) الكاتة البارعة بنت بطوطة مغرمة بالرحلات وهي لذلك تهتم بكل ما يتعلق بالرحلة . وها هي ذي طرفة من طرفها في وصف رحلة الى مصر في القرون الوسطى
في ١٠ أغسطس سنة ١٣٨١ غادر فرسكو بالدي مدينة فلورنسا بصحبه صديقان كان مع كل منهما غلام لخدمته ، ويصحبهم جميعا وكيل لهم كمدير لشؤونهم ، فاجتازوا مدينتي بولونها Bolongue وفراريFerrare ووصلوا إلي البندقية في ٢٨ اغسطس
وفي 4 سبتمير أقلاعوا إلي الشرق في سفينة حربية شراعية حديثة الصنع من سفن البندقية محمولها ٧٠٠ طن ودفع كل منهم ٢٠ " دوار " ) ١ ( أجرة لسفره
وكانت السفينة تقل عدا من ذكرنا جنودا مرسلين إلي حامية ) مودون وهي إذ ذاك مستعمرة تابعة للبندقية وتحمل كذلك تجارا معهم بضائع من أصواف لومباريا ،
ومن النحاس وسبائك الفضة والزيت والزعفران .
وبعد أسبوع قضى في سير وثيد وصلت السفينة إلي جزيرة " زنت " واقامت في مرقها خمسة ايام او ستة إلى أن سكنت الرياح العاكسة ثم استأنفت سفرها وبلغت " مودون " في ٢١ سبتمبر
وفي " مودون " تمونت السفينة بالزاد والماء العذب ثم أبحرت إلي " كورون ، وهي مستعمرة اخري مملوكة للبندقية ومن هناك ولت وجهها شطر مصر .
ولما قربوا من جزيرة كريت كان البحر لا يزال هادئا فظلت السفينة أياما ثلاثة معذبة من الموج يرفعها بقوة ثم يهبط بها بشدة حتى ذاق الركاب الامرين وفي بينهم فرسكو بالدي نفسه ، بل ربما كان هو اشدهم عناء ، حتى كرهت نفسه البحر . وذلك لأن صاحبنا الفلورنسي هذا لم يمتط سفن البحار من قبل ولو أنه ولد محبا للأسفار
ومهما يكن من أمر فان سفينة البندقية هذه ما فتئت تضطرب إلي أن وصلت أخيرا إلي حيث تري الشواطئ المصرية في ليلة ٢٦-٢٧ سبتمبر فتنفس فرسكو بالدي الصعداء وكتب يقول :
" وصلنا إلي ميناء الإسكندرية في ليلة ٢٦-٢٧ من شهر سبتمبر والقينا المرساة بعيدا عن البر خوفا من المسلمين وقضينا الليل في السفينة . ولما اشرق النهار واتانا زورق فيه عشرون موظفا من المسلمين بعضهم ببيض الوجوه وبعضهم الآخر سودها ، وفحصوا البضائع والركاب بكل تدقيق دون ان يدونوا شيئا ثم حملوا الشراع والسارية سهم طبقا لما جرت به عادتهم
ثم جاء خبراء موقدون من قبل السلطان وقنصل الأفرج والحمالون وانزلونا إلي البر واقتادونا إلي داخل باب الإسكندرية وقدمونا إلي جماعة من الوظفين قيدوا اسماءنا وعدونا كما نعد الحيوانات
وبعد ما فتشوا ملابسنا حتى الداخلية منها وكلوا
حراستنا إلي القنصل المشار اليه . أما امتعتنا فنقلت إلي الجمرك ثم استردوها من الجمرك وفتشوها تفتيشا دقيقا ، وطلبوا منا ان يدفع ٢ % على جميع ما معنا من الفضة والذهب والأمتعة علاوة على " دوكا " واحدة عن كل واحد منا بصفة جزية .
ثم ذهبنا بصحبة قنصل الأفريج إلي داره وهي دار فخمة جدا وفي موقع بديع " .
ولم يقل فرسكو بالدي أين كانت تقع هذه الدار من أحياء المدينة . والراحجح أنه لقى من القنصل ما أغضبه بدليل أنه كان يشير إليه بعبارات تدل على الاستياء فقد قال : " إنه - أي القنصل - كان فرنسويا وله زوجة مسيحية مولودة في بلد اسلامي والاثنان كلاهما لا دين له .
فعين لنا القنصل أربع غرف تطل على فناء ، وكانت الغرف فارغة من الأثاث فوضعنا فيها فراشنا للنوم وكان يقدم الينا الطعام ويتقاضي ثمنه وجبة بوجبة .
ثم رافقنا في ذهابنا إلي قناصل البندقية وجنومي وقطالونية حيث قدمنا إليهم ما معنا من كتب التوصية فاحتفوا بنا وأحسنوا لقيانا ومعاملتنا
ويقال إن في الإسكندرية ٦٠ ألفا من السكان المسلمين واليهود والمسيحيين ، وفيها اميرال وتثير من الجنود . ولو وقعت ابصارهم علينا ونحن نتأمل في حصونهم الجميلة جدا لأساءوا إلينا ، لأنهم يرتابون من الأفرنج ويخافونهم ولا يضمرون لهم اقل حب . وفي الإسكندرية فرقة جند مؤلفة من التتر والعرب والسوريين تعمل بقيادة الأميرال .
