الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274الرجوع إلى "الثقافة"

رجل وامرأة

Share

من أخطر المواضيع على كاتب ، موضوع المرأة ، فالذي يتلمسه إنما يتلمس إيقاظ شر كذاك الذي يستيقظ في بعض تلك الأحياء الجميلة الرقطاء ، الناعمة الملساء التي تنام الشتاء وتصحو في الصيف . والخير ، إن كان لا بد لكاتب ان يتلمس هذا الإيقاظ ، ان يتلمسه بعصا طويلة ، يمتد طولها السخي على منطقة حرام واسعة تؤمن ظهر الهارب إما قضت الحكمة أن يكون المخلص هربا

وقد طلبت تلك العصا في بطون الكتب ، فوجدتها عند رجل قديم أرجو أن يكون انطوي في تضاعيف الأيام فصار بمنجي من عنت الاقلام .

قال صاحبي دفين الأوراق في المرأة : إن الله قصد ، أول ما قصد ، إلى خلق الرجل . فلما خلقه فأحسن خلقه ، فكر من بعد ذلك في خلق المرأة

قلت : إن الفنان من البشر إذا خلق فأحسن ،

ثم عاد يخلق من جديد ، زاد فوق إحسانه إحسانا .

قال صاحبي : علي شرط أن لا ينال التعب من يده قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن الرجل ، في المتوسط من صفات الرجال ، ينظر إلي سائر من حوله من الرجال فيجدهم سواسية ، إلا في القليل اليسير . فهو من أجل هذا يعاملهم على الأغلب معاملة الانداد .

قلت : وأما المرأة ؟ قال : أما المرأة فتشكل من لسانها ، طولا وقصرا ، وانبساطا والتواء ، وتمج فيه من حلاوة ومرارة ، على درجات شتى تختلف باختلاف من تلقى من النساء .

قلت : فإن لقي الرجل المرأة ، أو المرأة رجلا ؟ قال : يكون الرجل أعلى لسانا . . إلى حين قلت : فإذا انقضى هذا الحين ؟ قال : تنتقل العسولة إلي لسانها . قلت : والرجل يحب العسل الكثير ؟ قال : إنه يحب القليل الدائم على الكثير المتقطع .

ولكن المرأة تحبه كثيرا دائما . وهي اكثر حساسية للمرارة منها للحلاوة . واكره ما تكرهه مرارة النقد ، لا سيما علي مسمع من نساء .

قلت : إن النقد يكرهه الرجال . قال : ولكن الرجال تجلس مجالسها ، فينتقد بعضهم بعضا ، فلا يختلف شكل الحجرة ولا موضع الأثاث منها قبل النقد وبعده . ويجلس النساء المجالس ، فينتقد بعضهن بعضا ، فكانما أطلقت في الحجرة زنابير من أعشاشها .

قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن المرأة قلما أن تقتنع في حجاج ، فإن غلبها غالب ، قطعت الحديث عند الجملة التي لو اقتصر عليها السامع ظن الغلبة لها ، او علي الاقل ظن الأمر معلقا فلا راجح ولا مرجوح . والرجل الشهم يمهد لها السبيل إلى ذلك .

قلت : كذلك هو يمهده وأسهمه في نزول ، فيصطنع الشهامة إذا أعوزه اكتساب الغلبة .

قال : إن الرجل في نقاش المرأة لا يهنأ غالبا أو مغلوبا . قلت : ثم ماذا ؟

قال : إن الرجل ينظر إلي الأشياء ، فيأخذها ببصره جملة . أما المرأة فتنظر إلى الأشياء ، فتأخذها ببصرها تفصيلا . إن المرأة تحلل الأشياء إلى عناصرها . أما الرجل فيبني الأشياء من عناصرها . والرجل لا يضيره ان يري الفراغ في بعض ما يبني ، اما المرأة فتبحث عن الخرق في كل شئ .

قلت : إنها تبحث عن الخرق لترقعه فتسده . قال : هذا في الجورب والقميص . أما في العلاقة ما بين الناس والناس ، فهي إنما تبحث عن الخرق لتزيده اتساعا .

قلت : إن فضل المرأة على الرجل كبير .

قال : نعم . والرجل الذي ترفعه المرأة لا يطاوله أحد من الرجال .

قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن الرجل يميل إلى المعنى المجرد ، والمرأة تميل إلى الشئ المجسد . فالرجل يعتقد في معنى الصدق ومعنى العدل ومعنى الجمال . أما المرأة فإن همها شيء من هذا فقد يهمها الرجل الصادق العادل الجميل .

