كنت أقرأ مختارات الشعر التى جمعها محمود باشا سامى البارودى الذى يعد زعيم المذهب القديم فى الأدب فى العصر الحديث؛ فوجدت أنه قد أختار فى باب النسيب مجونا ليس بأقل من مجون الحسين بن الضحاك وأبى نواس الذى أختاره الدكتور طه بك فى كتاب حديث الأربعاء بل بعضه أشد منه وبعضه مثله، فاختار لأبى نواس قصيدة قالها يتغزل فى شاب جميل كان كاتبا فى ديوان الخراج بدليل قوله فى القصيدة:
ومر يريد ديوان ال ... خراج مضمخا عَطِرا
وكانت عادة الشعراء فى ذلك العهد التغزل فى ملاح كتَّاب الدواوين. وفى هذه القصيدة يقسم أبو نواس أن مُرَقَّشاً الشاعر العذرى النزعة لو كان حيا لما أحب امرأة بل لأحب ذلك الكاتب المليح: وهذه هى القصيدة كما أوردها البارودى:
أما والله لا أشرا ... حلفتُ به ولا بَطَراً
لو آن مُرَقَّشاً حَى ... تعلَّق قلبه ذَكَرا
كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا
بوجه سابرى لو ... تَصَوَّبَ ماؤه قَطَرا
وقد خَطَّتْ حَوِاضُنهُ ... له من عنبر طُرَرا(1)
بعينٍ خَاَلطَ التَّفْتِيرُ ... فى أجفانها حَوَرا(2)
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نَظَرا
واختار البارودى لأبى تمام قطعة قالها فى غلام مملوك أهداه إليه الحسن بن وهب فقال: قد جاءنا الرشأ الذى أهديته ... خَرِقاً ولو شئنا لقلنا (المركب) والذى اختار هذا الشعر ليس الدكتور طه بك ولا هيكل باشا بل البارودى باشا.
وقد أوردنا قبل الآن اختيار البكرى أشياء من مجون ابن الرومى ونشر الشيخ شريف مجونه أيضاً. ولكن الأستاذ الغمراوى ترك البارودى وترك البكرى والشيخ شريف واختص الدكتور طه وهيكل. فإذا كان ذلك لأن البارودى عارض قصيدة البردة فقد ألف الدكتور طه على هامش السيرة وألف هيكل حياة محمد وفى منزل الوحى، ولا أظن أن أحدهما نشر شيئاً يقارب ما نشره البكرى والشيخ شريف والبارودى
والفكرة التى يتبينها القارئ من كلام الأستاذ الغمراوى غير صحيحة، وهى أن المجون يعصم منه التدين فقد سمعنا فى بعض حفلات إحياء المولد النبوى الكريم من التغزل فى الذات النبوية من الشعر ما ينبغى أن ينزه عنه ذلك الحفل من ذكر الرضاب والريق والوصال الخ الخ على طريقة بعض الصوفيين.
