أطبق علي الخبيث الصغير وقال :
لقد أعفيتك ١٥ يوما كاملا كنت تتظاهر فيها بأنك مشغول ، فصبرت عليك لا اتقاضى منك حقى في تلك الحكايات الصغيرة التي كان لي منها واحدة في كل مساء والآن تريد ان تسترسل في هذا الذي تشغل به نفسك ، ولكن الصبر الجميل أوشك أن يهي ويتضعضع - كما تقول " صاحبة العصمة " في بعض أغانيها - فهيا سدد ولو قسطا واحدا مما عليك .
قلت : يا فتي إنك تطلب شططا ! فهل تريدني أن أحفظ خمس عشرة فكاهة جديدة فأقصها عليك ؟ إني لا اعثر على الواحدة إلا بشق النفس ، وإن الدائن العاقل لا يرضي ان يثقل على مدينه مرة واحدة حتى يضمن بقاء حبل المعاملة متصلا بينه وبين مدينه ؛ فهلا اكتفيت بحكاية واحدة تبدأ بها حسابا جديدا ، ويعفو الله عما سلف !
قال : أمري معك لله ! هات ما تريد والسلام . ولعل الله يعوض صبري خيرا ، فتكون نكتة الحكاية من النوع الجيد الذي يغني قليله عن كثيره .
وسرني أني كنت قد ظفرت قبل ذلك بأيام قليلة بنسخة من كتاب " جحا في جانبولاد الذي اخرجه الاستاذ فريد أبو حديد في الشهر الماضي . فاستمهلت صغيري سويعات ريثما اراجع هذا الكتاب ، على امل ان اجد فيه ضالتي . وهل يمكن ان يوجد جحا ولا توجد القصص الفكهة والنوادر المرحة ؟ .
وأقبلت على الكتاب وأنا أفرك يدي فرحا ، واتلمظ سلفا على ما سوف أجده فيه من الفكاهات والدعايات والطرف والملح . ولكني ما مضيت فيه قليلا حتى تجلت لى
روح الفلسفة التي تشع من بين سطوره ، وإذا أنا اتقلب فيه بين رياض وغياض من الحكمة والتفكير القوي . ثم إذا كل إناء ينضح بما فيه ، وإذا جحا بين يدي استاذنا الكبير رجل فقيه زاهد وفيلسوف مقتدر ، لا تكاد تظفر منه بشئ من الفكاهة يذكر ، ولكنك تجد عنده ما شئت من الخطرات الفلسفية في العلم والدين ، والسياسة والإجتماع ، والتربية والاقتصاد ، وعشرات الموضوعات الأخرى التي لو حاولت عرض شئ منها على صغيري لما رضي ان يلقي بعدها تحية الصباح
استمع مثلا لجحا كيف يقول : كنت منذ عقلت لا اطمع من هذه الدنيا في أكثر من الرزق الذي يقيم الحياة ، لأني أخذت نفسي بما علمت . والذهب في آخر الأمر لن يصاحب الناس إلي القبور .
سيخلف الناس الذهب كما يخلفون كل شئ وراءهم بعد الحياة ، فليس بي من حقد ان يذهب به الناس ويستأثروا به حسبى من الدنيا ما اصبت من رزقي الضئيل ! ولكن الذهب شئ والكرامة شئ اخر ، ولا علاقة بين هذه وذاك ؛ فالكرامة حق وهبه الله الناس منذ خلقهم ناسا
فإذا كانت " جانبولاد تهب لي القوت لكي تسلبني هبة الله الثمينة فلا مقام لي فيها ) ص ٦١ ( .
