فتح باب ذلك الدكان المظلم الذى يتخذه مسكنا ، والذى يفتح بابه راسا على الطريق العام .
واجتاز العتبة برجليه اللتين ألبسهما قبقابا . فوقف بخارجها مهلة ليتنفس قليلا من الهواء النقى الذى حرم منه طول الليل .
وقلب عينيه الى السماء التى تلبدت بالغيوم ، فانقبضت نفسه من منظرها الذي يوحى بالكآبة والخمول .. ثم انزلهما نحو الارض ، وتلمظ وبصق .
وبعد برهة ، وقفها مطرقا الى موقع قدمية .. نظر الى حنفية الماء العمومي ، الواقعة فى الطرف المقابل من الشارع ، ولبث يتأملها كأنه يراها للمرة الاولى ، ثم اخذ يمشى نحوها رويدا .
غسل وجهه ويدينه ورقبته ، وعاد الى غرفته ، باسرع مما ذهب ، فتناول منشفة قذرة ، اعتاد ان يغطى بها وسادته قبل النوم ، وشرع يمسح بها وجهه بنشاط .. ولكنه ، فجأة ، فقد نشاطه ، كأنما تذكر شيئا .
ورمى المنشفة من يده بشدة ، ثم اخذ يلبس كسوته ( الشانغاي ) الزرقاء ، بفكر غائب ، كمن يدرس مشكلا عويصا ، عرض له .
وأتعبه التفكير ، فى هذا المشكل الذي يشغل باله ، ويقلق راحته .. حقا .. إن العيش بهاته الارض .. لم يعد يطاق والناس بدورهم ، لا يزدادون ، على الايام ، إلا شذوذا وافكارهم .. الا تسمما وغرابة .
والنقود .. آه النقود .. وتنهد عندما تذكرها انها تكاد تنفذ من الوجود .. انه فى هذا الشهر بالذات .. لم يستطع دفع اجرة مسكنه . ولم يرسل الى اولاده وامهم ، الذين تركهم بالبلد ، الا نصف ما اعتاد ارساله اليهم . من نفقة . .. ومع ذلك ، فقد اضطر يوما وليلة بطولهما ، الى البقاء بلا غداء ، ولا عشاء ، ولا تبغ .
وفى اليومين التاليين ، لما وجد من يقرضه بضع فرنكات ، لم يعش على
سوى ، حبات من الزيتون ، مع اقراص من الخبز الاسمر ، كان يشتريها ، من باب الجديد ، عند عودته من محطة السكك الحديدية .
لم تكن تلك حاله فى الماضى . ولكن منذ ان بدأت هذه الحوادث المشؤومة ، ومن كثر شغب زملائه من العمال وإضراباتهم . كثرت تنكيلات الشركة ، وجعلت فتقاعس عن دفع ما يتخلف من الاجور ، وتنقص منها ما شاءت ، كلما وقع الاضراب عن العمل .
وانحني على حذائه البالى ، الملطخ بالاوحال ، ليشد خيوطه وعلى شفتيه لعنة تكاد تنطلق ..
لماذا يصر زملاؤه دائما ، كلما اجتمعوا فى المركز النقابى ، على تفريعة ، وحثه على الشغب ، وتعطيل العمل مثلهم ؛ لماذا لا يسوون الامور ، بطرق سلمية بالمكاتيب ، بارسال الوفود ... بالاقناع بالحسنى ..؟
..لا . . ان زملاءه لم يعودوا يريدون ذلك . طالما قالوا له . . ان هاته الطرق التى لا يزال يؤمن بها لم تعد تجدي . . لم تعد ذات مفعول ..
ولكنهم لم يستطيعوا اقناعه . . انه لا يريد ان يفعل شيئا من ذلك .. انهم كلاب هؤلاء الفرنسيون . . وان خبزه بايديهم . . في قدرتهم حرمانه منه ، متى ارادوا . وابناؤه .. وامهم .. الذين فى البلد .. ماذا ياكلون .. لوفصل عن العمل . . ؟
عند ذلك استوى واقفا ، وقد سرت فى عينيه موجة من القلق والشفقة . هذه القسوة التى تبدو على اخوانه ، كلما اجتمعوا تقلقه وتكدره . وتلك الضربات التى تصبب المكاتب ، من قبضاتهم فى كل جلسة . . تزعجه وتوتر اعصابه
وخرج الى الشارع . وقد اخذ من حبيبه مفتاحا غليظا . واستدار الى باب مسكنه ، ليغلقه ، وهو يضغط على اسنانه بشدة . فقد تذكر عندما ادخل يده الى جيبه لاخذ المفتاح ، انه لا يستطيع تناول قهوة هذا الصباح . لانه ان فعل ذلك ، سيكون مضطرا ، عند الغداء ، الى التنازل عن حبات الزيتون ، والى تناول الرغب قفارا .
