم ما اعتزم فعله ، وهو يهدد مرة ويتحايل أخري حتي أتم جولته ، فعاد إلينا ينتظر ، واختفت النسوة ورجالهن في الدور ، وتولي شيخ الخفراء الإشراف علي العمل ، فقصد إلي الباب الأول وقرعه . وبعد حين خرجت منه امرأة مسنة تحمل قفتها على رأسها ، وذهبت إلي الجرن منفردة ثم عادت والقفة فارغة في يدها . وانتقل شيخ الخفراء إلي البيت الثاني ثم الثالث والرابع . . وهلم جرا ، حتي أتي إلي البيت الأخير ، فخرجت منه صبية ضئيلة الجسم ، وعلى رأسها قفتها ، واتجهت صوب الجرن كالأخريات ، ومال على مرجان العبد قائلا : - أتعرف هذه كلا : - إنها " زهر الورد "ربيبة الشيخ حميدة . وعادت بعد قليل " زهر الورد " بالقفة فارغة . وأعلمنا شيخ الخفر إنتهاء العملية ؟ فقمنا إلي الجرن . وأكب الناظر علي الكومة يقلب عاليها سافلها ، وسافلها عاليها ، وهو ينثر التراب فاحدما مدققا ، فلم يجد شيئا ، فاحتقنت عيناه واهتز شاربه الغليظ المعفر وردد في لهجة قاسية : سيرون ، سيرون

صرح بقول لمرجان العبد : على بالغلقة يا ولد ! ! ورأيت مرجان يهرول نحو الدوار  لبعد الغلفة للمتهمين ، وكان كلما خطا بضع خطوات عثرت قدمه فاسكنا على وجهة ...

وعدنا إلي الدوار وبدا الناظر في " التحقيق " فاضح لنا أن السارق غلام أو نحو غلام ، رأوا شبحه يروح ويجيء على سطح البيت الملاصق للعزبة ( حيث وقعت السرقة ) . فالراجح ان هذا الغلام تسلق الجدار ، ودخل البيت من إحدي نوافذه ، أو من باب الشرفة القبلي ، ثم خرج دون ان بلفت إليه الانظار . ولم يعزه الخفراء اهتمامهم ، فقد ظنوه بطلب شيئا من الخطب الملقى علي السطح ، وكثيرا ما يقع مثل ذلك ، فتتمم الناظر : إني أحصر شبهى في المتوفى عطا الله . . إن له قامة الغلمان وحفة حركتهم ، وفوق ذلك فماضيه غير مشرف . ثم صرح : علي بالمنوفي عطا الله . . وصرخ شيخ الخفر من بعده

ثم سمعت مرجان يصيح قدر ماتسمح له قويه وشجاعته في هذا الوقت : المنوفى عطا الله حالا . . وانتقلت الجملة علي ألسنة المنادين واحدا بعد واحد - وهم واقفون لم يتركوا أمكنتهم- حتى وصلت إلي منزل التهم فاستقرت فيه . وبعد قليل ظهر المنوفى عطا الله ، فإذا هو قزم معروف تحيف في هيئة القلعان . بتم وجهة الكاسف الضطرب عن شئ من الدعة . تقدم منا وشفتاه ترددان في خلط وتسرع : مظلوم والله بإجناب الناظر . مظلوم قلت على الناظر وقلت جامسا : - إن مظهره لا يدل على شر !

لا تغرنك الظواهر يا سيدى . . إن هؤلاء الفلاحين يسترون خلف مظاهر الدعة والسكينة قلوبا ملؤها الخبث والمكر . ثم التفت إلي " المنوفى عطا الله " وقال : اعترف بالحقيقة وأحضر المبلغ وإلا شويت قدميك شيا ! فأخذ الرجل يستعطف في ذلة ويؤكد لنا براءته مؤيدة ببراهين واضحة ، فقال الناظر :

- قلت لك اعترف بالحقيقة ، واحضر المبلغ وسمعت مرجان العبد يقول وهو يعد الفلقة باهتمام : - قر يا أبن الناس بالحقيقة ، أحسن لك ! ولكن " المنوفى عطا الله " ظل يستعطف ويؤكد لنا براءته ، فنفد صبر الناظر وصاح : إطرحوه أرضا وهم الخفراء ان يمسكوا به ، فإذا بصوت من الباب يقول : صبرا يا أولادي صبرا .

فالتفتنا نحو مصدر الصوت فإذا بالشيخ حميدة الباز مقبل علينا ، بتحامل علي عكازه وسلم علينا وهو يقول : - لقد أثبت في الوقت المناسب ونظر إلي قائلا : قلب المؤمن دليله باسيدنا البيه ، أقسم لك أن هاجسآ كان يهجس لى أنا يكفر الطويل. يقول :قم إلى عزبة "شندويل"إن أمرآ قد وقع هناك . فلم أتوان ، وجئت على عجل ، وما كادت قدعي نطأ العربة حتى علمت بالخير . . فقال له الناظر : وماذا تنوي أن تفعله ؟ . فابتسم الشيخ حميدة ابتسامة سائحة ، ثم رأيته وقد صلب عوده ، وتوهجت عيناء توهج المشعل ، وقال في صوت عاصف : - سيمود إليكم المبلغ . - ولكن...... قلت لك سيعود إليكم المبلغ بإحضرة الناظر . .

