سيدي الأستاذ العلامة أحمد امين بك قرأت في العدد ٣٩٤ من الثقافة نقدا لكتابي ( دمشق القديمة ) بقلم السيد عدنان الخطيب
ولقد دهشت يا سيدي الأستاذ لجرأة هذا الشاب ، وخوضه فيما لا يحسنه ، وإقدامه على التعريف بكتاب في الاقتصاد ، ونقده كتابا في الأثار القديمة ، وكل منهما في علم بعيد عن الآخر البعد الواسع . والنقد لا يسمح ويوثق به إلا إذا صدر عن أهله من العلماء ذوي الاختصاص ، المشهود لهم بسعة الاطلاع وجودة التمييز والفضل ولم يعرف أن السيد عدنان كان يوما اقتصاديا كبيرا يفهم شؤون الاقتصاد ، او اثاريا مطلعا ينقد كتب الآثار اللهم إلا أن يصبح اقتصاديا كل من قرأ رسالة في الاقتصاد ، أو آثاريا كل من قرأ رسالة في الآثار
وانا اعلم ان من يريد التصدر للنقد العلمي الصحيح ، يجب ان يستكمل شرائطه ، ولعل أولها فهم الموضوع الذي ينقد فيه ، والإحاطة إحاطة واسعة ، وعرفان المصادر ومراتبها ، وحسن النية ، والبعد عن الغمز الذي يرغب فيه العوام . ولقد ظهر لي من كلام السيد عدنان أنه ليس بذي اطلاع على الموضوع الذي الفت فيه ، ولا على مصادره ، وانه عمد إلى الغمز الذي كنت اود ان يتعالي عنه ، وهو المهذب
وها أنذا أبين أوهامه وسوء نيته قلت إن كتابي يجمع بين التاريخ والفن . ففهم من الفن ( إتقان الطبع والإخراج ) وهذا فهم عامي . ويؤسفني أن يفهم هذا من ينقد كتب الآثار . فكتابي يبحث في
( الأركولوجي ) ، ولا بد في هذا من ان تجتمع إلي المعلومات التاريخية ، الرسوم والتخطيطات الهندسية الفنية وهذا ما أردته عند ما قلت : ( بجمع بين التاريخ والفن ) وهذا ما يفهمه كل من له إلمام بموضوعنا ، ولا يحتاج إلي شرح إلا لمن كان بعيدا عنه
وأنا لم أذكر في حواشي الكتاب أي مصدر . بل سردت المصادر كلها في أول الكتاب . ومع ذلك فهو يسألني عن مصدر ( باب السلامة ) وهذا من اعجب العجب ، ينتقدني وهو لا يعرف مصدر تسمية هذا الباب ! ولو أنه كان قد قرأ الجزء الاول من مهذب ابن عسا كر ، أو نزهة الأنام للبدري ، لعلم أن هذا الباب هو ( باب السلامة ) ، وانه لم يمسم ( باب السلام ) إلا في القرنين الماضيين
أما ذكري باب السلامة ، وباب السلام ، فما فيه جناية ، ولا يستدعي الهدر الطويل ، ما دام الأسمان يستعملان
ولو أن السيد عدنان ، عرف تاريخ بلده ، وتتبع حوادث دمشق زمن الفتح ، واحصي ما فيها من كنائس وما استجد فيها من مساجد ، وعرف الكنائس التي كانت على أبواب المدينة ، وكيف اصبحت ، فيما بعد ، مساجد ، لما علق على ذلك . وأنا اعذره ، فلا خبرة له في هذا الموضوع .
