الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 696الرجوع إلى "الرسالة"

رد على رد

Share

كتب الأستاذ العماري في عدد (الرسالة) (٦٩٤) بعنوان    (مع البلاغيين)  رداً يزعم فيه:

١ -  أن التشبيه الذي يقصد منه بيان حال المشبه تشبيه  معتبر معدود، ويمثل له بقول العرب (أسود كحنك الغراب)   وقولهم   (أحمر كالدم القاني) .

وتلك عثرة بطيئة الإقالة، فإن أغمار التلاميذ في المدارس  الثانوية يميزون بسهولة بين التشبيه الذي يراد به بيان الحال،  والآخر الذي يراد به بيان مقدار الحال، ولنسق عبارة عبد القاهر  في هذا المقام لعل فيها مقنعاً للأستاذ الكبير. قال:

(قد يحتاج الوصف إلى بيان المقدار فيه، ووضع قياس  من غيره يكشف عن حده ومبلغه في القوة والضعف والزيادة

والنقصان، مثال ذلك قولهم هو أسود كحنك الغراب، فالقصد  إلى التعريف بمقدار الشدة لا التعريف بنفس السواد على  الإطلاق).

وأما الآية الكريمة (وجفانٍ كالجواب)  فهي تدل على  مقدار الاتساع لا اصل الاتساع، وذلك ما لا يصح أن يقع فيه  جدل أو مماراة.

٢ -  انه لا يأخذ كلام المتقدمين قضايا مسلمة دائما ولكن  هذا - يا سيدي - لا يتفق مع ما جئت به وسقته من كلام  عبد القاهر في تحسين التشبيه بين البنفسجة وأوائل النار في  أطراف الكبريت فما كان لك من حجة إلا هذا الكلام الذي  ساقه، أفبعد أن تطعم على مائدتهم وتتوكأ مغمض العينين على عصاهم  تزعم أنك لست كلاًّ عليهم؟

٣ -  أن بيت امرئ القيس:

كأن ثبيراً في عرانين وبله    كبير أناس في بجادٍ مزمل

لا معنى وراءه، وليست هذه الدعوى بالتي يستمع لها، فإنه لما  صور الجبل وقد أصابه الوَبْل بعث في نفس السامع الرهبة وأشاع  شيئاً من البرودة التي يقتضيها المطر، فشبهه رجلاً مَهيباً مُزَمَّلا  في بجادة فأصاب مل أراد من المعنى الذي أحاط به المشبه.

وأما قول طرفة:

كأن حدوج المالكية غدوة    بقايا سفين بالنواصف من دد

فإن الحدوج حينئذ لها اعتبار خاص فهي ليست ملقاة في الفناء أو خارج الخيمة، ولكنها متأهبة للرحلة مشدودة على البعران،  مهيأة للسفر، فمن ثم أصاب القصد فيما تصيبه العين من بقايا  السفين المقلعة بعد أن أبعدت عن مرساها، وفيه إبراز للإشفاق  والحنين والتخوف من الوحشة، وذلك لا يدركه إلا قلب شاعر!

٤ -  أنني أخطأت في تعريف البلاغة ونقصتها قيدا، وأنه  كان ينقد في البيان فلا يحتج عليه بتعريف المعاني.

أما القيد الذي ذكره فقد تركته لأنه ليس محط الإجابة،  واقتصرت على ما به أداء الغرض حتى لا يضل عن القصد  فتكثر شطحاته.

وأما أنه يتكلم في البيان فلا يحتج عليه بتعريف المعاني فهذا

ما كنت اجل الأستاذ عن أن يقع فيه، وكأنه يريد بذلك أن  من التراكيب تراكيب ينظر إليها علم المعاني وأخرى ينظر إليها  علم البيان، فتركيب القصر، والإنشاء مثلا لا ينظر إليهما من  ناحية أنهما استعارة أو كناية، و (مكر الليل والنهار) لا ينظر  إليهما على أنهما إيجاز أو إطناب. إن كل جملة - يا سيدي -  خاضعة للنظرين فلا تقل بعد اليوم: إن هذا التركيب خاص بعلم  البيان، وذاك خاص بعلم المعاني. فهذا عن الصواب بمنأى.

٥ -  أن حسد جرير لابن الرقاع إنما كان لروعة التشبيه  ولكن قول جرير (ما عساه يقول وهو أعرابي جلف جاف)  مما يفيد أنه إنما حسده لاستطاعته وهو بدوي جلف أن يصل  إلى تشبيه مدني حاضر. فلا تزال شجاً مؤلماً وغصة مانعة من إساغة تأويل الأستاذ.

اشترك في نشرتنا البريدية