أهذا هو صوت الشيخ حميدة الباز ، الفائى المتآكل النبرات كاد يختلط علي الأمر فأحسب أن المتكلم شخص آخر ، وغمر الدوار صمت شامل فسكن اللغط ، وهدأت الجلية ، كأن قوة سحرية غير منظورة قد سيطرت على المكان ، وشخصت الابصار كلها إلي الشيخ حميدة كانها انجذبت إليه بمغناطيس ، وقال الشيخ للمنوفى عطا الله : - إذهب إلي دارك ! فخرج الرجل مذعنا للأمر

والتقت الشيخ للناظر وقال : - سآمر النسوة أن تخرج كل واحدة يقفها إلي الجرن ، ستعيد العملية مرة أخرى ، هلم وقصدنا ثانيا إلي العزبة ، ومر الشيخ حميدة علي الدور يعلن للسكان ما قر العزم عليه ، ولم يستثن داره . وكان يسير في خفة غريبة ونشاط عجيب ، وصوته يزمجر زمجرة الأسد الغضوب .

وبدأت النسوة تخرج عودا علي بدء ، والشيخ حميدة وأقف بباب العزبة يرمقهن بنظراته الفاحصة ، فكانها السهام الحادة تنفذ إلي شغاف قلوبهن . وجاء دور " زهر الورد " ربيبته ، خرجت بقفتها ، ومرت امامه ، وهو يرمقها بنظراته كما فعل بالأخريات ، فإذا بالفتاه تترنح في مشيتها حتي كادت تهوي علي الأرض ، ولكنها استجمعت شجاعتها واستوت ثانيا وتابعت سيرها ، اعثرت قدماها في شيء بالطريق ؟ أم ! ورايت وجه الشيخ حميدة علي ضوء المشعل ، وقد تقلصت عضلاته وتغير لونه ، ثم وجدته يضرب الأرض بعكازه وانطلق في تفكير عميق مضطرب . وعادت "زهر الورد " بالقفة فارغة ، واشار لنا الشيخ حميدة " بالذهاب إلي الجرن فذهبنا ، وما كاد الناظر يدس يده في كومة التراب حتي صاح بملء فيه : لقد ردوا المبلغ ردوا المبلغ

واخرج الكيسين وهرع بهما إلي ، وسمعت الشيخ حميدة بقول بصوت أجش ، وقد علا وجههه التجهم - ليسمح سيدي البيه بأن بعد نقوده وعددت النقود فوجدتها كاملة ، فهززت يد الشيخ حميدة شاكرا . وامتلا جو الضبعة بزغاريد النسوة ، وتعالت أصوات الحمد والشكر لله . وعدت إلي البيت وكاني وسط مظاهرة صاخبة . ولما خلوت بمرجان العبد قلت له : ما رأيك فيما حصل ؟

تمسح لغايه وأجاب وهو مقطب الحبين رزانة وجدا : - ألم أقل لك ياسيدى إنه على اتصال دائم بالشياطين ؟ وفي الصباح الباكر ، ولم أكن قد استوفيت قسطي من النوم ، سمعت قرعا شديدا علي الباب ، فقمت فزعا لأعلم ما الخبر ، فقابلني الناظر وجه مكفهر وعين زائفتين وهو يقول :

- لقد وقعت جريمة فظيعة في العزبة أية جريمة ؟ - وجدت" زهر الورد " مذبوحة ذبح الشاة ؟ ربيبة الشيخ حميدة ؟ ! - هي بعينها - والقاتل ؟؟

- غير معروف ؛ فقد حاولنا أن نستجوب أم الشيخ حميدة فوجدنا لسانها معقودا وقد أصيبت بخبل . - والشيخ حميدة ، أين هو ؟ - في كفر الطويل ، عاد إليه قبل الفجر ، وقد علمت الساعة ان سرقة جسيمة وقعت في الكفر المذكور ، وان الشيخ حميدة متهم بها . ونظرت إلي مرجان ، فإذا بشفتيه المهدلتين وترتجفان فيسمع لهما قرقرة كصوت الجمل وهو يرغي ويزيد .

وقصدت إلي المتكأ وجلست عليه ، وبدأت المشاهد المختلفة تتراءي أمام ناظرى ، وكان أشدها وضوحا وتكرارا صورة " زهر الورد " بقامتها القصيرة الهزيلة التي تشبه قامة الغلمان وهي خارجة بقفتها إلي الجرن ، وكيف ترنحت وكادت تهوي على الأرض امام نظرات ابيها المستكشفة . ثم ما بدا على الرجل من تجهم وحيرة بعدئذ ، ثم صورتها وقد تخيلتها ذبيحة يشخب دمها ، وهي مسجاة أمام العجوز المخبولة

اشترك في نشرتنا البريدية