الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 294 الرجوع إلى "الثقافة"

رد على مقال، عبد الله حسن كردى، شاعر السودان

Share

اطلعت بالعدد رقم ٢٨١ من " مجلة الثقافة " الصادر في ١٦ من مايو سنة ١٩٤٤ على مقال للاديب عثمان عيسى شاهين ، يتحدث فيه عن الأدب في السودان

وجميل من أبناء الكنانة أن يعنوا بالأدب في السودان بعد ان اغضوا عنه زمنا . وما السودان إلا جزء من الشرق ، بل الشرق كله ممثل فيه ، فدينه الإسلام ، ولغته الضاد ، وتراثه عربي ، وأهله شرقيون في كل ما يحيط بهم من نواحي الحياة ، شرقيون في اخلاقهم وعاداتهم ، وشرقيون في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ، ولو انهم بدأوا يتأثرون بالحضارة الأوروبية - كما تأثرت بلاد الشرق- مما نجم عن الاختلاط والتعليم

هنا لا أود أن أتعرض إلي كل ما جاء به الأديب عثمان عيسى شاهين ، ولكني سأحاول ان ازيل اعتقادا ربما كان ناتجا عن عدم اطلاع واسع على شعر احد شعراء السودان الأفذاذ الذين يعرف لهم السودان قدرهم ، ويدين لهم بكثير من رونق نهضته الأدبية منذ عشرين عاما ، والذين لم يسعدهم الحظ ، أو قل لم يسعد الشرق الحظ ان يقرأ كل شعرهم ، نظرا لخلو السودان من المجلات الأدبية المحضة التي تفتح صدرها لمطولاته الشائقة وقصائده الرنانة ؟ وقد نشر بعض شعره في الجرائد السودانية ، وقليل منه في المجلات المصرية - خصوصا مجلة الصباح - في فترات من الزمن متباعدة . ذلك الشاعر هو الأستاذ عبد الله حسن كردي . ولنا عظيم الأمل في " مجلة الثقافة " وهي لسان الأدب في وادي النيل ، بل في الشرق كافة ،

ان تبرز لقراء العربية شاعرا نابغا من شعراء العربية

ذكر الأديب أن الأستاذ الكردي وغيره كالأساتذة عبد الله البنا ، وعبد الله عبد الرحمن ، بالرغم من انهم مثقفون وأخذوا من الحضارة بنصيب وافر ، إلا أنهم لم يسايروا ركب الحياة ، ولم يجددوا في موضوعاتهم الشعرية مما يجاري الحياة ، بل اقتصروا علي موضوعات الفخر والحماسية والرثاء . ولكن أيها الأديب - والحق يقال - إن الواقع ينافي ذلك . فإنهم لم يقتصروا علي هذه الأبواب من الشعر ، ولم يمنعهم قولهم فيها من أن يسايروا الحياة وينطقوا بلسانها ، ولكنهم لبوا نداء البلاد في كل ما تدعوهم إليه ، وترجموا عن البيئة التي يعيشون فيها . وها هم لا يفوتهم يوم تعليم لا يقولون فيه ، أو مهرجان ادبي لا يقفون على منبره ، أو مسابقة شعرية لا يشتركون فيها ، أو راحل كريم لا يودعونه ، أو مقبل أريب لا يستقبلونه .

وسوف أعرض على قراء الثقافة صورة عاجلة موجزة من الأستاذ عبد الله حسن كردي ، ولنا عودة على الأستاذين الآخرين . والأستاذ كردي إذا انصفناه شاعر موهوب بقدر ما في هذه الكلمة من معنى ، قد اوتي عبقرية شاملة لا تجاري ، وذكاء متوقدا لا يباري ، وقلبا واعيا لا يدرك شأوه ؛ جمع إلي ذلك شاعرية فذة لا يعروها تكلف ، وتمكن عميق في أسرار اللغة وأصول البيان ، واطلاع واسع على ادب الأقدمين ؛ وهو إلي ذلك سريع الخاطر ، حاضر النكتة ، محب للاجتماع ، فجاء شعره سلسا ، وجاءت عباراته رصينة لا تعرف الوحشي ، والفاظه جزلة أبعد ما تكون عن النبو والغرابة ، ومعانيه سهلة عالية ، ليس فيها تعقيد . تقرأ شعره فتعجب باختيار الفاظه وانتفاء معانيه ، وتشعر باستحالة تبديل كلمة بكلمة انسب ، او معني بمعنى أرقي ، أو عبارة بعبارة الطف ، أو قافية بقافية أليق ، أو وزن بآخر أشد وقعا على السمع أو أعمق أثرا فى النفس ، فشعره كامل في معناه ومبناه ؛ ولا غرو فهو القائل :

