قضينا يومين نتفرج على آثار " البطرا " وبقدر ما اغضب تلحمي أعضاء الرحلة في الطريق بين القاهرة ومعان . بقدر ما ادخل السرور على نفوسهم في ليالي ساحة البطرا . وبقدر ما كان سخيفا وثقيل الدم في تصرفاته معنا أثناء الطريق ، بقدر ما كان ظريفا وخفيف الروح في حفلات التهريج في حلقات الليل ، فبينما نكون نحن مشغولين نهارا في التجوال بين معابد النبط وآثارهم . يكون تلحمي في الساحة مشغولا بإخراج "هزليات" من تأليفه . يضع هو حوارها ومناظرها وأزجالها كما يقوم بتمثيل أدوارها . فإذا ما اجتمعنا مساء بعد العشاء حول بؤرة النار قام تلحمي بعرض فصوله علينا بين التصفيق والتهليل والضحكات العاليات التي لا ينقطع دويها في فضاء الساحة إلا بانتهاء الحفلة في منتصف الليل .
انتهت زيارة البطرا فعاد الأعضاء إلى القاهرة عن طريق العقبة كما جاءوا . وتخلفت أنا والطبيب وزوجته لرغبتنا في زيارة شرق الأردن وفلسطين . وتخلف معنا كذلك الخواجة تلحمي لزيارة قريب ، بالقدس . فتكدسنا نحن الأربعة في سيارة حسن السائق وقصدنا عمان . فسارت السيارة في طريق يقع على هامش بادية الشام . في صحراء جرداء قليلة العمران ووصلنا نقطة بعد سبع ساعات ، ثم مال بنا الطريق نحو الغرب . ودخلنا منطقة الجبال وسط زوبعة هوجاء فالتجأننا إلي بلدة (ماديا القديمة) واحتمينا بها . وفي المساء هدأت العاصفة فاستأنفنا السير ، ولم نصل عمان إلا قبيل منتصف الليل ، فاتجهنا إلى فندق " فيلادلفيا الجديدة" تبتغي المبيت
كان الفندق مزدحما بالنزلاء . فلم نجد فيه مكانا ننام فيه ، وليس بالمدينة غير هذا الفندق . فجلسنا في البهو نلتمس
مخرجا وغاب عنا تلحمي نحو ساعة . ثم عاد يبشرنا بالاهتداء إلى صديق في المدينة قبل أن نبيت مقابل أجر قليل . ثم تقدمنا يصعد في أزقة معتمة ضيقة زلقة . وعن من خلفه ننوء بحمل متاعنا ونكاد تسقط من طولنا من شدة الإعياء . ثم وقف أمام باب منزل صغير من طابقين . ودفع الباب فانفتح على سلم خشي مظلم . فارتقى درجاته متحسسا موضع قدميه في كل خطوة . وصعدنا وراءه وانتهي السلم إلي باب أدى بنا إلى حالة نورها خافت ، وقف في وسطها شيخ استقبلنا بنظرة زائغة . ورأيت في السالة حجرتين ودهليزا . فأشار تلحمي إلي إحدي الحجرتين وقال : هنا الدكتور ومدامته وأشار إلى " كنبة ، في الصالة وقال : هنا أنت . وأشار إلى كنبة أخرى في الدهليز وقال : هنا أنا . أما صاحب البيت وزوجته وأبناؤه الثلاثة ففي الحجرة الأخرى .
فترددنا قليلا في قبول هذا الوضع . ولكن ما حيلنا والليل قد انقضى شطره الأكبر . والمدينة سكنت ونام أهلها ولم يبقى فينا بقية من جهد ، فارتميت على الكنبة " ببدلتي " وحاولت أن أنام فكنت أغفى وأفيق . ثم غلبني النعاس فنمت .
واستيقظت في الصباح . فوجدت حجرة الطبيب مضاءة وزوجته تذهب وتجئ بين الحجرة ودورة المياه . وهي مطرقة حيرى.
ووجدت تلحمي قد انزلق عن الكتبة . واستوي بجسمه على الأرض في الدهليز وانحشر فيه . من تحته بطانية ومن فوقه لحاف تكاد حافته لا تبلغ ركبتيه . وهو يغط في نوم عميق هادئ .
وخرج الدكتور من الحجرة شاحب الوجه . وقال : إنه لم يذق طعم النوم لكثرة البق . وإنه قضى ليلته ساهداً جالسا على حافة الشباك . فعجلنا نحن الثلاثة بالنزول من المنزل وهرولنا إلى الفندق .