ثم استمع إليه أيضا وهو يحكي :
- قال لي صاحبي : إنه من التعسف ان تكلف الناس ما تأباه الطباع ؟ فهل تطمع في " جانبولاد ان يحرم الناس انفسهم بعض مسراتهم في سبيل إطعام الجائع أو كسوة العاري أو مداواة المريض ؟ ثم أردف قائلا : من شاء الخير فليتدسس إلى الشهوات وأخذنا ندير خطتنا على هذا الأساس . . وكان نجاحنا منقطع النظير ، وانهال علينا المال انهيالا ؛ فأمكننا ان نطعم الفقراء ، ونكسو المساكبن ، ونعين المرضى على الدواء . ولكني مع هذا النجاح كنت احس اني أخطأت سبيلي ، وانني أحي
ألف سيئة في سبيل حسنة واحدة . وكنت أحس ان الله لن يرضي عن عملي ، فما كان الله ليبارك في خير جاء عن سبيل الشهوات
واستمع إليه أيضا : قرأت فيما قرأت عن أرسطو أن غاية التعليم ان يعرف المرء كيف يستخدم وقته إذا خلا من العمل . أما أنا فقد رأيت ان السعادة والخير لا يكونان إلا في العمل - العمل الدائم وإن تغير وتنوع . ولا خير فيمن يخلو من عمل إلا إذا دخل في سواه ) ص ٨١ (
وتأمل ما يقول في صحيفة ١٠٥ وهو من أقوى ما يمكن ان يقال في مثل هذا المقام :
ما أكرم مساكين " جانبولاد ليس لبلد أمل في الحياة إذا فقد مساكينه ، فهم الايدي ، وهم الارجل ، وهم القلوب ، وهم الأحشاء - ولكن الطغيان أعمي ولا سبيل إلي فتح عينيه إلا بأن يظهره المساكين على أنه لا حياة له من غيرهم . يستطيع المساكين أن يعيشوا في الأرض الفسيحة ، فإن عندهم الايدي والأرجل تعمل وتسعى ، وهم يجدون وطنا حيث يحلون . لم اشك في ان " تيمور " قد فزع واضطرب من هؤلاء المساكين الذين أرادوا الخروج من جانبولاد
أيها الأشقياء ! لو أطلعتم على ما في قلوب الطغاة وهم بدوسونكم بأقدامهم لسركم ما تطلعون عليه . إنهم يخشونكم وأنتم صرعي ، ويعرفون ضعفهم وقوتكم ! واستمع إليه وهو يتم هذا المعنى .
- السوقة والرعاع ؟ . . من هؤلاء ؟ . لا اعرف سوقة ولا رعاعا إلا هؤلاء الذين يملأون الأرض فسادا ! وأما رجل الحقل الذي يلوث يديه بالطين ويسير عاري القدمين ممزق الثياب ، فرجل وهب نفسه للعمل ووهب ماله إلي الآخرين ) ص ١٠٨ ( .
- ليس فوق الظلم ما يمكن ان يسب به صاحب
السلطان ! ) ص ١١ ( .
- لقد مررت يوما بغابة ، ورأيت فيها تنازع الحيوان والحشرات . وهناك استطعت أن ادرك الرسالة السامية التي أعدها الله للإنسان : أن يعيش على قانون الرحمة والحب ، لا على القانون الطليق الذي يحكم الغابة
ولكني كلما تأملت بدا لي أن من بني الإنسان من يريدون أن يطفئوا نور الله ، وان يمسخوا الرسالة السامية ويعودوا إلي قانون الغابة طمعا فيما يصيبونه من وراء ذلك من مجد حيواني وحشي . وهؤلاء ليسوا سوى نكسة من نكسات الحياة ، وفلتة من فلتات أقدام الإنسانية في صعودها نحو العلا ) ص ١٢٨ ( .
- إن الطغاة لا تعذرهم الحجج إذا شاءوا التماسها . وياليتهم إذا ارادوا البطش اتجهوا إليه كما يتجه الضبع إلى فريسته مكشرا صريحا لا يعرف مواربة ولا رياء . ليتهم يفعلون ذلك فيبلغوا العذر ، لأن هذا هو قانون الغابة . ولا بأس فيه على القوي إذا سطا بالضعيف ! ولكنهم يأبون إلا ان يتستروا وراء ما يقيمونه من القواعد ويسمون ذلك عدلا ! ص ١٠٠ ( الخ . الخ ،
فيا رحمة الله لعقل الطفل الصغير من كل هذه النظرات النفاذة في عالم الفكر والحكمة . لقد تركت هذا ) الجحا ( الفيلسوف وطفقت اطوف بكتبي الآخرى التى اعرف اني قد أجد فيها ما ينشده الصغير من الحديث الخفيف ، فوقعت ولله الحمد على هذه النادرة .
