كنت أرسلت إلى صديقي ...(تحية العيد ) أصف فيها صداقتي له ، فرد علي بالخطاب الآتي : صديقي :
سرني خطابك ، وكان فرحة العيد عندي كما كان فرحة العيد عندك - لم أسر لمدحي ، فانا أعلم من عيوب نفسي ما لم يعلم ، ولكنها الصداقة ترى كل شئ من الصديق حسنا . إنما سرني أن كتابك يشع منه الحب ، وأنت تعلم أني لا أقدر شيئا في الوجود تقديري للحب .
لشد ما يخطئ الناس فيفهمون أن الحب ليس إلا الحب الجنسي ، ويفوتهم أن وراء هذا أنواعا من الحب يخطها العد . هناك حب العامل عمله وفناؤه فيه ، وهو سر نجاحه ، وفقدانه سر فشله
وهناك حب العالم علمه ، وقد رأيت ورأيت علماء لا يلذلهم شيء في الحياة إلا بحثهم وكتبهم ، يفضلون ذلك على كل متعة من متع الحياة من ملك ومال وجاه، ويوم يظفر بنتيجة لبحثه يعدل عنده الدنيا وما فيها ؛ وقد قرأت وقرأت أمثلة لذلك عديدة من علماء الشرق والغرب
وهناك حب الفضيلة وكره الرذيلة ، وكلما ازداد هذا عند إنسان كان أقرب إلى الخير ، وأبعد عن الشر .
وهناك حب المواطن لوطنه وأمته ، فيبذل في ذلك ماله وحياته
وهناك حب الصوفية لله فيفنون فيه ، ويشع حبهم له على كل شيء من خلقه ، حتى يروا الله في الخلق والخلق في الله
كل شئ في الحياة بارد ما لم يحره الحب ، وكل شئ مظلم ما لم يضئه الحب ، وكل شئ تافه لا لذة فيه ما لم يشيع فيه الحب ؛ وصدق من قال : ( الحياة الحب ، والحب الحياة ) ومقياس حياة الإنسان مقدار حبه ، فيوم ينتهي حبه تنتهي حياته .
وما الفرق بين الإنسان والآلة إلا الحب . كل الناس تحب ، ولكن هناك حب أرستقراطي وحب شعبى ؛ الأرستقراطية تسمو بالحب ، فلا تحب إلا الرفيع من المعاني والسامي من المثل ؛ إنها بطبعها تستسقي ما حولها وما يحدث لها وما تلد من افكارها وما تعتنق من مبادئها فتتعشقه ، ثم تحب من يشاكلها في حبها - وليست أرستقراطية الحب مولدا ولا مالا ولا جاها ؟ ولكنها نزعة يهبها الله لمن يشاء من خلقه ، تضئ الوحي من الطبيعة فتحبها ، وتخاطبها الطهارة فتجيبها ، وتنظر إلى كل شئ ولو كان وضيعا ، فتولد منه معاني سامية نبيلة تأنس بها ، وتقرأ الحقيقة في كل شئ فتجلها
إن أردت السمو بأحد فخذ بيده ليصل إلى الحب الأرستقراطي ، وإن أردت الرقي بأمة فبث هذا الحب فيما بينها وأكثر منه ما استطعت ، وهيئ له من الأسباب ما قدرت حتى بشمه السائح في جوها كما يري خصائص الأمة في مناظرها
أخشى أن أكون قد قاربت الصوفية في نزعتها وشطحها فمعذرة ، وكل ما أريد أن أقول إني أحببت كتابك لحبك في كتابك .
