ثم قال فرانسكوبالدي :
" وفي المساء نزلنا في خان قريب جدا من جارزيا ( غزة ) القائمة بين مصر والأرض المقدسة
وفي هذه الجهة " لا ملك " ( أمير ) تحت سلطنه اربعة آخرون أحدهم امير القدس . وأنا وصلنا إلى المدينة انزلونا في فندق في مدخلها وأغفلونا فيه عدة أيام لقينا فيها غير قليل من الإهانات وأخيرا دعانا اللاملك ( الأمير ) إلي لقائه ، ولما اقبلنا عليه احنينا مرارا إلي الأرض علامة الاحترام ، قبل ان نتكلم مع هذا العظيم بوساطة الترجمان ، ثم بعث بنا إلي القاضي . فلما ذهبنا إليه اهدي إلينا فاكهة وخضرا وحلوى منوعة الأصناف .
" وفي ٢٠ نوفمبر غادرنا جارزيا ( غزة ) متجهين إلي ارض الموعد بطريق وادي ابور ( حيرون ) حيث توجد الآن مدينة إبراهيم الخليل تاركين إلي يسارنا مدينة رامة ( رام الله )
" والأولى وهي حيرون مدينة جميلة والمقاطمة نفسها جميلة كذلك ويحترم المسيحيون والمسلمون واليهود على السواء هذا الوضع ، وفيه كثير من أنواع التجارة وتصنع فيه مصنوعات زجاجية جميلة
" وفي مدينة حيرون مسجد كان في سالف الزمان كنيسة ، وفي الحائط الذي كان فيه الهيكل الكبير ضريح ، يرى جانب منه من خارج المسجد ويرى الجزء البارز من داخله "
وهنا كشف لما فرسكوبالدي عن امر غريب يجهله كافة المسلمين في جميع عصور التاريخ بقوله :
" إن المسيحيين لا يجوز لهم دخول هذا المسجد ولا أي مسجد آخر لأن الذي يدخله منهم يجير على إنكار دينه وإلا عوقب بشقه نصفين من وسطه " .
ولا يخفى أن المسلمين لم يطلبوا قط لا من المسيحيين ولا من اليهود ان يكفروا بدينهم قوة واقتدارا ، لأن الإسلام يحرم الاكراه في الدين . ومعنى هذا انه لم يجبر غير مسلم على إنكار دينه إذا دخل مسجدا ، وبالتالي لم يحدث " ان أحدا شق نصفين من وسطه . ففي هذه الفقرة الغربية التي جاءنا بها فرسكو بالدي من السخف ما يغني عن التعليق عليها فلنمر بها مر الكرام .
وعاد بعد ذلك فقال :
" وفي هذا الضريح رفات ادم وإبراهيم واسحاق ويعقوب . وإلى جانب الضريح ضريح آخر دفنت فيه أزواج هؤلاء الأربعة .