يروي أن أحد شيوخ خراسان كان يأكل ، فمر به ، رجل فسلم عليه فرد السلام ، ثم قال له : هلم عافاك الله - يدعوه بذلك إلي طعامه فلما نظر الخراساني إلي الرجل وقد انتهى إليه وقف مذعورا وقال له : - مكانك ! فإن العجلة من الشيطان .
قال الرجل : ألست قد دعوتني إلي طعامك ؟ ! قال الخراساني : ويلك ! لو ظننت أنك هكذا أحمق مارددت عليك السلام !
المسألة كما يأتي : انا الجالس وانت المار . تبدأ انت فتسلم فاقول انا حينئذ مجيبا وعليكم السلام فإن كنت لا آ كل شيئا سكت أنا بعد ذلك وانصرفت انت . وإن كنت آ كل فهاهنا بيان آخر . وهو ان تسلم فأرد السلام ، ثم أقول لك : هلم ! فتجيب أنت تقول : هنيئا ! ثم تنصرف . فيكون كلام بكلام . فأما كلام بطعام . وقول بأكل ، فهذا ليس من الإنصاف
فلما فرغت من حكايتي نظر الصبي إلي وقال : - أهذا الذي أضعت يومك بين الكتب في البحث عنه والتنقيب عليه ؟ إذن ما أشد إفلاس هذه الكتب إن كان هذا خير ما فيها ! إن نسخة واحدة من جريدة ) البعكوكة ( خير من كل ما حوته هذه الخزائن التي تحيط بك من كتب مفضضة ومذهبة ، ومجلدات مرصوصة عليها كل سمات هيئة كبار العلماء !
قلت : اقصد يافتي ! فهذا جهد ما في كتبى ، فأرني انت جهد ما في ) بعكوكتك ( إن شئت ان تفاضل بين ما عندي وما عندك !
قال : دونك إذن هذه الحكاية ، وأنت الرابح في صفقة هذا النهار الأسحم على كل حال . .
- يحكى أن جنديا من جنود الدولة الحليفة مر في حي من احياء القاهرة ، فراي عرسا يقام في منزل عظيم تزدان جدرانه بالأنوار الساطعة المتلألئة ؛ فحدثته نفسه بأن وراء الاكمة ما وراءها . وأحب أن يعرف كيف تكون الأعراس عند المصريين . ولم يكن معه من يأخذ بيده . فحفلات الزغاف ليس لها ) تراجمة ( بعد كتراجمة الأهرام وأبي الهول . وبينما هو يفكر فيما يصنع ، إذ رأي أمامه لوحتين . وضعت واحدة منهما على كل باب من بابي المنزل . وكان
على اللوحة الأولى : باب دخول العروسين ، وعلي اللوحة الأخرى : " باب دخول المدعوين " . فدخل من هذا الباب الثاني وهو يعلم انه ليس مدعوا . ولكنه لم ير بأسا في ذلك ، ففي ميدان الأفراح عادة متسع للجميع . على انه ألقى نفسه بعد خطوات أمام بابين آخرين علقت على أحدهما لوحة كتب فيها : " باب دخول من يحملون الهدايا " ، وعلى الأخرى " باب دخول من ليست معهم هدايا "
فرأى ألا يتورط في دخول الباب الأول ما دام لا يحمل معه شيئا ، ودخل من الباب الثاني . فلم يكد يتجاوزه إلا قليلا حتى رأى نفسه في الطريق العام مرة أخرى ولكن فاتني أن اذكر لك أهم كلمة في الحكاية ، وهي أن هذا العرس كان في بيت أحد اليهود . .
قلت : ما أخبث حكايتك ! ولكن هل تعرف الآن مقدار الفرق بين كتبي وبعكوكتك ؟ قال : قل قلت : إنك تدخل بهذه البعكوكة في ميادين العلم من باب الذين لا يحملون الهدايا فتخرج بها إلى الطريق العام جديد ؛ أما أنا فأدخل بكتبي من الباب الآخر فأجد
وراءه ما أشربه وما آكله