من مبلغ الدهر عني أنني رجل  أري الزراية بالأحرارا إسفافا

ولم يك الأنس بالقينات يطربني   ولا علي نديم الكأس قد طاقا

همي المحافل أغشاها بقافية    بكر بها الشعر در ليس أصدافا

عودتها السهل في نظم أتيه به    مخلد قد حوي الجنات ألفافا

وملء بردى عفاف لا يدنسه    عار به المرء يلقي الذل أصنافا

وهو القائل ايضا :

أحب المرء أن أمسى كريما    وأبغض ماجنا يهوي الدعايا

وأكره أن يضام الحر عمدا     وضيم الحر لم يفتأ مصابا

وأغضب للفضيلة لا لنفسي     وانعي الكبر في قوم ذنابي

والفخر من الأشياء التي تقبل المبالغة ، ولكن إذا اجمع عليه الناس كما اجمعوا على هذا ، فهو أصدق صورة تمثل صاحبه .

وانظر قوله يصف بديع صنع الله عز وجل :

جل من بالعلم أحصى    عمل الأقوام عدا

جعل الأرض بساطا     فغدت للناس مهدا

ثم أحياها بقطر  ممرع غورا ونجدا

وكساها بعد محل    من بهيج النبت بردا

أخرجت بالزرع حبا     قد أصار العيش رغدا

ومن الجنات روض     نظم التفاح عقدا

ومن الرمان طلع     لاح للأبصار نهدا

ومن الفتان زهر    يعشق الأفنان ملدا

أبيض مثل الأقاحي    للغواني صار وجدا

ومن الأحمر قان       فتح الأكمام وردا

ومن الأخضر حسن     ممتع للنفس جدا

ومن الأصفر تبر    بعد سبك صيغ نقدا

فاقع والغصن رطب    من حباب الظل أندي

وغصون ناضرات   كالشباب الغض عهدا

رقصت رقص العذاري       وأرتنا البان قددا

وفيها يقول :

يا هزازي بين روض     ما شكا هما وسهدا

غن إني بعد سلمي     قد سلوت اليوم دعدا

وصبا قلبي لحسن   بات في الجنات فردا

غن إنى مستهام    يشتهي في الروض خلدا

غن إن الروض يصببي   بالهوي شيبا ومردا

غن إني بين واد       ضوع الأعراق رندا

وفيها أيضا :

ربي كم أبدعت حسنا   في الدمي جيدا وخدا !

وقواما ماس غصنا     ثم شعرا لاح جعدا

وجعلت الشمس نورا    يملأ الآفاق وقدا

والدجي يغشاه بدر   يلبس الجوزاء عقدا

ونجوم من جمال     مثل در ليس يصدأ

يدلج الساري عليها     وإذا ما ضل يهدي

وسماء منك فضلا    ترسل المنثور جودا

وترينا البرق خوفا   وهو نعمي منك تسدي

وبحار من فرات    سائغ كم طاب وردا

وبحار من أجاج   قد طغت جزرا ومدا

وجبال راسيات     ما لها نستطيع هدا

شمخت تيها بأرض     لم تمد بالناس ميدا

تأمل هذا الشعر السلس ، وهذا الوصف الدقيق ، وهذا اللفظ السهل ، وهذا الاسلوب الرشيق . وانظر إليه كيف صور الطبيعة في شتى ضروبها ، وكيف أظهر عظمة الخالق . تأمل معي أيها القارئ ، ألست تلمح نفس الشاعر المفعمة بالإيمان تطل من بين هذه السطور ؟ ليس كل من يحاول الوصف يستطيع أن يبرز صورة خلابة تستهوي النفوس وتخلب الألباب

والأستاذ كردي يجيد الغزل إجادة فائقة ، وله مقدرة تبعث العجب على التشبيه والاستعارة ؛ ولعلك أيها القاريء لمست ذلك في قصيدته الآنفة الذكر . وهو من الذين يجعلون من القطعة الشعرية الوصفية صورة ناطقة تفصح عن نفسها ، يعينه في ذلك خيال واسع ، وحس مرهف ، ومعين ينضب من اللغة ، وثروة لا تفني من المفردات ؛ فهو بحق شاعر السودان كما لقب بذلك في جريدة البلاغ على أثر رثاء شاعر النيل " حافظ إبراهيم " فاسمعه يتغزل :