قضينا يومين في عمان لزيارة معالمها . ثم غادرناها في اليوم التالي مع شروق الشمس قاصدين " جرش " فدرجت بنا السيارة في طريق معبدة صاعدة في الجبل حتى وصلنا القمة . فانبسطت الهضبة وانكشف المنظر عن جمال رائع . فعمان من تحتنا في أعماق الوادي غارقة في الضباب ، ونهرها الصغير ينساب صافيا بين الثنيات . يلمع ماؤه تحت أشعة الشمس الغائرة ، وقصور الأمراء والأعيان منتثرة على سفوح الجبال ، تظللها أشجار السرو الباسقة ، ومروج خضراء من أمامنا تمتد حتى الأفق . ثم اجنزنا الهضبة ، ووصلنا أطراف الصحراء . فتركنا الجبال . وهبطنا إلى السهول ، وساءت حالة الطريق بسبب هطول الأمطار . فعانينا كثيرا من السير في الوحل والانزلاق في المنحدرات والارتطام في الحفر ، واللف والدوران حول التلال ، وطال بنا الحال على هذا المنوال ساعات . فلم نبلغ معسكر " للمفرق " إلا قبيل الأصيل ، وبعد راحة قصيرة اندفعت السيارة إلى الأمام تشق طريقها في الوديان وعلى السفوح وفوق الربى ، وعلى القمم . وأقبل المساء ، واشتد البرد وخامرنا الشك من وصولنا جرش في تلك الليلة سالمين . فقد " شرب " حسن كثيرا في قهوة ( المفرق) . وأصبح لا يحترس ولا يكترث . يسرع حيث يجب الحذر ، ويشد
حيث لا خوف من الإسراع ، وينساب في الكلام حيث يجب السكوت ، ويصمت حيث يحسن الكلام ، ولا تحلو له الثرثرة إلا حيث يسابق الريح علي شفا جرف ، أو فوق حافة هاوية . أما حيث يستوي الطريق ويستقيم فهو خامل هامد ، لا ينبس بكلمة .
أخذت الشمس تغيب رويدا وراء سلاسل الجبال ، واصطبغت جوانب الوديان بشتى الألوان ، وانعقد الطل على العشب وأوراق الأشجار ، وتجمع الفلاحون على منافذ القرى يتحدثون ويتمازحون . ثم هدأت الطبيعة ، وخيم الظلام ، وشملنا سكون رهيب .
وصلنا (جرش) في عتمة الغروب ، فألقينا على المعبد نظرة عاجلة مرجئين زيارته إلى الغد . ثم آوينا جميعا إلى قهوة بلدية في مدخل القرية ، وتناولنا القهوة والشاي : الأقداح تلو الأقداح حتى وقت العشاء .
لم نجد في جرش لو كاندة نأوي إليها ، ولا مطعما نأكل فيه ، وليس فيها غير هذه القهوة التي نجلس فيها ، وبينما نحن نفاوض القهوجي في أمر عشائنا ونومنا إذ أقبل طبيب القرية على القهوة يدعونا للمبيت عنده . فكانت مفاجأة سارة ، وقضينا الليلة في بيته على أحسن حال ، وفي الصباح خرجنا إلى ظاهر جرش للفرجة على المعبد ، وهو من أبدع ما خلفه الرومان من الآثار في سوريا وفلسطين ، وبدل ما بقي منه من أبهاه وعمد وفسيفساء على ما كان عليه من عظمة وجلال وجمال
ثم جلسنا هناك على جذع زيتونة على حافة الطريق ، نسرح الطرف في الأرض والسماء ، وأمامنا وادي جرش كالروض فسيح أخضر . تمتد أطرافه حتى تتلاقى على مدى النظر بسفوح الحبال ، وجداول الماء تتلاحق على طوله تتلوى بين الجانبين تلتمهما تارة وتحيد عنهما تارة ، ومياه العيون تتدفق من شاهق فيدوي صوت خريرها في الفضاء ، ورشاش الماء يطير في الهواء راسما هالات من أنوار ، والسماء ، زرقاء صافية ، والشمس ساطعة دافئة ، والطبيعة ندية هادئة ، تشع في الكون البهجة والسرور .
غادرنا جرش وشمس الصباح عالية ، وأخذ طريقنا . وسط المروح الباحثة الخضراء ، يلف ويلتوي ويدور حول الربى ، صاعدا نازلا ، ينتقل من جبل إلى واد ، ومن قمة إلى حضيض . حتى وصلنا نهر (الزوفا) عند الظهر . فجلسنا على شاطئه المستريح، ثم صعدنا إلى بلدة (سويلح) في مرتقى شديد الانحدار ، وصويلح بلدة (الشركس) في شرقي الأردن . بلدة لطيفة ، موقعها بديع تشرف من حرف شاهق على واد فسيح ، وهي موطن الوجوه الشقراء والعيون الزرقاء ، والقد المعتدل الممشوق .