أراني هذه الأيام محبا للعزلة ، بعد أن كنت - كما تعلم - محبا للاجتماع ، ولا أدري السبب ، فأنا غارق - في ريفي - في زرقة السماء وخضرة النبات ، شاعر بسعادتى في منازلة الطبيعة وإلهها ، وعداني بستاني فشعرت أن نفسى زهرة من زهرات الله ، إنما تتفتح وتنفح إذا أطلقت لها الحرية التامة لتنال حظها من الشمس والهواء ؛ وعداني الأفق اللا محدود فأحببت حبا غير محدود . رأيتني أكره الحزب وأحب الأمة ، وأكره الوطنية وأحب الإنسانية ، وأحب خلق الله لله ؛ وعجبت
لنفسي وهي في حدود الحضر كيف كانت تجسم الظل ثم تشقى به ، وتخلق الهم من العدم وتألم له ، فإن شئت السلامة فتحرر من الحدود والقيود ؛ ورأيت سبب همي في الحضر التهاب الشعور وطغيان الحياة الشعورية ، فأطيل التفكير في نفسي وفيما حولي ؛ أما هنا - في الريف فأنا أسعد حالا ، لتبخر كمية كبيرة من شعوري وحلول الحياة اللاشعورية محلها ، ولعل ذلك من عدوى ما حولي من بذور ونبات وحيوان وطبيعة ، فكأن طفلا يسكن في نفسي في مرحه وأمله وانسجامه مع جوه ، وغروره بقدرته ولا شعوره . ولهذا لا صبر لي على قراءة إلا قراءة الطبيعة ، ولاكلام في السياسة إلا سياسة الكون في سيره ، فإن كان ولا بد فشعر يمازج شعوري ، أو آية من القرآن تغذي قلبي ؛ ولست أقرأ كما يقرأ الناس ، ولكن اكتفى ببيتين أو ثلاثة وآية أو آيتين فيمتلئ جوي بها ، وتتفتح نفسى لها ، فلا أزال أرددها الفينة بعد الفينة طول اليوم ، وفي كل مرة اشعر لها بطعم جديد ومعنى جديد . وبالأمس كانت آية : " الله نور السموات والأرض " ملء نفسى وقلبي وترداد لساني ؛ واليوم كانت آية : " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار " محياي وغذائى ؛ وأحيانا - ولا أدري - تدمع عيني من قراءة الآية أو الشعر فأذكر قول ذي الرمة
لعل انحدار الدمع يعقب راحة
من الوجد أو يشفي شجى البلابل
وأخشى أن تعد هذا مني مظهر ضعف أو آية ألم . ولكني أصدقك أني أقوى بها ما لم أقو بغيرها ، وأن الدمعة تغسل عيني فأنظر بها ما لم ينظر الناس ، وأشعر أني حي بين موتى ، وصاح بين سكارى .
لقد أحسست بعدها أن المدينة بحدودها وقيودها وضغطها كونت عقلي تكوينا فاسدا ، وشغلتني بحساب درهم يأتي ودرهم يصرف ، ونظرية تقرر ونظرية تهدم ،
وحكومة تتولي وحكومة تولي ، ونظام يوضع ونظام يلغى ؛ حتي لقد هزلت نفسى من هذه السفاسف ، ومات قلبي من هذه القيود ؛ فالآن أريد أن أميت نفسي المقيدة وأخلق نفسى الحرة وأحطم أبواب سجني وأطير إلى السماء ، وأكنس أفكاري القديمة وأتحرر من موضوعاتها ، وأضع أسسا جديدة للتفكير فيما يحقق نفسي ، وأكسر أصنام الناس لأعبد ما ليس بصنم ولا وثن .
لقد كنت بغير جناح إذ لم يكن جو ، فلما كان الجو كان الجناح
ولا تحسبي بذلك أريد أن أحيا حياة شعرية لا عمل وراءها ، أو أن أعيش في حلم خيالي لذيذ ؛ بل أراني على العكس من ذلك ، أريد أن أعمل وفق حبي - لقد أحببت الفكرة لا الشخص ، وأحببت المعنى لا المبنى فشعرت أن كل أرض بلدي ، وكل إنسان أخي ، وكل باطل عدوي ، وكل حق صديقي ؛ وآمنت أن نفسي ليست لي ، إنما هي قوة في العالم لها رسالة ، ورسالتها إزهاق الباطل ، ونصرة الحق ، ومحاربة البؤس ، والأخذ بيد المظلوم ، وكسر الحدود التي تمنع أن يصل ذو الحق إلى حقه ؛ فحبي الشائع دفعني إلى العمل الشائع ، وتجردي من الشخصية حملني على أن أؤيد المعنى أو أحارب المعنى ؛ وشعرت بالكل فوهبت حياتي للكل- وإذ ذاك أحسست أن قلبي كمجرى الماء الغزير لا يقف أمامه المود ولا يعوقه القذى ، وأحسست أني لا أقوم الأشخاص . بعلمهم أو مالهم ، ولكني أقومهم بروحهم ، فالمثل الأعلى عندي ليس أرسطو ولا قارون ولكنه النبي ؛ وأحسست أني أرى في المعاني كالعدل والرحمة والصدق جمالا يجذبني أكثر من جمال الصورة والزهرة ، وللظلم والقسوة والرياء قبحا ينفرني أكثر من القردة والمرأة الشوهاء .
