الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

رحلتي الى المغرب الاقصى

Share

لم أكد انتهي في أواخر الاسبوع الثالث في شهر جوان من سلسلة المحن المرهقة التي يمتحن بها التلاميذ والاساتذة معا في خاتمة كل سنة دراسية - حتى فاجأتني برقية لم أكن لانتظر ألذ منها خبرا ، ولا أحلى ، ولا اقدر على بعث الطرب في النفس ، والحماسة في القلب ، والتشوف في الفكر ...

هي دعوة من وزارة الشباب المغربي لزيارة رباط الفتح ولرئاسة لجنة تحكيم ألفتها لتوزيع جوائز مالية بين الفرق الناجحة في مباراة شارك فيها مختلف فرق " هواة المسرح " بالمغرب الاقصى ، تشجيعا للفن . واحياء لضرب من اروع ضروب التعبير عن الوان الحق والخير والجمال ، وتوفيرا لاسباب هي من أقوى اسباب تزكية العواطف . وصقل الاذهان ، وتصفية الحواس ، وتشذيب الاذواق في الافراد والجماعات معاً ...

ولم تمر بضع ساعات حتى ذللت لي وزارة المعارف ووزارة الشؤون الخارجية التونسية جميع العقبات المادية : فجدد لي جواز السفر ، وحجز المكان بالطائرة ... وكان الانطلاق نحو المغرب الاقصى ... قبيل زوال يوم الثلاثاء في التاسع عشر من شهر جوان ...

ولا تسل عما كان يزدحم بالنفس من صنوف العواطف والاحاسيس ولا عما كان ينقدح بالخاطر من أنواع الاخيلة والفكر ...

فقد كانت الطائرة تفري الاجواء بقوة محركاتها ، خارقة من آن لآخر ما كان متراكما بها من السحب البيضاء ، مشرفة حينا على اخاديد الارض ، وحينا على زبد امواج البحر ، وحينا على صخور السواحل وعلى رؤوسها وخلجانها ... اما النفس فانها كانت تطوى مسافات أخر ، وتطل على مناظر اخر !...

فقد عادت الى عهد بعيد قريب كنت فيه طالبا بباريس اختلف لجامعتها لتغذية الفكر والقلب بدروس فلسفاتها وعلومها وآدابها واختلف لمذياعها اعمل به سويعات في اليوم مقابل بضعة آلاف فرنك في الشهر لتذليل صعاب الحياة وسد

ضروري الحاجات ... وكنت فيه أجتمع باجواني طلبة " المغرب العربي الكبير " من تونسيين ، وجزائريين ، ومغاربة فنتبادل الاحاديث ، والآراء ، والخواطر ، حول ما كان يوحد بيننا من شؤون ، ومن مشاكل ، ومن ادوار ، ومن مخاوف ومن آمال ...

ولئن كنا فقراء الجيوب ، نعرف من العسر ألوانا ، ومن ضيق الحال اشكالا فقد كنا جميعا اثرياء نخوة ، وعزما ، وتحديا !...

وكان كفرنا جميعا بكل ما يبذل النفوس ، ويشتت القلوب . ويخمج الضمائر على قدر ايماننا بالايمان الذي يقلقل الجبال ، وبالروح الذي يحرك الجماد ، وبالنار التى تذيب الحواجز والسدود ، وبالفكر الذي ينير اعماق الظلام ...

عادت النفس الى ذلك العهد ، والى اشخاصه ، والى شواغله ، والى مثله ، والى أجوائه المعنوية لان دعوة وزارة الشباب المغربي ليست هي الا " عبارة " من عبارات تلك الشواغل ، والمثل ، والاجواء المعنوية . وليست هي الا " اشارة " من اشارات " البعث " الذي كنا نؤمن بانبلاج صبحة فكنا نسعى لتوفير اسبابه ، ونستعد للاضطلاع باعباء مسؤولياته الشريفة بما كنا نبذل من جهذ هو الصدق - في سيل مقاومة النفس ، والصبر على الحرمان ، والمثابرة على العمل المنقذ في نطاق الاخلاص لاعز المشاعر ..

عادت النفس لذلك العهد ، ولاشخاصه ، ولمثله ، ولاجوائه المعنوية ، لان بعض ما كنا نطمح اليها من اعماق نفوسنا الجاحمة قد تحقق منذ ان تم تقويض نظام جائر فكان بعض النصر لعين تلك المثل ، ولعين تلك الاجواء المعنوية : فها هو ذا الاستقلال ينشر ظلال عزته وكرامته بطرفي جبل الاطلس وها هي ذي صلات التعاون والتضامن تربط من جديد بين جناحي المغرب العربي الكبير ... وها هي ذى الجزائر تنتفض انتضافتها لتظفر بالنجاة من وراء بطولة المغامرات مثلما انتفضت تونس ومثلما انتفض المغرب الاقصى من قبل وظفرا بالنجاة !...

