الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 406الرجوع إلى "الثقافة"

ردار الوطواط، ورادار الإنسان

Share

قام spallanzaniبالتجربة الأولى لطيران الوطواط سنة١٧٩٤ومنذ ذلك التاريخ حاول الباحثون تفسير قدرة الوطواط على الطيران في الظلام الحالك دون أي حادث . وقد اكتشف رادار الوطواط العالمان dr robert  galambos donald griffin بعد تجارب أجرياها  في جامعة هارفارد بأمريكا أدت إلى أن الوطواط لا يعتمد على بصره لتجنب الاصطدام بالأشياء التي تقابله أثناء  طيرانه فالوطواط إذا حجبت عيناه بغطاء يطير كما لو كان

مبصرا ، ولو سدت آذان الوطواط او كمم فمه اصطدم بالعقبات التى تقابله وبالأشياء التى تصادفه اثناء طيرانه كالأشجار العالية مثلا ؛ وعلى ذلك فلا بد انه لكي يستدل الوطواط على ما سيقابله في طريقه أن يسمع شيئا فما هو ؟

وبما أن الوطواط يحاول فتح فمه أثناء طيرانه إذا كممناه فمن الواضح أنه يسمع صوتا يخرج منه نفسه اطلق جريفين وزميله الوطاويط في المعمل واستعملا جهاز sound detection apparatus هذا الجهاز يحول الموجات الصوتية غير المسموعة إلي موجات مسموعة .

فأصدر الجهاز أصواتا عالية سريعة ، واستمرت هذه الأصوات طالما بقى آخر وطواط طائرا في المعمل ، وانقطت عندما انقطع آخر وطواط عن الطيران . وقد استنتج العالمان من ذلك أن الوطواط يصدر أصواتا أثناء طيرانه لا تستطيع أذن الإنسان أن تسمعها لشدتها أو لحدتها

وقد توصل العالمان المذكوران إلي تفسير الطيران الأعمى blind flying للوطواط .

يرسل الوطواط إشارات عندما يتأهب للطيران . . وما هذه الإشارات إلا صرخات متتابعة عالية أو فوق حادة

تخرج الصرخات الأولى بسرعة بطيئة أقل من ١٠ صرخات في الثانية ، وتزيد سرعة صرخاته كلما انساب في الجو إلى ان تثبت على سرعة ٣٠ صرخة في الثانية ، وعندما يسمع الوطواط صدى ضعيفا لصرخاته يعود إليه يزيد توا من عدد صرخاته فيطلق بمعدل ٥٠ صرخة في الثانية

ولا شك أن زيادة الصوت المنطلق تزيد من قوة الصدي الراجع . ويهديه هذا الصدى إلى موقع الأشياء التي أمامه فيغير اتجاهه حتي يضعف الصدى الذي يسمعه ثم يتلاشي تماما

وبعد أن يتخطى الشجرة التي أمامه أو أسلاك البرق أو التلال أو أبراج المباني المرتفعة تقل صرخاته إلي ٣٠ صرخة في الثانية وهو العدد المعتاد إطلاقه أثناء الطيران .

فإذا كان للوطواط صرخات عالية مستمرة يطلقها باستمرار أثناء طيرانه فلماذا لا نسمعها عندما يقترب من رؤوسنا أو يقتحم علينا النوافذ فى الحجرات ؟ . . وهذا

يرجع إلى تذبذب موجات الصرخة الصوتية أو بالأحرى إلى التردد frequency فموجات إشارات الوطواط الصوتية تقع ذبذبتها فى نطاق ٥٠,٠٠٠ ذبذبة فى الثانية ويسمع الإنسان الصوت الذى ذبذبته تقع فى نطاق ٢٠ - ٢٠,٠٠٠ ذبذبة فى الثانية ، والكلب والقط فى حوالى ٣٥,٠٠٠  ذبذبة ، والفأر ٤٠,٠٠٠ ذبذبة ، والوطواط فى ٩٨,٠٠٠ ذبذبة وربما أكثر وهو فى ذلك يفوق جميع الثدييات . .

وليست الوطاويط معدة لسمع إشاراتها الخاصة فقط وإنما لها حنجرة غير عادية لإصدار هذه الأصوات ذات الذبذبات العالية ، وقد اندهش علماء التشريح للنمو العظيم الذى يحدث فى حنجرة الوطواط إذ تملأ الحنجرة فى أحد الأنواع الإفريقية ثلث تجويف جسم الوطواط . . وفى جميع الوطاويط تكون الأحبال الصوتية قصيرة وسميكة ، ويتصل بالحنجرة عضلات قوية وبنظام يوقع شدا عظيما على الأحبال الصوتية .