ولعن الشيطان والايام ، مرات عديدة .. وهو ينزل " نهج الحجامين " في طريقة الى عمله بمحطة السكة الحديدية
.. ولما صار بمنحدر " الزواف الرابع " . . عادت افكاره الى زملائه . . والى مجلس نقابتهم . وقفزت الى ذهنه صورة رجل النقابة العظيم .. الذي يكاد يعبده عبادة . انه رجل العمال الاول . نصيرهم الذي حقق كثيرا من احلامهم .. إنه (حشاد) العظيم !..
الرجل الذى يحبه اكثر من نفسه .. ولا يحب واحدا غيره من الاخرين . .. ومضى فى طريقة ، يدور مع منعطفات " نهج الرابطة " بفكرتائه . يستعيد فى مخيلته مواقف وهو يخطب في جمع ، أو يدافع عن قضية .
إن فى ذلك الرجل شيئا يحبه كثيرا .. إنه وحده الذي يستطيع ان يقنعه .. الوحيد الذى يستطيع أن يحتفظ له بخبزه . . إنه يؤمن بذلك ويثق به .. إيمانه وثقته بالله . ووقف على الطوار ، عندما وصل إلى " نهج سيدي البشير " وأخذ يلتفت يمنة ويسرة ، ليتثبت من عدم وجود سيارات ، وهو يؤكد لنفسه ، ان وجود (فرحات) وحده ، يبعث فى نفسه الطمأنينة ، ويبث فى قلبه السلام .
ولما اجتاز الشارع ، ووصل الى الطوار الاخر ، عادالى شتم الفرنسيين الاستعماريين .. إن هؤلاء الخنازير .. لا يريحون ولا يستريحون .. إنهم هم الذين يبدؤون المعركة دائما.. بغطرستهم واستفزازاتهم .. وحيفهم . ان التونسيين كلهم ، مثله ، طيبو القلوب ، حسنو النية . . ولكنهم لا يطيقون الصبر طويلا ، اذا أصابهم ضيم ، والدليل على ذلك .. ما يقع هاته الايام من تقتيل وتخريب .. وفوضىء .
إنها نتيجة معقولة .. إذ نفد من الناس صبرهم . ربما كان اليوم هو وحده الذي لم يفقد صبره . . من بين الناس ، لا يزال في نفسه ، بعض الايمان بالبشر ، وبالفرنسن . . أبناء الحرية .. والعدالة والمساواة .. كما يدعون ! كان يقول لنفسه دائما ، لا بد انهم راجعون يوما الى أنفسهم .. وانهم نادمون على ما فعلوا ، ومصلحون ما افسدوا .
ولكنه مهما انتظر هذا اليوم ، فإنه يخاف ان يأتى وقت يمل فيه الانتظار .. فتنتهى وداعة الحمل ويكون ثورا هائجا .. يحطم كل شئ .
إن جل أصدقائه ناقمون عليه ، لأنه لم يستطع إقناعهم بالآنتظار .. ولأنهم ، بدورهم ، لم يستطيعوا إقناعه بالثورة .
وكثيرا ما كان يذهب الى العمل وهم مضربون . وكثيرا ما أراد بعضهم الاعتداء عليه . ولكن البعض الاخر كان يتصدى كل مرة لهذه الفكرة .. لايمان الجميع بأنه لا يفعل ذلك عن خيانة أو مروق . . بل لانه لا يزال تحت تأثير فكرة المسالمة والانتظار .. ولانه كان يخاف !.. يخاف على خبزه ان يطير . وهذه حقيقة لا ينكرها هو نفسه .