عادت النفس لذلك العهد ، ولاشخاصه ولمثلة ولاجوائه المعنوية لان الخطوط ابت الى ان تتيح لي ان اشاهد - لاول مرة - المغرب الاقصى بالعيان بعد ان كان يملأ القلب بخواطر ابنائه ، وباشواق ابنائه واحلام ابنائه ...

فكانت النفس تنبش ذكريات الماضي وتسائل نفسها : " ترى ما فعل الابناء ما هم فاعلون - بتلك الخواطر ، وبتلك الاشواق ، وبتلك الاحلام ؟ اتراهم سيحظون بالتوفيق في " الجهاد الأكبر " مثلما حظوا بالتوفيق في " الجهاد الاصغر " ؟

... وتومض في النفس - بروقا لامعة - قضايا جدلنا المحتدم ومناقشاتنا المتحمسة وترن في الاذن كلمات كنا نعرب بها عن محاوفنا :

" نحن نؤمن بانه في الامكان ان نتغلب باتحادنا وتكتلنا على النظام الجائر الذي يخنق انفاسنا ، ويسد امامنا الآفاق ، ويضيق علينا مجال التفكير والاحساس والعمل ، ولكن هل ترانا محافظين - بعد النصر - على ذلك الاتحاد وذلك التكتل ؟ اترانا لن نتقلب حربا بعضنا على بعض ؟ اترانا موفقين الى تقديم المصلحة الوطنية العليا دائما على المصالح الفردية والطائفية مهما تكن ؟ "

ويتنازع النفس ما كان يتنازعها في باريس من دواعي الشك والايمان والخوف والرجاء . والقلق والاطمئنان !..

كانت النفس آهلة بمثل هذه الخواطر المستعرة فتذهل عن الطائرة وعمن فيها حينا وتستفيق حينا آخر فتطل على رائع المناظر الطبيعية ، فتبدو لك الاخاديد الجبلية فتخالها فوهات براكين لحمرتها وتقطبها وتجعدها في بعض الجهات ، وتبدو لك الوديان المخضرة والسهول الخصبة تمتد ما امتد الطرف في بعض الجهات الاخرى .. .

ثم فجاءة ادا بصوت ناعم يرن كالجرس الفضي ... صوت حسناء الطائرة ينبئ بقرب الوصول الى الدار البيضاء ... والوح بالنظر خلال النافذة فاشاهد منظرا عجيبا ساحرا : تموجات بيضاء يخالها الرائي امواج بحر يعلوه الزبد .

- اهو المحيط الاطلسي ؟ - لا هو حاجز كثيف من سحب بيضاء ، ناعمة كالقطن تراكمت امواجها فوق المدينة فحجبتها بحجبها ...

وتندفع الطائرة وسط هذا الحاجز الابيض القطني المتموج فتحرقه نازلة الى الارض : وادا بالدار البيضاء تحت اقدامها !...

... ولم اخرج من المطار حتى وجدت سيارة بها شابان مغربيان من موظفى وزارة الشباب في انتظاري : هما الاخ عبد الله العلوي والاخ محمد زنيبر . فامتطينا السيارة وقصدنا حالا رباط الفتح . . .

ولم تتبادل بعض الكلمات في السيارة حتى احست احساسا قويا بان " الواقع

المغربي " يتلقفني ويهزنى هزا ، واسلم عنان النفس للمغامرة الجديدة ، واذا بي تقلب " حواس مفتوحة " تريد ان تتحسس كل شئ ، وان تشم كل شيء ، وان " تعقل " كل شيء ، وتتطلع الى ان تنفذ لصميم حيوية شعب يستفيق ، وينشد البعث ، وتحرص على ان تكشف عن اهم القوى الانسانية والنزعات الفكرية ، والاتجاهات الوجدانية التي تهيمن على سير الاحداث ، متساندة بانية او متصارعة هدامة ، متحدة صاعدة او مشتتة نازلة !

وليس همي ان احشر في زمرة المتفائلين او في زمرة المتشائمين . وانما همي ان اهتدي الى اسرار " الواقع " كما هو في سكونه او في حركته ، في امتداده او في تقلصه ، في غفلته او في يقظته وانما همي ان اغوص على الدواعي التي تحمل " الفكر الواعي " على التفاؤل او التشاؤم !

وهل التفاؤل والتشاؤم سوى موقفين يقفهما الفكر من الواقع ومن الارادات البشرية في اقتدارها على تصريف شؤونه او في عجزها عن تغيير مجارية ؟ هل التفاؤل والتشاؤم سوى العطف على الواقع بعين الايمان بالخلق او بعين الشك في امكانه ؟

بالرغم من اني لم امكث بالمغرب الاقصى الا ثمانية ايام فالاحساس القوي الذي استحوذ على مشاعري يمكن الاعراب عنه بعبارة وحيزة : هي الامكانيات الخارقة للعادة التي تطالعك من ذلك القطر الكبير الرائع : إمكانيات مادية . امكانيات انسانية .

وانه ليمكن لك ان تفول جازما بان المغرب الاقصى في امكانه ان يصير دولة من " الدول العظمى " في بعض سنين ان استطاع قادته والساهرون على شؤونه ان ينفخوا في " ثروته المادية " روح " ثروته الانسانية " !