قد كنت - وأنا في المدينة -مغيظا من مفاسد الأمة ، محنقا من جنون العالم ؛ واليوم - وأنا في الريف قد تحول غيظي رحمة ، وخنقي شفقة ، فأشفق
على الأمة لمصائبها ، وعلى الإنسانية لرزاياها ؛ وأكثر ما يحملني علي الرحمة لها أنها في شقاء وتظنها في سعادة ، وفي محنة وتحسبها في نعمة ، ورحمتي لم تسلبني رغبتي في العمل كما لم يسلبني الغيظ ، ولكن عملي مع الرحمة إنقاذ ، ومع الغيظ تأديب .
ما أظلم علماء التربية ، يهتمون بتربية العقل والجسم والخلق ، ولا يعيرون التفاتا للروح ، كان الإنسان آلة سماء ، والخلق الذي يهتمون به هو الخلق التجاري من صدق ونظام واقتصاد ، وتربية الروح وراء ذلك ؟ فالروح هي الوزن في الشعر ، والتناغم في الغناء ، والانسجام بين آلات الموسيقى ، والعلاقة بين أصابع الفنان وأزرار البيان ؛ وشقاء الإنسان في شخصه وفي أمته وفي عالمه ، من ضعف روحه ، واختلال التوازن بين روحه ومادته ، وعدم الانسجام بين أجزاء العالم ، وعدم وحدتها وليس يوحدها إلا توحد روحها .
إن ضعف الروح جعل من يحب نفسه يكره غيره ، ومن يجب أمته يحارب غيرها ، ومن يحب جلسه يحتقر غير جلسه ، ولو قويت الروح لعممت حبها ولأحبت المبدأ والمثل ، فكان ثم وفاق لا خلاف ، وسلم لا حرب
بعد غد عيد ميلادي الحادي والخمسون ، وهو أول عيد أقضيه في الريف ، ولكني أريد أن أعده عيدي الأول ، فقد تشابهت نفسى في الأعوام الماضية ، فليست متكررة إلا في حساب العدد ، أما نفسى الجديدة فلم تتكرر بعد . شتان بين نفس مقيدة ونفس طليق ، بين نفس مستعبدة ونفس مستقلة ، بين نفس مقلدة ونفس مجتهدة ، ليخيل إلي بعد الرياضة النفسية التي ارتضتها أن لاصلة بين نفسى القديمة و نفسي الجديدة ؛ ولذلك سأصر على أن أعد عيدي الآتي هو العيد الأول
قد كنت في الأعياد الماضية استقبل الناس ، وفي هذا
العيد سأستقبل نفسى ؛ وقد كنت أضاحك إخواني واسامر صحبي واستقبل هداياهم وتهانيهم ، وفي هذا العيد سأتناغم مع الأزهار ، وسأفتح نفسي ليمتزج بدمي ضوء الشمس ، وأحتفل بافتتاح عقلي لتلقي الحقيقة مجردة من خيالات الناس وأوهامهم ، وسأشرب نخب الطبيعة وجمالها والحرية ومتعتها ، وسأغني للشمس وطلوعها ، والشمس وغروبها ، والنجوم ولمعانها ، والمياه وصفائها ، والفراشة وطيرانها ، والزهرة وتفتحها ، والثمرة ونضجها ، حتى املأ الجو مرحا وغناء ؛ وسأدعو آخر الأمر للإنسانية أن يفك الله أغلالها ، ويجنبها شقاءها ، ويبعث الحب في قلوبها ، فيكون هذا أول عيد لي من نوعه .
أخي بل صديقي :
لعلك تعجب أني لم أرد على كلامك في الصداقة برأيي في الصداقة ؛ ولكني أعتذر لك ، فرأيي غير رأيك .
رأيي أن الكلام المباشر في الصداقة لايقويها ، إنما يقويها العمل علي مناهجها الحقة من غير حديث فيها .
ورأيي أن خير لذة يستمتع بها الإنسان من شيء أن يتناسى لذته منه ويغنى فيه ؛ ألا ترى الشطرنج لو ذكرت دائما أنك تلعبه وأنك تلذ لعبه لضاعت لذته ، وإنما تصل من لذته إلى الغاية إذا أنت نسيت الشطرح ، ونسيت نفسك ونسيت لعبك ، وفنيت فيه ! وكذلك الأمر في الكتاب تقرؤه ، والموضوع تبحثه ، والسينما تشهده ، والتمثيل تراه
وعلي هذا القياس أنا أفني في صداقتي ولا أذكرها ، وأرتشفها ولا أتحدث عنها . ولهذا كتبت لك حول الصداقة ، لا في الصداقة
ومع هذا أشكرك على خطابك ، فربما دعا إليه داع لم أتبينه ، وهو - في رأي - خطأ خير من صواب والسلام
( حاشية ) أحلك من نشر كتابك ونشر كتابي إن شئت ، مع حفظ اسمي كما وعدت ( طبق الأصل )
