الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333الرجوع إلى "الثقافة"

رد على تعليق، الأدب فى السودان . . .

Share

تفضلت الثقافة - تشجيعا منها - ونشرت لنا كلمة أردنا منها أن نعطى قراء العربية إلمامة يسيرة عن الحياة الأدبية في بلد نعزه ونكبره ونتمنى أن يشارك فى التراث الإنسانى بنصيب ، وتحدثنا عن التطور التاريخى لمصر الجنوبية معلنين أن القاضى يعمل عمله في سير الأمم والجماعات ، وان الأسس يحركنا نحو غاباتنا ومثلنا العليا من غير أن نكون شاعرين بهذا إلى حد كبير .

كانت تلك الكلمة المتواضعة مثار تعليق من الأديب محمد عبد الماجد ، الذى تفضلت الثقافة أيضا ونشرت له كلمته في العدد ٢٩٤ ، والتى جاء فيها . أن الأساتذة عبد الله عبد الرحمن ، وعبد الله البنا ، وعبد الله حسن كردى ، لا يفوتهم يوم تعليم لا يقولون فيه ، أو مهرجان أدبى يقفون على منبره ، أو مسابقة شعرية لا يشتر كون فيها وكأنه أراد بهذا أن يثبت أنهم شعراء يجددون بكل ما فى هذه الكلمة من معنى . ولكنا حينما تعرضنا لذكر أسمائهم إما أردنا أن ندل بادىء ذي بدء على أنهم شعراء ، واعترفنا بأنهم مثقفون وأخذوا من الحياة بنصيب وإن كانوا لم يجددوا في موضوعاتهم الشعرية بما يجارى هذه الحياة . . .

والموازنة لا تصح إلا بين أفراد تعاصروا سويا فى الزمان ومرت عليهم أحداث من الثقافة والتجربة متماثلة . وقد كانت هذه الموازنة تصدق على وجهها الصحيح إذا ما جئنا بذكر شاعر عاش مع هؤلاء ، فكان علينا أن نعرف الأستاذ صالح عبد القادر الذى عاصرهم في العهد القديم ثم ما زال معهم في ركب الحياة وإن كان يذمهم بتجديده كما ذكرنا في تلك الكلمة ، ومبلغ التحديد عند

الأستاذ صالح أنه قال قبل عشرين عاما :

اسكب الراح وناول من طلب   وادر كاسك فالدنيا طرب

ما علينا إن شربناها وقد         كتب الله علينا ما كتب

وأنت إذا استقصيت ما قاله الأساتذة الآخرون فانك لن تجد بساطة فى التعبير ، وخفة فى أداء المعانى ، وجمالا فى نقل الصور النفسية إلى دنيا الواقع الملموس مثل ما تجدها فى هذين البيتين ، وفى غيرهما من قصائده ، وفى قصيدته (( نجوى )) التى يقول فيها :

املأ القلب غراما وهوى وهياما واشتياقا وجنون

إنه القلب الذى فيك هوى وتردى فى غيابات الشجون

لم يضق ذرعا ولم يشك الجوى ماجن يعتقد الحب مجون

كلما أمعنت فيه كلما

سؤته فيك اعتقادا لا يسى

بإخفيف الروح يا حلو اللما

يئست نفسى ولما أيأس

وأومن مع الناقد أن شعر كردي كثير الأبيات ، سلس العبارة ، ولكنك لن تجد فيه الإيمان بقيمة الشعر يرسلها الشاعرى إرسالا ، بل تحس وأنت أمامه كأنه يريد أن يملأ الدنيا كلاما ، وحسب الناقد نفسه أن يقف عند قصيدته التى يصف فيها بديع صنع الله ، وأن يقرأ بالتالي قصيدة المرحوم التيجاني يوسف بشير الصوفى المعذب . . ليهولنه الفارق العظيم حقا بين قوة التصوير وبراعة الأداء والإيمان بعظمة الله ، وتمثله في الذرة والنملة ، وليذكر مع التيجانى أن كل ما فى السكون يسرى فى حناياه الأله ، حتى يستطيع أن يدرك من بعد أنه قد مضى العهد الذى كانت تقاس فيه العبقرية بما يقدم صاحبها من كم ، وإنه قد انقضى الوقت الذى أصبحت تطرب فيه الإنسانية إلى ما يقدم لها من عبارات وأٌلفاظ ، وأصبحت أوضاع الحياة

كلها تنادى بالتجديد والسموق . . .