ولما وصل الى هذا الحد من التفكير .. كان على قيد خطوات من (باب عليوه) ، ومجاز القطار الذى يفصله عن بقية الشارع . فحث الخطو ، حتى وصل الى مهبط الذراع الحديدية . التى توقف الاجتياز عند مرور القطار . فتخطاه ، وحيى بإيماءة من راسه ، حارس المجاز ، ودار الى يساره محاذيا السكة ، يقصد المركز الذى اعتاد تسلم العمل منه .
ودخل على رئيسه الاوروبى . فابتسم له هذا لما رآه ابتسامة عريضة ، لم يفهم الرجل معناها . ثم ازاح الرئيس قبعته قليلا الى الوراء ، وساله بالعربية في مرح : ها .. ها .. جيت ؟ آلور .. لا باس ؟
فوج المخاطب قليلا لهذا المرح ، الذى لم يعتد ان يلقى عليه رئيسه فى مثل هذه الساعة من النهار . ولكنه رد عليه بصوت خافت . - لا باس .. الحمد لله . وعاد الرئيس يخاطبه : اذهب الآن الى الابرة رقم ٩ ، وانتظر هناك مجيء قطار بنزرت ، لتحول له السكة ، ثم تعال بعد ذلك لنرى ماذا هناك .
وخرج من مكتب رئيسه ، وهو يفكر فيما رآه عليه هذا الصباح من مرح غير معهود .
وبقى يمشي الهوينا ، الى مكان الابرة رقم ٩ ، ونفسه لا تزال فى انقباضها الذي اصبحت عليه ، وحتى الجو لا يزال على تجهمه .. يوحى بالكسل والكآبة وما مشى خطوات ، حتى بدأ يتبين له ، ان الحركة فى المحطة غير عادية ، وانها خامدة او تكاد .
وفى تلك اللحظة ، قطع عليه افكاره صوت يناديه من خلف فالتفت مفاجئا ليتطلع الى مصدر الصوت ، فوجد احد اعضاء الهيئة النقابية .
وسأله هذا الى اين يذهب ، فاجابه : - الى مكان عملي . - واين ستعمل اليوم ؟ - بالابرة رقم ٩ - وهل ستعمل .. فعلا ؟ - ولم هذا السؤال ؟ - لاننا جميعا مضربون ، - ومتى كنت اضرب معكم ؟ ألم تروا انكم اكثرتم ... - ولكنهم .. قتلوا )فرحات( ايها المغرور ! )حشاد( قتلوه . . الم تسمع ايها الاصم ؟
وبدا الرجل كأنه يعول مما زاد في ارتباك مخاطبه ووجومه . فبقي كالصخرة المبنية الى الارض ، فاغر الفم .. مصعوقا . ودارت به الارض . . في دوامة لا يدرى كيف احتوته .. وآخذت كلمات الرجل الذي ناداه ، تتردد في اذنيه ، وفى دماغه ، كأنها صدى بعيد ، آت من الاغوار .
وشعر كأنه يهوي الى اعماق بئر مهجورة . خالية من الحياة .. يأتيه من اعماقها صوت يردد : . حشاد قتلوه ؟ .. حشاد قتلوه ! ولبث هكذا لا يريم برهة .. وهو ينظر الى زميله الواقف بعين دامعة كان ينظر اليه ، ولا يراه ! وافاق بعد حصة من ذهوله ، وسال صاحبه : - اتقول حقا يا رجل ؟ ، استطاعوا ان يفعلوا ذلك ؟ - استطاعوا يا سيدى .. استطاعوا .. خربوه ليلة امس بالرصاص .. والقوا به طريحا ، في طريق زغوان !
وعاد مرة اخرى الى ذهوله . . لا يكاد يصدق مقال الرجل . واتاه صوت صاحبه مرة اخرى يقول له : - لقد قررنا ان يلازم كل منا مكان عمله ، بدون ان يمد يده الى شئ .. يجب ان يتوقف كل شئ .. آفأنت معنا هذه المرة .. ام لا ؟ فطأطأ رأسه حصة . ثم رفعه الى صاحبه بعينين امتلاتا دمعا . واستدار بسرعة يقصد مكان الابرة رقم ٩
ووقف هناك ذاهلا عما حوله . . تهز نفسه احزان مرة . لقد ضاعت اخيرا ثقته فى السلم وضاع امله فى الانتظار .