" وفي ضريح الآباء المشار إليهم قناديل تضاء بالزيت ، يأخذ منها الناس زينا يتبرك به المسيحيون واليهود والمسلمون ، وله عندهم اعتبار عظيم وقد أعطونا قليلا منه "
والآن قد بلغ سائحنا القلورنسي أرض الموعد سالما هو وجميع الذين معه لم ينقص منهم احد ولم يصادفهم عائق ما
وهنا قال :
" وسافرنا في ٢١ نوفمبر إلي بيت لحم ورأينا بالقرب منها مسجدا كان من قبل كنيسة ، والمدينة خربة تقريبا
" وفي ٢٢ نوفمبر واصلنا السير إلي القدس فبلغناها في اليوم نفسه وفي ساعة متأخرة من الليل ، ونزلنا في فندق ينزل فيه عادة الحجاج الأفرنج ، وهذا الفندق قريب من القبر المقدس
" وفي اليوم التالي ( 23 نوفمبر ) زرنا الاماكن المقدسة ومكثنا في القدس إلي ٢٥ منه . وفي نصف ليل ٢٦ نوفمبر سنة ١٣٨٤ غادرنا القدس ذاهبين إلي نهر الاردن و مررنا في طريقنا ببيت عنيا وبيت قاجي . وفي الليلة التالية ( ٢٧ منه ) انخنا ركابنا بين ايبحا وبيت عنيا وذهبنا جميعا لنستحم في نهر الاردن . وبين هذا النهر ومصبه في البحر الميت اربعة اميال . وتري ماء الاردن بسيل مسافة طويلة في البحر الميت قبل ان يختلط " ويشبه هذا البحر مستنقعا كبيرا لا يري في جوفه نوع من أنواع السمك ولا يسبح على سطحه سابح من السفن
" وعدنا إلي اريحا لأن ريفها غاية في جمال المنظر وهو زاخر بمزارع قصب السكر والنخيل وسواء من شجر الفاكهة غير ان الأهلين اردياء جدا وذو طبائع شريرة ؟
" وبعد ذلك رجعنا إلي القدس بطريق الجبل الأربعين سارين ببيت عنيا وبيت قاجي ووادي بهوشا قاط . وفي يوم ٢٨ من هذا الشهر ذهبنا إلي بيت لحم مرة اخري وفي اليوم التالي زرنا بيت القديس زكريا أبي القديس يوحنا المعمدان
" ثم جلنا جولة ثانية في القدس وغادرناها في اليوم الثاني ( ٢ ديسمبر ) ميممين شطر دمشق فبلغنا نابلس في ثاني يوم رحيلنا وهي قلعة عظيمة في السامرة
" وفي صباح اليوم التالي وصلنا إلي السامرة ومن هناك ذهبنا إلى الناصرة . وكانت الناصرة قديما مدينة عظيمة جدا ، أما اليوم فانها بلدة حقيرة وليس لها من الأسوار ما لمعظم المدن الوثينة .
( وكلمة " الوثينة " أطلقها فرسكو بالدي بصفة عامة على الإسلام ) . ثم قال :
" أما قيصرية فيلبس ( بانياس ) فانها قلعة ذات برج . ولكن لا أسوار لها ، ويعاني الناس فيها قلة وجود الماء فالمقام فيها كريه .
" وهناك زافات ( صفد ) وهي قلعة أخري كبيرة ومنيعة ولها اسوار متينة . وهذه الأسوار بناها المسيحيون ( يقصد الصليبين ) لما امتلكوا البلاد . وتشرف هذه القلعة علي جيع ولاية طبرية اي علي الخليل وعلى جانب من سورا حتى دمشق وعكا .
" وفي مساء ٨ ديسمبر سنة ١٣٨١ وصلنا إلي دمشق ، وهذه المدينة تحيط بها الأسوار . غير ان خنادق الاستحكامات لا توجد الا في بضعة مواضع منها
" وأرباض دمشق زاهرة وفيها من السكان اكثر مما في المدينة نفسها "
وحدث في اثناء إقامة فرسكو بالدي في دمشق ان قافلة للحجاج سافرت إلي مكة فلم يدع سائحنا الفلورنسي هذه الفرصة نفوته وردد الاسطورة الغربية التى كانت شائعة
في القرون الوسطى عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة لا في مكة كما ظن فرسكو بالدي وكتب يقول :