ولست انكر ان المغرب الاقصى بواجه مشاكل جسيمة في جميع الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والروحية من جنس ما نجابه بتونس من المشاكل .

لست اشك في ان الصراع سيكون عنيفا بين " قوى الامس " و " قوى اليوم . . " لست اشك في ان هنالك قوى هدامة يمكن ان تؤخر وتعطل الى حين حركة " البعث المغربي " ...

وانما الذي اومن به هو ان " المنجم الانساني " بالمغرب الاقصى من أثرى المناجم ...

تجلى لي هذا في الجماهير المتحمسة باصدق الوان الحماسة التي استرجعت عزتها وكرامتها .

تجلى لي هذا في الشبيبة المغربية وفي تدفق حيويتها . . تجلى لي هذا في فرق كشافتها المنظمة محكم التنظيم يوم اسعفني الحظ بان احضر احتفالها البديع بعد تاسيسها بمدينة مكناس ..

تجلى لي هذا في الفرق المسرحية التي شاهدتها برباط الفتح وخاصة في " فرقة الطالب " التي احرزت على الجائزة الاولى وفي فرقة " الحجرة السوداء " التي احرزت على الجائزة الثالثة وعلى جائزة التاليف المسرحي بتاليفها رواية " خادم الشيطان " وهي رواية اعتبرها فتحا مبينا في التاليف المسرحي الشعبي وتستحق ان نفرد لها فصلا لتحليلها وتحليل موضوعها وفنها !..

وبعد فهل يمكن لي ان اختم هذه السطور دون ان احيي " الروح " التي شاهدتها لدى وزير الشباب المغربي السيد احمد بن سودة ولدى مدير ديوانه السيد الحاج محمد بن جلون ولدى الملحق الثقافي بالديوان السيد المصطفى الغرباوي ولدى مساعديه كافة ؟

وبالرغم من اني قضيت بينهم اياما اعدها حقا من اسعد الايام لما عرفت اثناءها من اصدق الوان الاخوة والمودة والاريحية فلست اريد ان اعرب لهم عن الشكر الشخصي ولا ان اوجه لهم تحياتي الشخصية .

وانما الذي احرص عليه هو ان انوه بما الفتيه فيهم جميعا من العطف العميق على المغرب وعلى شعب المغرب وعلى شباب المغرب وعلى طفولة المغرب .

وانما الذي اريد ان اعرب عنه هو ما اشعر به نحوهم من الاعجاب الذي لا حد له لما شاهدته فيهم من الغيرة على المباديء وعلى المصالح العليا دون المصالح الفردية او الطائفية مهما تكن ...

رافقت وزير الشباب الى مكناس فشاهدته عاطفا على الطفولة ، مدشنا مشاريعها ، محصيا حاجاتها ، مخاطبا بلغة هي الحب النير شباب المغرب ، معربا له عن آمالة وعن آمال المغرب فيهم فكان المثل الحي للوطنية البصيرة والنموذج الرائع للانسانية المغربية الجديدة بما تمتاز به من تواضع ومن بساطة ومن لطف ومن حزم !

وعلى ذكر الحزم فهاك قصة الختام : انتهينا من توزيع الجوائز بين فرق هواة المسرح على الساعة الواحدة بعد منتصف الليل .

وكان يجب علي ان التحق بالدار البيضاء حالا كي اركب الطائرة على الساعة السابعة صباحا .

فأبى مدير الديوان السيد الحاج محمد بن جلون الا ان يشيعني على سيارته . ولما وصلنا الى الدار البيضاء تجولنا بشوارعها وزرنا مسجدها الرائع ودار الباشا فدام تجوالنا الى الساعة الثالثة صباحا ...

ولما انتهينا الى النزل ودعني وقال : موعدنا الساعة السادسة والنصف بالمطار ؛ فألححت عليه الا يفعل .

وبعد ان استرحت قليلا قصدت المطار فوجدت ان مكاني بالطائرة قد ألغي بدعوى أنه لم يحجز الا بشرط ان يتخلف بعض المسافرين .

فندمت على ما كان مني إذ ألححت على مدير الديوان حتى لا يرافقني الى المطار . وأيأست من الوصول الى تونس قبل خاتمة السنة المدرسية مثلما يقتضيه القانون المدرسي عندما شاهدت الطائرة تستعد للانطلاق من دوني ...

... ونظرت لباب المحطة إذ سمعت محرك سيارة ... فإذا به مدير الديوان يجري لتوديعي ...

ولما علم بأمري صاح بمدير شركة " اير فرنس " ... " لن تبارح الطائرة المطار قبل ان يركبها الاستاذ ... "

مكانه وقع حجزه بتسخير حكومي ... ولم تمر بضع دقائق حتى كنت على متن الطائرة ...

الا تطمئن معي على مستقبل المغرب امام مثل هذا الحزم ؟

اشترك في نشرتنا البريدية