نحن الآن - أيها الأخ - ننظر إلى الحياة وإلى المثل العليا من زوايا تختلف جدا عما كان عليه أباؤنا الأقدمون ؛ ذلك لأن روح التجديد وتطورات الحياة تغمرنا من كل جانب وجانب .أفليس الأجدر بغا إذا أن فعلن مفتحى النفس لإدراك الشعر وقيمته ، أو لم يكن فينا إذا أن نعلن وأعيننا ناظرة لهذا الجمال المشاع فى أرجاء الكون ، وأن كل ما فينا يبسم للحياة دائما أبدا ، حتى نستطيع بهذا أن نصل إلى ما نريد ، ثم ألم بأن لنا أن نرى حقيقة الشعر والشاعر كما عبر عنها الأستاذ العقاد حين قال :

والشعر من نفس الرحمن مقتبس      والشاعر الحق بين الناس رحمن

ونحن إذا - وبعد هذا - سنكون قادرين أن نعلن وفق ما فى عمر الإنسان مؤمنين بقيمة تلك المثل ، وهل الحياة - أيها الأخ - إلا تلك اللحظات الروحية التى يحياها ، فتحس فيها بنوع من السعادة والطمأنينة ونفر من عالم المادة إلى أجواء المثال ، فنخلق لأنفسنا عوالم نهدأ فيها من هجير الواقع الكالح الملموس . وهذه الأجواء التى يجب أن نعلن فيها هى إذا أجواء الفلسفة والفن والشعر . وهل الفنون وانماط المعرفة إلا هذا التعبير الصحيح عن خير ما فى الإنسان من رقة ونبل وإحساس ؟ وهل حياة رجال الفكر والفن إلا نوع من التضحية والفلق يدفع بأصحابها للسعى وراء المجهول ، ذلك هو المثال الذى يتصوره أمامه في كل حين وحين ، ويضحى في سبيله ويصوره فى لوحة أو قصيدة أو قصة . . .

أؤكد لك أنى قرأت كثيرا من شعر مصر الجنوبية قبل أن أكتب كلمتى تلك وأؤكد لك أنى لم أجد بين شعراء الشباب غير المرحوم التيجانى وبين شعراء الشيوخ غير الأستاذ صالح ، وأنا إذا أكثر منك رغبة فى حب الشعر

الحقيقى الذى تريده ليكون مصورا حقيقيا لتلك الروح التى بدأت تلتمس طريقها لتجده ، فاقتبست إذا مما قرأت أصدق وأعمق ما يدل على تلك الروح ولم تغرنى القصائد الطوال ، ولم أطرب مثلك المناسبات الكثيرة التى قال فيها شعراء الشباب والشيوخ على السواء ، بل أعد بدورى أن الشاعر الذى يقول لمناسبة تفرض عليه هو - وايم الحق - شاعر قد أفسدت عليه الحياة الاجتماعية فنه وروحه ومثله الأعلى ، بل يقينى أن الشاعر الحق هو من يقول إرضاء لنفسه ولفنه ولمثله الأعلى الكريم . وهل عيبنا نحن - معشر الشرقيين - إلا أنه يراد منا أن نقول فنلبى النداء !!

ألست يا صاح تجد بعد هذا أن العرب الأقدمين كانوا إذا أدرك لقيمة الفن حينما كان الشاعر فيهم ينظر فى قصيدته حولا كاملا من ناحية الصياغة والفن والتعبير . وأن كثيرا منهم كان لا ينسى نفسه وفنه وذوقه إذا مدح الأمير أو صاحب الكلمة عنده ، ومن هنا فقد نعلم أنهم كانوا يعملون للفن ويدركون جلاله الرفيع . . .

وإخالك بعد هذا تدرك أن للمناسبات أضرارا جمة ، وأنت إذا قدر لك الآن أن تنظر فى حياة شابين من شباب مصر الجنوبية لاستطعت أن تلمح البون الشاسع بينهما فى التعبير وادراك القيم الفنية الرفيعة ، إذا قدر لك أن تنظر فيما أنتجه المرحومان التيجانى يوسف بشير ومحمد عبد الوهاب القاضى لبان لك الفن على جلاله وصدقه وعظمته فيما أنتجه التيجانى ، ولأدركت أٌن الكثرة فى الشعر وفى غيره من المعانى الروحية التى تحتاج إلى روية وصبر وجلد جالية على هذه القيم السامية إلى حد كبير ، ولعرفت عدم الاستواء فى شعر عبد الوهاب رغم نزوحه إلى مصر وتلقيه العلم وأبواب المعرفة المختلفة ، ولكن التيجانى عبقرى بطبعه . وألمعى بما حوت نفسه المتوثبة وذوقه المرهف الفنان . بيد أنه استطاع أيضا أن يقترف هذه الألمعية بوثبات من قراءاته الفلسفية المتعددة . .

وأظنك - أخيرا - تدرك معى أن شعر الطبيعة وشعر الغزل ، وكل ما يجىء فيهما من معان توحى للفنان وتلهم العبقري ، هى خير ما يقول فيه الشاعر ، وأن هذه بالتالى لا توحيها مطالب الناس إنما يوحيها مزاج الفنان وإخلاصه لذوقه ، وإيمانه برسالته فى الحياة المتجددة نحوه أبدا . . .

فلنكن أيها الزميل حريين بفهم الحضارة، وانعمل على إذكاء خير ما فينا من قوى روحية سامية ؛ ذلك لأن الحياة الروحية هى الزاد الذى يقدمه المخلصون من الأبناء إلى من سيخلفونهم من الأجيال . ولندرك أخيرا قيمة الملهمين من عباقرة الفلسفة والفن والأدب ، فهم خير ما تملك فى هذا الوجود . . .

( كلية الآداب )

اشترك في نشرتنا البريدية