وسمعنا بعض الأفاضل يختلفون فى أمور ثانوية تافهة من أمور الدين، وكل منهم متدين، فإذا انصرف أحدهم ذكره مناظره بكل سوء وبالمجون واتهمه بالزندقة. بل رأينا أن أعظم سلاح شيوعاً فى الدفاع عن الدين والفضيلة أو عن عقيدة الوطنية أو عقيدة سياسية هو سلاح المجون فى القول وتهمه، وتعدى هذا السلاح هذه الأحوال إلى الدفاع عن النظريات العلمية والرأى يُرى فى البحث العلمى. والحقيقة أن المجون مزاج لا دخل له بالتدين أو عدم التدين؛ وقد كان من أثر انتشار مزاج المجون أنك تقول قولاً سليماً تقصد به معنى نظيفاً فيكون أول ما تصنع عقول السامعين أن تفتش فيه عن تخريج إلى المجون، ولا فرق فى ذلك بين المتدينين وغير المتدينين، ورأينا أناساً من المتدينين يدعوهم الحسد والحقد إلى اتهام كل من كان أغنى أو أعقل أو أنظف منهم بالمجون. ونعرف أن فى علم النفس قاعدة تدل على أن بعض الناس حتى المتدينين منهم يتمنون لأنفسهم أمانى المجون فيتلذذون بأمانيهم بنسبة ذلك المجون إلى غيرهم. وهناك طائفة من المتدينين صاروا ينافسون بعض رجال الصحافة والسياسة فى سلاحهم السياسى ويحتجون باستعمال حسان بن ثابت هذا السلاح فى الدفاع عن الدين، وقد فاتهم أن المسلمين كانوا فى عهد قوله هم المضطهدين المشتومين وقد نالهم من أقوال خصومهم من السباب مثل ما نال المشركين من أقوال حسان بن ثابت. وفى يقينى أن النبى صلى الله عليه وسلم
عندما دعا له أن يؤيده روح القدس وعندما نصحه أن يلجأ إلى أبى بكر الصديق لم يكن يريد أن يزيده سيدنا أبو بكر من شدة الهجاء فقد كان الشاعر به أعرف، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم تحرج من الرمى بالباطل بالرغم من أن شعراء الكفار ما كانوا يتحرجون من ذلك. وقد ذهبت أقوالهم بعد ما انتصر الإسلام وبقيت أقوال حسان بن ثابت. ولو بقيت أقوال شعراء الكفار لدلت على ما أردنا إثباته وهو أن شعراء الكفار كانوا هم البادئين بتلك الطريقة فى الهجاء. ومع ذلك فإن ديوان حسان بن ثابت خليق بأن يسمى ديوان العبر لأن سادة المشركين الذين هجاهم صاروا بعد إسلامهم سادة المسلمين، وفي هجائه بعض ما لا ينقصه الإسلام ولا يغيره. وهذا الديوان إذا أخذ على علاته دلّ على حالة خلقية لا يتوقع القارئ أن تكون في ذلك الزمن. والسير على هذه الطريقة من غير رقيب أو وازع هو من الإخلال بروح الدين فى عصرنا وهو عصر ينقاد فيه السذج لمن يريد أن يشفى حقده أو حسده ممن لا دين له ولا خلق وإن تظاهر بالدين والخلق، وهذه حقيقة لا مبالغة فى تعبيرنا عنها وقد لا يكون الأستاذ الغمراوى ممن يعرفها لبعده عن هذه الطوائف وبعده عن أحقادها وأقذارها
ولكنها حقيقة يستطيع أن يراها فى المجادلات السياسية وخصومات بعض المشتغلين بالسياسة والصحافة والأدب؛ فليس من العسير أن يفهم المفكر وجودها فى بعض النفوس التى تتخذ السذج من المتدينين قنطرة للوصول إلى غرض شخصى، أو فى نفوس بعض الذين لا يفهمون أن الدين ينبغى أن يترفع أنصاره عن المجون؛ لكن كيف تفهم ذلك نفوس مزاجها ذلك المجون. والمزاج لا يستطاع تجنبه مهما كان المرء متديناً. فالخطأ الذى وقع فيه الأستاذ الغمراوى عند ما حسب أن شدة التدين تعصم من الانهماك في الشهوات، أو أنها تعصم من لذة قول المجون إنما هو خطأ الذي يحكم على غيره بحالة نفسه؛ فإذا وجد نفسه متديناً يكره المجون ظن أن التدين يعصم من المجون. وليسمح لى الأستاذ الغمراوى أن أقول بكل رعاية: إن هذا الظن يدل على أنه لم يدرس خصائص النفس الإنسانية عامة فى نفوس الناس دراسة غير المتحيز وغير المتعصب لطائفة دون طائفة، فإنه لو فعل ذلك لعلم أن مقدار ما فى نفس المرء من مجون لا يعينه مقدار تدينه، حتى ولو وجدنا أمثال الأستاذ الذين يعصم تدينهم من المجون. ونحن لا نريد التعرض لشواهد من شعر ونثر