قلت : تعنى أنها أحيانا لا يهمها الرجل الصادق العادل الجميل

قال : نعم ، وأحيانا كثيرة . فإنها اكثر ما يهمها في الرجل قوته - قوة شخصيته ولو عارمة جائرة . إن أكثر ما يهم المرأة الكنف الذي تحتمي فيه من عصف الرياح - الرياح التي تحمل الثلج الذي يقتل الوجوه ببرده ، أو الرياح التي تحمل الرمل فيشوي الوجوه بحره . وخير الأكناف ما كان صخرا.

قلت : إن الرجل أحس بالألم من المرأة ، أو هكذا احسب .

قال : نعم . فإن المرأة خلقت للإنتاج عن طريق الألم ومن أجل هذا كانت أقل خوفا من النار .

قلت : ولكن المرأة اقرب إلى الدعاء إلى الله . قال : لأنها أحرص على ضمان السلامة . قلت : ولكنها لا تحرص على هذه السلامة في الحب ، فهي تركب سفينة الحب وهي مثقوبة .

قال : وكذلك يفعل الرجل قلت : نعم ، ولكنه يحمل القرعة على ظهره . والقرعة الواحدة لا ينجو بها غير واحد .

قال : والمرأة التي يخونها ملاح واحد قل أن تأمن في صميم قلبها إلى ملاح غيره . أما الرجل فأوسع قلبا وأقرب غفرانا .

قلت : لأنه لا ينزل الماء إلا بجلد تمساح ، وهو لباس لا يبتل ولا يشرب الماء اما المرأة فتنزل إليه في فستان منشى .

قال : إن المرأة تتبع الرجل كما يتبع الصياد صيده ، وليس علي الصياد أن يشكو إذا جرحته فريسته

قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن المنطق عدو المرأة . قلت : لان المنطق يتصل بالعقل وحده ، ويغفل وحي القلوب . والوحى كثيرا ما يصل إلى نتائج أوثق مما تصل إليه العقول . والعقل يتحرك حركة مكنية ، وهو يتلوي في سبيله ليتجنب العقبات . أما الوحي المنبعث من قلب المرأة ، فكالشعاعة التي تنبعث من النار ، تجري فوق العقبات الأرضية فتصل إلى غايات لا تصل إليها عجلات العقول التي لابد لها من السير فوق الحجر حينا ، وفي الأوحال أحيانا .

قال : إن المرأة تستنصح الرجل ولكن لا لتعرف رأيه ، ولكن ليعرف هو رأيها ، وينزل عليه

قلت : فإذا هو لم يفعل . قال : واجهته بالأمر الواقع . قلت : وأين الإقناع ؟ قال : إن المرأة لا تقتنع أبدا . فهي كقائد الجيش لا يغلب وعنده احتياطي . واحتياطي المرأة شئ عرمرم لا يكاد ينفد .

قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن المرأة تقدر الأشياء بأوزانها . قلت : والرجل ؟ قال : يقدرها بأوصافها والوانها . هذه تقدر بالكم ، وهذا يقدر بالكيف

قلت : فهل هي تقدر زوجها بالارطال ؟ قال : كلا ، ولكن بالأمتار . فالمرأة ، حتى الصغيرة القصيرة تطلب الفارع من الرجال .

قلت : فهل هي إذن تحسن القياس ؟ قال : في البعد الواحد ، فإن تعددت الأبعاد اختلطت عندها المقاييس ، وانبهمت النسب .

قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن الرجل يعيش في ماضيه ومستقبله . والمرأة لا تعيش إلا في حاضرها .

قلت :

ما مضي فات والمؤمل غيب

ولك الساعة التي أنت فيها

قال : ولك الساعة التي أنت فيها . قلت : ثم ماذا ؟ قال : إن الرجل يكافح الموت ، والمرأة تكافح الشيخوخة والرجل غايته الإبقاء على قوته ، والمرأة غايتها الإبقاء على جمالها .

قلت القوة خلقت للأسد ، والوداعة خلقت للشاة . قال : وكثيرا ما استأسدت الشياة . قلت : إن المرأة أشجع روحا ، والرجل أشجع جسما ، وشجاعة الأرواح أفخم من شجاعة الأجسام .

قال : ولكنها إلي الخسران صائرة . قلت : فما بال المرأة الأم ؟ قال : أما هذه فملاك الكون . وهي لزاجه . فإذا ضعف اللزاج - إذا هو تبلل وتطرى ، تداعت الأجزاء . إن الحب الأبوي يطول التلال ، والحب الأموي يطاول الجبال . إن الرجل لينظر إلي ثدي المرأة الناهد فيشتهي ، وينظر إلي نفس هذا الثدى وهو يرضع فيغضي . وما قطرات اللبن إلا الحياة توصل بين جيل وجيل . وما الأمومة إلا ضمان هذا الوصال .

قلت : إن لم يكن عندك للمرأة غير هذا لكفاني  فسلام.

اشترك في نشرتنا البريدية