ولا تنحصر أهمية الرادار للوطواط فى أن نصون حياته الفردية من الهلاك نتيجة التخبط فى الظلام إذ أن الوطواط لا يبحث عن غذائه إلا ليلا ، ويتغذى على الحشرات التى يصطادها على جناحه ثم يلتف ويدور حولها فى حركات معقدة يؤديها على الرغم من صعوبتها بمهارة فائقة . وتقوم بعض الوطاويط التى تعيش فى الغابات باصطياد فريستها بين الأشجار الكثيفة وفى كل هذه الظروف بظهر الرادار أهميته للوطواط .

وتتجلى أهميته مرة ثانية عندما تحمل الأم أولادها الصغار فى أيام حياتهم الأولى ، وتمسك الصغار فى فراء أمها بالأسنان وبالمخالب وترافقها فى طيرانها الليلى عندما تبحث

عن غذائها . . ففى هذه الفترة . . أى بعد الولادة لا تنحصر أهمية الرادار فى سلامة الوطواط فقط وإنما تتعداها إلى سلامة الصغار .

وعندما تنقل الصغار ويعجزها كبر حجمها من التعلق بثبات بأمها تترك الأم صغارها فى كهفها الذى تعيش فيه بعد أن تعلقها على حائط الكهف كما يعلق الوطواط الكبير نفسه بمخالب أرجله وتذهب الأم وحدها للصيد . .

ويستعمل الوطواط الذى يعيش فى أحجار فى الأرض الرادار كثيرا لدخول بيته والخروج منه ، إذ عليه قبل أن يصل إليه أن يجتاز دهاليز كثيرة ملتوية وطويلة وشديدة الإظلام . . .

هذا هو رادار الوطواط وأهميته للوطواط كبيرة ، أما الرادار الذى اخترعه الإنسان فيدل على الطائرات أو الأشياء الأخرى التى استحدثها العلم وهى طائرة فى السماء مقتربة من المدن المأهولة لتنزل بها الخراب .

يستدل الرادار على هذه الأشياء بإرسال موجات لاسلكية متتابعة عالية التردد ( شديدة التذبذب ) تصطدم بأى شئ يقابلها فى السماء فيرتد صداها راجما . . كذلك الوطواط يرسل صرخات عالية بدلا من الموجات اللاسلكية وهذه الصرخات لا يميزها الإنسان لشدة ذبدبة موجاتها وربما لا تميزها الكائنات الأخرى ما عدا الوطواط نفسه . وعند ما تصطدم موجات هذه الصرخات بأى شئ فى

طريقها سواء كان ضخما كالتل أو رفيعا كأسلاك البرق تنعكس وتعود إلى أذن الوطواط الحادة ، ويحذره الصدى فيبتعد قبل أن يصطدم ويغير طريقه . . نخرج من ذلك إلى أن الرادارين . رادار الإنسان ورادار الوطواط فكرتهما واحدة ، ولكن الطريف أن الوطواط عرف راداره قبل أن يعرف الإنسان راداره بمدة ٦٠ مليون سنة على الأقل. وإليك البيان : تدل الحفريات التى نعثر عليها فى طبقات الأرض على تطور الحيوانات المختلفة والأطوار التى مرت بها حتى وصلت إلى شكلها الحالى ، ولكنها تقصر عن رسم صورة لتطور الوطاويط ؛ إذ تطابق أقدم حفرية وجدت للآن الوطاويط الموجودة الآن ولاتساعدنا مطلقا فى التعرف على الوطاويط القديمة أو الأشكال التى كانت عليها أسلاف الوطاويط الحالية . فقد عاش أول وطواط فى العصر

Eocene وهى الفترة الغريبة التى مضى عليها ٦٠ مليون سنة عندما كانت النباتات الاستوائية تنمو فى ألاسكا .

ويقول العلماء إن أسلاف الوطاويط كانت تشبه الثدييات آكلة الحشرات Strew lika وكانت تتسلق الأشجار ولا تستطيع الطيران ، وأخذت هذه الوطاويط القديمة تتعلم أولا القفز من شجرة لشجرة ثم التزحلق من قمة الشجرة إلى الأرض ثم الانسياب فى الفراغات الهوائية التى توجد بين أفرع الأشجار . ولابد أن تكون قد اكتسبت أثناء نمو أجنحتها الجلدية وتطورها القدرة الطبيعية الخاصة لجمل الطيران الليلى مأمونا ، ولابد أنه كان هناك إخفاق أدى إلى الموت أثناء المحاولات الأولى ولنعلم الآن أن الوطاويط القديمة التى نجحت لأول مرة استعملت الرادار قبل الإنسان بملايين السنين .

عن مجلة Osa

اشترك في نشرتنا البريدية