وفي الإسكندرية وإلى من قبل السلطان بسمونه ) لاملك ( ) لا شك في انه " نائب الملك " ( وهو امير ذو مقام عظيم وقد ذهبنا إلى قصره ، ولما بلغنا اعلي درجات السلم الجميلة طلبوا منا أن نخلع أحذيتنا ثم اقتادونا إلي قاعة كبيرة فامحقينا مرارا كثيرة أمام الوالي ، تخاطبنا بواسطة ترجمان ببعض عبارات الترحيب ووجه إلينا عدة أسئلة عن بلادنا .
ومدينة الإسكندرية واقعة على شاطئ البحر وهي
تقرب من فلورنسا في سمتها وتروج فيها مجارات كثير أخصها أصناف العطارة . والسكر والأقمشة الحريرية .
ومن عادات المسلمين أنهم يهتمون اهتماما كبيرا بتشييع جنازات الموتى إلي المقابر ، وهي خارج المدينة في واد قريب من الإسكندرية القديمة ، فإذا كان المتوفي مثريا ارسلت أسرته خلف جنازته خرافا كثيرة يجعلها الحمالون لذبحها وإطعام الفقراء والفقه . بلحمها
وحينما يصلي المسلمون في يوم الاثنين ) كذا ! ( وهو في اعتبارهم يومهم المقدس - يحبس جميع المسيحيين من الأفرنج في محل يدعى ) السكان ( ، ويسمى الرجل المكلف ) الكانتيار ( وهذا معناه اننا كلاب . أما المسيحيون الوطنيون فلا يحبسون غير انهم يقيمون في بيوتهم إلي أن يخرج المسلمون من معابدهم " .
تري أتلك سذاجة أم سوء نية أم كلاهما معا ؟ فان فراسكو بالدي يسمي المحل الذي يحبس فيه الأفرنج " الكان " وهي كلة تشبه كلة " كان " الإيطالية ومعناها " كلب " وما هو إلا " الخان " أو بعبارة أخري " محل الضيافة " وكذلك كلمة " الكانتياري " ومعناها في الإيطالية حارسو الكلاب فأطلقها فراسكو بالدي على جماعة الذين يكلفون البحث عن المسيحيين الافرنج بين الستين ألفا الساكنين في المدينة لحبسهم ، أما ما دعاه يوم الاثنين المقدس في كل أسبوع وقوله إن الله امر بتقديسه فتلك عادة لم يمارسها قط مسلمو الشرق الأوسط وما هي إلا خرافة صبيانية تخيلها رحالتنا الفلورنسي الظريف
ويحسن بنا هنا أن نعقد مقارنة بين فراسكو بالدي وابن بطوطة فيما عند كل منهما من قوة الملاحظة والقدرة على الوصف ، نعم إنهما يختلفان بعضهما عن بعض اختلافا بينا ، ولكن البلاد والأشياء التى شاهدها احدهما شاهدها الآخر بذاتها وفي وقت واحد تقريبا .
فمثلا لم يتجه التفات فراسكو بالدي في زيارته للأسكندرية إلا إلي موظفي الجمرك ومنزل قنصل الأفرنج
وقصر الوالي وجنازات الموتى ، أما مناظر المدينة وعماراتها فلم تثير اهتمامه ، ولم يشر اقل اشارة إلي منارتها ) فنارها ( الشهير ، وهو وان يكن متخربا ومهجورا لم يقل شيئا عن كونه مفخرة من مفاخرها
أما ابن بطوطة فانه على نيبض ذلك ، فقد اتحفنا بوصف اخاذ لهذا الأثر ، نعم إن ابن بطوطه زار الإسكندرية أول مرة سنة ١٣٢٦ ولم يكن قد لحق المنارة من الخراب ما شاهده هنا الرحالة الغرب في سنة ١٣٤٩ لما عرج على مصر للمرة الثالثة . وسواء أكان لا يزال قائما أم كان قد زال في سنة ١٣٨٤ اي بعد زيارة ابن بطوطة له بخمس وثلاثين سنة فان فرسكو بالدي جال في الإسكندرية ولم يخامره شك في أن وجود المنارة حديث خرافة
ولنعد إلي صاحبنا الفلورنسي ونقتف اثره في سفره إلي القاهرة قال : " سافرنا من الإسكندرية في ١٢ اكتوبر ودفعنا رسما قدره ٤ دوكات عن كل نفس وسلم وسلمونا إلى ترجمان
وابنه فذهبا بنا إلي شيخ تراجمة السلطان في بايلون ) القاهرة ( وهو مسيحي جاحد من البندقية .
وكنا أقلعنا في مركب لرجل مسلم سار بنا في قناة نيلية تبعد ميلا عن الإسكندرية ثم خرجنا من القناة إلى البر نفسه متجهين إلى جزيرة رشيد ورشيد هي الاسم الذي أطلقه فراسكو بالدي علي الدلتا كلها ؛ (
وأول قلعة بلا أسوار صادفناها هي قلعة سوجا ) هي بلا شك دسوق في مديرية الغربية ( ، وهذه الجزيرة كانت بين فرعي النيل وفيها مدينة دمياط وهي تبلغ ضعفي الإسكندرية في المساحة . وفيما نحن سائرون وجدنا مدينة خربة تقريبا ولكنها كانت مدينة عظيمة وغنية في أيام المسيحيين ) يقصد الصليبين ( وكانت تدعي حينئذ كما تدعي اليوم " بنورجيا " .
وقد أخطأ فرسكو بالدي إذ جعل موضع " تروجه " قريبا من دمياط ، والصواب ان كوم تروجه قريب من دسوق لا من دمياط