غادة بهنانة فتانة  بقوام ماس غصنا رطبا

يتواري البدر منها خجلا   كلما تبدو ويمسي غيهبا

والدجي يحسد فيها مفرقا   ما رآه النجم إلا غربا

وهب الله لها حسنا به   فتنت غيدا ونامت عربا

وجهها مثل الضحى في رونق     وبفيها الريق يحكي الضربا

وثناياها إذا ما ابتسمت لمعت برقا ولاحت شهبا

وحلال السحر في لحظ بها   يتقي هاروت منه العطبا

طوقها حسن قد استغنت به      عن لآل وجمان ثقبا

وهي مذ كانت فتاة لم يكن    حليها فوق التراقي ذهبا

صدرها كالعاج مصقول به       طلع رمان الهوي قد أخصبا

ثم استمع إليه في قصيدة يحيى  بها بطل الشرق

صلاح الدين الأيوبي ، وانظر إليه كيف بدأها فتغلغل في

صميم الواقع ، وخرج بحقائق من صميم الحياة :

عرفت دهري علي الأمجاد قد حافا   فكيف أرجو من الظلام إنصافا

يسببي قوما وأقواما يميل بهم    ويجتبي للعلا والمجد أجلافا

ويدفع الحر للجلي فيركبها    وإن يكن من عواديها لقد خافا

ثم تأمل قوله يصف صلاح الدين فيشبه أخلاقه تارة

بالخمائل ، وتارة بالدجن ، ومرة بالنور ، وأخري بالماء

قد كنت سمحا كريم النفس ذا خلق    سهل طلعت به للناس ثقافا

يحكي الخميلة ذات الوشي ناضرة   والزهر إما غدا بالنضج تحافا

والدجن لطفا ونور البدر منبلجا    والماء بالصفو رقراقا وشفافا

حلو لدي السلم مر عند نازلة      صعب علي الغرب إن عادي وإن صافي

وما اتخذت الصروح الشامخات علا      دارا ولا كنت في الضراء أفافا

كلا ! ولا بهجة النعماء قد وجدت       يوما بنفسك بعد الزهد إيلافا

لقد قرأت الكثير في مدح صلاح الدين فلم أر مثل هذا الشعر القوي ، وهذا الوصف الطبيعي الخالي من اي أثر للتكلف والتعقيد

ثم استمع للأستاذ كردي في قصيدته التي كانت الاولي من بين القصائد التى ارسلت للمهرجان الأدبى لسنة ١٩٤٢ ، والذي كان سيقام بنادي الخريجين بالخرطوم وعدل عنه لأسباب ما ، استمع إليه يخاطب البلاد :

يا بلاد إن الجهاد فلاح     قد عقدنا طرا عليه رجانا

فإذا ما أتيح عشنا كراما    بين واد من نيله قد سقانا

فاجعلى المدح في بنيك نشيدا    وهتافا يغري بك الشبانا

ثم تيهي علي الأنام فخارا         حيث واديك أنجب الشجعانا

ثم يخاطب الشيوخ فيقول :

لا تعيبوا على الشباب جهادا    أذن الله أن يكون فكانا

ليت شعري ماذا على المرء إما     راح يبغي لحاجة نشدانا

وصمة العار أن نعيش ولما       نقض حقا نرضي به الأوطانا

ومن الغي أن يجانب علما      بات كل لورده ظمآنا

ولقد جري حب العروبة وحب العرب في دم هذا الشاعر وخالط وجدانه ، وهو لا يفتأ يتغني بمجدهم ويعدد مآثرهم في شعره . فاسمعه يقول في هذه القصيدة ؛

يشهد الله أننا من معد    وإلي مجده انتهي متمانا

إن صدفنا فمن مجون ولهو    وغباء في الناس قد أبكانا

أو طربنا فمن رحيق بشعر     هز سلمي وأختها في ربانا  

أو ضحكنا يوما فرب ابتسام    ظل كربا قد يلهب الوجدانا    

عودتنا على الثبات نفوس      ملئت من ثباتها إيمانا

وأخيرا انظر إليه يودع صديقا له :

أفاضل يا نجل الكرام فتي البشري  وداعا وإن أبقت شمائلك الذكري

لعمرك ما أدري بأي فضيلة    أصوغ لك الأمداح إن زمنها شعرا

خليل وما كل الأخلاء عطفهم          يرجي وحر لم يكن يعرف الفخرا

تداوي سقيما لا لأجر تناله       وتسعى لخبر لا أطيق له حصرا

هذه قطرة من بحر ، ولولا ضيق الثقافة عن ان تسع أ كثر من ذلك نظر لأزمة الورق ، لأوردت الكثير من قول هذا الشاعر . وقد أكثرت في هذه العجالة من الشعر وأوجزت في الكلام عن صاحبه رغبة مني ان أترك القارئ يتذوق ، ويحكم ضميره ، ويحكم بما عليه بعد ذلك . ولعل الأديب عثمان عيسى شاهين يقتنع الآن بأن بيان هذا الشاعر يساير الحياة وينطق عن بيئته وجوه . ولم يقتصر على باب دون آخر من أبواب الشعر

السودان

كلية الآداب الخرطوم

اشترك في نشرتنا البريدية