.. حتى الصبر نفد منه هذه المرة . والآن فقط تبين انه كان مخطئا ، اذ لم يكن مع اخوانه .. وقرر انه سوف لا يفارق فى المستقبل صفوفهم .
وزال عنه خوفه على خبز اولاده ان يطير .. وهو لا يرى امامه سوى صورة الرجل الذى عبده ، وهو مخرب بالرصاص . صريعا بطريق زغوان . صارت الدنيا كلها من حوله حمراء .. تتلاطم بالدماء .
.. معذورون زملاؤه اذن .. المساكين معذورون . سيكون معهم منذ اليوم .. اذ تحولت الامور الى هذا المجرى .. اذ جرؤوا على قتل " فرحات " العظيم .
سوف لن يرحمهم .. صباح اليوم فقط كان يشفق من ثورته .. ان لا ترحمه .. ولا ترحم غيره .. وها . . ما قد خاف منه حصل .. فعليهم التبعة لا عليه .
ونبهه فجأة ، صفير القطار القادم من بنزرت فحول عينيه نحوه . ووقف جامدا لا يتحرك .
ووقف القطار عند مفترق السكك قرب الابرة رقم ٩ ينتظر منه ان يحول له السكة .
ولكنه وقف في مكانه امام الابرة ، وقد ضم يديه الى صدره ، ونظر الى القطار بشماتة .
انه لن يحول السكة .. ولن يدع من يحولها . ولو انقلبت الارض .. وصفر القطار مرة اخرى بالحاح . ثم اطل سائقه من النافذة . . واخذ يصرخ ويشير بيدية فى انفعال ، ولكن صاحبنا ، لم يفك يديه عن صدره ، ولم يمس الابرة بل ضل واقفا ينقل عينيه بشماتة وحقد ، من السائق الى الابرة ، ومن الابرة الى السائق .
وشعر فى نفس اللحظة ، بمن يهزه من كتفيه بعنف . ويصرخ فيه سائلا عما ينتظر ليحول السكة .
فنظر اليه بشراسة وقال له انه لن يحولها .. لانه فى حالة اضراب .
وصعد الدم الى وجه الرئيس ، وجمع قبضتى يديه ، ليهدده بهما ، آمرا إياه بتحويل السكة .
ولكنه آجابه مرة اخرى بانه لن يحولها ولن يدع من يحولها . فتقدم الرئيس الى الابرة وهو يسب ويشتم ليحولها بنفسه ، ولكن يد العامل سبقته اليها تمنعه من لمسها .
لم يعد الرئيس يطيق صبرا على جرأة مرؤوسه ، فرفع قبضته ، وأهوى بها على صدره بضربة دحرجته الى الارض ولم يبال به بعد ذلك ، بل اهتم بفتح الطريق امام القطار الذي ينتظر .
ولكن شيئا منعه من اتمام عمله .. فقد هوى على مؤخرة رأسه قضيب حديدى . . جعله يهوى على الابرة بكامل حسده ، وقد تفجرت الدماء من كل راسه . وعلت صيحة سائق القطار ، تطلب النجدة ، وتلتها صيحات أخرى .
ولكن حارس الابرة رقم ٩ ، لم يبق فى الانتظار ، بل جرى نحو الحاجز القريب منه . فتسلقه في خفة القط .. وأخذ يعدو ، لايلوي على شئ .. في الشارع الفسيح . ومن ذلك اليوم ، لم يعثر له على أثر بين الاحياء ، ولبث مسكنه مقفلا ، ينتظر عودته ليحتضنه ويخفف من تعبه . . ولبثت الحنفية ، تنتظر قدومه كل صباح ، لبغغسل عندها وجهه وذراعيه . . ولبثت زوجته واولادها . . ينتظرون نفقتهم مطلع كل شهر .. بلا جدوى .
ولما رجع المقاومون . . جاء أحدهم الى البلد ، يسال عن زوجة الرجل واولاده . . فارشد اليهم . وكان يحمل الى العائلة البائسة المنتظرة .. ثياب رجلها وعائلها الذى كان يرافقه فى الكفاح .. والذى تركه مدفونا فى مكان ما . . بجبل " أرباطه " ..