ولو أنه قرأ ابن عساكر أيضا ، أو البدري - ولا أذكر غيرهما - لفهم معني كلمة الباشورة ، هذه الكلمة الفنية المخصصة بالسويقة التي تكون أمام باب السور . وهذه الكلمة لا يبحث عن معناها في القاموس ، بل في الكتب الخاصة بها . وقد كنت احسب ان معناها واضح في كتابي يفهمه من اوتي ذكاء متوسطا على انى أشكر له ملاحظته وجوب شرح هذه الكلمة ، فقد فطنت إلي أن في الناس ناسا يجب ان تشرح لهم كل شئ
كما تفعل لتلاميذ المدارس
ولقد ذكرت اسم ساكن البرج ، ليهتدي إليه من أراد زيارته ، لانه أتخذ دارا ، ومدخله لا يدل على انه هو البرج . أفتن وضحت وذكرت اسم ما كنه كان في ذلك خطة ، واتخذه سبيلا لهذر لا يفهم ؟ اللهم إلا أن تصبح الحسنات عند هذا الشاب سيئات
ثم ختم نفسه بنقل مقرة من نقد السيد جعفر الحسبي هم هذه من الحية حمض مدير المتحف السابق والدهص ورد في كنابي وأراد تصحيحه ولقد كنت أحسب أن السيد جعفر عندما تصدي لتصحيح النص كان قد أعد للأمي معدته فرأيته يصحح تصحيح من لم يعان قط تصحيح النصوص وله العذر . فلقد ظل مديرا المتحف خمسة وعشرين عاما ، ولم نعرف أنه صحح طوال هذه السنين كتابا قديما ، ولا ألف كتابا جديدا . فقد وردت في مستدرك كتابي جملة هي ( أن السيل حمل برجا صحيحا ومعه في جانبيه مدينتين ) ، فقال السيد جعفر : إن الصواب أن نكون ( . ومعه في جانبيه مأذنتين ! ) وما أدري كيف تخيل برجا يكون على يمينه مئذنة وعلي شماله مئذنة ؟ ثم أقره السيد عدنان على تصوبيه هذا ، وأضاف ( ويظهر أن الأستاذ المنجد عندما ما نقل هذا النص عن المؤلفات الأجنبية توهم أن المئذنة مدينة لأن المؤلف الأجنبي دونها بحروف لغته كما ينطلقها العامة عندنا غير مهموزة وبدال مهملة ) . وهذا كلام فيه جهل وأترفع عن نعته بما يستحق . ولقد أراد الطعن ، فرد الطعن إليه وظهر أنه كالسيد جعفر الحسني في عدم فهم النص . فالنص عربي قديم ، منقول من كتب عربية ، لا أجنبية ؛ وورد في ( البداية والنهاية ) وورد في ( مختصر تاريخ الإسلام ) وقد ورد سهوا في كتابي ، ولا علاقة له بموضوعي ، وله قصة غريبة لا أتعب القراء في سردها . وقد وقع خطأ مطبعي في الكلمة التي صححها السيد جعفر فجعلها ( مأذنتين ) وصواب الجملة أن تكون ( أن السيل حمل
برجا صحيحا ، وحمل معه في جانبه بدنتين ( بدنتين ) هي الصحيحة ، لا ( مدينتين ) المغلوطة مطبعيا ، ولا ( مأذنتين ) المصححة من السيد جعفر الحسني فلو عرف السيد عدنان هذا لما اسف فيما قال ، ولو رجع المصحح الحسني إلي هذه المصادر لما جعل ( البدنة ) ( مئذنة ) وخاصة ان ( البدنة ) معروفة عند من قرأ ما يتعلق بالريادة العربية ، ويعلم الآثار الإسلامية
وبعد فإني أدع لك يا سيدى الأستاذ ، وأنت الحكم المنصف ،أن تحكم على نقد أبان فيه صاحبه انه ليس من أهل العلم الذي ينقد فيه ، وانه ينقد على غير اطلاع ، ثم يتحامل وينمز
وإني لأسف ان ينحط النقد إلي هذه الدركة ، وان تفتح له المجلات الرصيلة صفحاتها
إن النقد الصحيح العلمي الذي يهدف الفائدة والحقيقة ، مركب صعب وخير لكل ناقد ان يتريث فيما ينقد وان يسأل ويتعلم قبل ان يكتب . فما في ذلك عيب ، إنما العيب أن يكتب الناقد عن غير اطلاع فيه فيفتضح أمره ويحتقر
اوإذا كان السيد عدنان يشتهي ان ينال الشهرة بالطعن علي ، فليطعن ما شاء له الطعن بعد اليوم ، وليشتهر بين الناس بما يستحق
رحم الله رجلا عرف قدر نفسه فوقف عنده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته جديدا ( لبنان )
( الثقافة ) هذا آخر ما نشر في هذا الباب . ولعل النقاد يترفعون عن لغة السباب والمنقودين يتنزهون عن ضيق الصدور