" سافر نحو ٢٠ ألف نفس من دمشق إلي مكة حيث مثوي رفات محمد في صندوق من الحديد ، وكانت شوارع المدينة غاصة بالخلائق يوم سفرها حتى خيل إلى انه لم يبق فيها أحد لم يسافر
" وفي مدينة دمشق مياه عذبة غزيرة تأتيها من عدة مواضع ولا سيما من جوانب الجبل الذي يقال إن قابيل قتل فيه أخاه هابيل
" ولبثنا في دمشق قرابة شهر كنا فيه موضع الحفاوة من جانب جماعة مقيمين فيها من أهل البندقية وقطالونية ومن جانب قناصلهم
وهنا أصيب رفيقنا الثالث أنوريا فرنسكودي جنوتشيني بحمي من الحميات ( قد تكون حمي تيقوئيد وربما كانت انفلونزا بسيطة لأنه يقول إنها مصحوبة بزكام ) وتوفي وأصيب بهذه الحمي عينها أحد الخدم
" وعلي أثر ذلك برحنا دمشق في صباح يوم ٢٩ يناير سنة 1385 ووجهتنا جبل لبنان
" وفي شمال لبنان مدينة طرابلس ، والمدن الواقعة علي الساحل موانيء حسنة جدا
وسافرنا من وادي نوح إلي بيروت وصعدنا في جبال وعرة المسالك تشبه تقريبا جبال الألب عندنا ، ويكسو الثلج قمتها السنة بطولها ، وفيها اشحار من نوع البلوطو ( يقصد فرسكو بالدي بها أرز لبنان
وفي سفح الجبل في طريق بيروت غابة كبيرة جدا من اشجار الصنوبر كتابات رافين Ravenne وكياسي Chiassi وتزرع الأراضي هناك علي النحو الذي تزرع به ارض بلادنا
" ووصلنا إلي بيروت في أول الصوم الكبير ، وفيها صرح جميل وقلبة تحيط بها أسوار عالية وتقيم فيها حامية قوية وماء البحر يصل إلى أسوار القلعة . والمدينة ميناء حسن
والبلاد خصبة وغنية وتنتج مقادير وافرة من القطن . " ونزلنا في بيروت في كنيسة دعانا إلي الإقامة فيها قنصل البندقية وهي باسم المخلص
" والتقينا في هذه المدينة بالسيو دي سنتي ، وعقدنا معه آصرة المعرفة ، وكان قادما من مملكة فرنسا ليحج إلي الأرض المقدسة وبصحب هذا الشريف الدوق دنجو Due dAnjou من مملكة بري "
" وأبحرنا من بيروت بسفينة شراعية من سفن البندقية في شهر مايو وكانت الريح موافقة ، غير اننا لما وصلنا إلي خليج ستاليا هبت علينا زوابع وأعاصير القفت بسفينتنا قطيا كثيرا ، فتركناها وانتقلنا إلى سفينة شراعية اخري في برباري وكنا غير بعيدين عن البر ، وبعد ما قطعنا اكثر من ٨٠٠ ميل في رياح هوجاء عاصفة اعتدل الجو وندنا إلي الطريق القويم شيئا فشيئا ، وكنا قد قضينا اربعة عشر يوما ونحن بين السماء والماء ثم اهتدينا إلي طريقنا ، وصارت جزيرة قبرص إلي يميننا فمرجنا عليها لنتزود بالماء والمؤونة ، ثم واصلنا السفر وسرنا تاركين كنديا ( كربت ) إلي اليمين وبفضل الرياح المرفقة وصلنا بحمد الله إلي البندقية فاستقبلونا فيها أعظم استقبال . وأديت لنا مأدبة مشاء حافلة حضرها الدوج رئيس الجمهورية وبالغ في اكرامنا
" وبعد يا قضينا في البندقية ثمانية أيام نشهد الولائم والحفلات التي اقامها لنا كبراؤها عدنا إلي فلورنسا بطريق بولونيا واكتحلت عيوننا برؤية عائلاتنا بعد غيبة دامت أحد عشر شهرا ونصف شهر "
هذه رحلة السائح الفلورنسي العجيب ، وهي تطلعنا على ناحية من عقلية أهل اوربا في تلك العصور البعيدة ، إذ كانوا ينظرون إلي الشرق نظرة أقل ما توصف به انها كانت نظرة ساذجة بعيدة عن ادراك الحقائق . فأقل مقارنة بين هذا السائح وبين الرحالة المسلم ابن بطوطة تظهر لنا الفرق الشاسع بين العقليتين