اجزنا صويلح مسرعين ، كما اجتزنا كذلك مدينة الصلت ، ونزلنا من وادي شعيب إلي غور البحر الميت . فتغيرت طبيعة الأرض وثقل الجو ، وسخن الهواء ، وانحبس النسيم . وذهبنا إلى البحر الميت وجلسنا في قهوة على الشاطئ ، وكان البحر راكبا ساكنا لا موج فيه ، وضباب كثيف مخيم فوقه ، فلم نر خلاله إلا أشباح الجبال الجرداء المحيطة به . وطلب الخواجة تلحمى من القهوجى أن يأتيه بأكلة من السمك ، فضحك القهوجي وقال له : " هيك سيدي الصنارة صيد " .
لم نجد في البحر متعة ولا لذة ، ولا في الجو سرورا وانتعاشا فعجلنا بالرحيل ؛ فدرجت بنا السيارة صاعدة في جبال فلسطين ، ووصلنا القدس عند الغروب ، وأخذنا تلحمي إلى فندق كبير يقع خلف كنيسة القيامة ، واستقبلنا عند الباب راهب حمل متاعنا ، وتقدمنا إلى الطابق الثالث . وأدخل الطبيب وزوجته إلى حجرة ، وأدخلني إلى الحجرة المجاورة ، فوجدت الحجرة كصومعة الراهب : صورة المسيح مرفوعة في صدرها على الحائط فوق السرير ونسخة من الإنجيل ملفوفة في غطاء من الحرير المزركش موضوعة على نضد بجانب السرير ، وقنديل فيه فتيلة مضيئة متدل من السقف في احد الاركان . جلست على كرسي أفكر في الأمر ، وجاء وقت العشاء فنزلنا إلى طابق تحت الأرض معقود السقف كالكهف ، تزين جدرانه صور وتماثيل العذراء والمسيح ، ويتوسطه نضد طويل رصت
فوقه أدوات الطعام ؛ فجلست بجانب الطبيب على كرسي مريح ، أتعجب مما نحن فيه ، وجاء لفيف من الرهبان ، وبدأت صلاة ، أعقبتها ترنيمات وأناشيد باللغة الإيطالية ، ثم قدموا لنا النبيذ وأصنافا من الطعام كثيرة جيدة النكهة والمذاق ، وانتهى الطعام كما بدأ بصلاة ودعوات ثم انصرفنا في سكون وسكوت وخشوع .
وفي الصباح قبل القطور دعانا راهب للنزول إلى الطابق الثاني ، ثم قادونا إلي كنيسة وجدت نزلاء الفندق احتشدوا فيها يؤدون الصلاة .
وجاءني كاتب الفندق يستعلم عن اسمي بالكامل ، فناولته بطاقتي فنظر فيها مندهشا ، وقال : كيف ذلك إنك مسلم وهذا الفندق وقف ، لا ينزل به إلا النصاري فقتلت له : وما العمل ؟ فقال : لا تحزن ، و ليكن أسمك دمراش بن حنا ، وضحك و ضحكت ، ودسست في كفه ورقة بنصف جنيه ، فطوى كفه عليها وانصرف شاكرا مسرورا .
لم يكن تلحمى نازلا معنا بالفندق ، بل تركنا لزيارة قريبه والمبيت عنده ، فبينما أنا داخل إلى سوق المدينة القديمة من باب الخليل . إذ أبصرت به جالسا في قهوة بلدية في ثياب عربية كلبس أهل القدس يساوم أحد الباعة في شراء سترة مصنوعة من جلد الشاة . فتقدمت نحوه . ولكنه ما كان يلحمني حتى ترك مقعده في القهوة ، وخرج مسرعا من باب جانبي ، وسبقني إلي داخل السوق ، وفي زاوية الطريق همس في أذني أن أتركه الآن وسيلحق بنا في الفندق بعد قليل ، فنظرت إليه نظرة ريبة واستغراب .
وفي صباح اليوم التالي غادرنا القدس عائدين إلي مصر . ومررنا (ببئر السبع ) و (القسيمة ) ، وكان في وجود الخواجة تلحمي معنا ضمان كاف لمرور متاعنا وحوائجنا من غير تفتيش في نقطتي الجمارك بين فلسطين ومصر ، كما كنا موضع التكريم من جنود مصلحة الحدود عند مينتا ببير حسن بسيناء وفي ظهر اليوم التالي ودعنا الخواجة تلحمي والسائق حسن بالسويس ، وركبنا القطار إلي القاهرة .
