الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 755الرجوع إلى "الرسالة"

رسائل الصاحب بن عباد

Share

(صححها وقدم لها عبد الوهاب عزام بك، وشوقي ضيف)

الصاحب بن عباد من أئمة أدباء القرن الرابع، وهو تلميذ  ابن العميد، وكلاهما كان وزيرا في دولة بني بويه. وكانت آثار  الصاحب بن عباد مطوية في بطون المخططات حتى نهض الأستاذ  العميد وصاحبه، فأخرجاها إلى نور الطباعة، مع العناية بالتصحيح  والتحقيق، وتجليه بالتعريف والتقديم. فإذا بالجوهرة  الخفية في خزائن الدور، تكشف وتبرز إلى النور، وهذا عزم  من الأستاذ عزام مشكور، يحمده له قراء العربية، لان إبراز  كنوز الأدب القديم يعد الخطوة الأولى في بناء الحضارة الإسلامية.

ولهذه الرسائل قيمة تاريخية، وقيمة أدبية، كما ذكرا في المقدمة،  ونستطيع أن نضيف إليها قيمة اجتماعية كذلك. فالباب الأول  في البشائر والفتوح؛ والثاني في العهود؛ والثالث في الأمان  والأيمان والموافقات والمناشير؛ والرابع في الوصاة بالحجيج والمصالح  وأمر الثغور؛ والخامس في الاستعطاف لقلوب أولياء الدعوة  والتودد إليهم بمباسطتهم وما يقارب ذلك؛ والسادس في إصلاح  ذات البين والدعاء وتهجين العقوق بين ذوي الأرحام؛  والسابع في المدح والتعظيم؛ والثاني في الذم والتهجين؛ والتاسع  في التهاني والأجوبة؛ والعاشر في التعازي؛ والحادي عشر في  الإخوانيات والملاطفات والمداعبات والثاني عشر في التشكر  وما يشاكله؛ والثالث في الإستزارة والتقريع؛ والرابع  عشر في التنصل والاسترضاء؛ والخامس عشر في الشفاعات؛  والسادس عشر في توصية العمال بجلب المال وإظهار العفاف  وحسن السياسة؛ والسابع عشر في الآداب والمواعظ. الخ.

وقد عرضت فهرس هذه الرسائل لتعلم أنها تتشعب في كل  فن وتضرب في كل باب، حتى لتعد صورة صحيحة للعصر الذي

كان يعيش فيه صاحب، بل هي مرآة للحياة الاجتماعية  وما ينبغي أن يكون عليه أدب السلوك، أو الأخلاق  العلمية كما نعبر اليوم. ولهذا كنت احب ألا يقف المدخل  الذي دبجته براعة العميد وصاحبه في التقديم عند حد  القيمة التاريخية والأدبية للرسائل. وفي الحق أن هذه الدراسة  مثال لما ينبغي أن تكون عليه دراسة الأدباء في تحقيق سيرتهم،  ونقد أساليبهم، لولا الطمع إذ كنا نشتهي المزيد. ولا تظن  أن هذه الدراسة قصيرة فهي تقع في عشرين صفحة من القطع  الكبير.

أبرز صفة في هذه الرسائل، وهي مما يمتاز به صاحب بن عباد  أو قل أن شئت أنها سمة العصر كله، التزم السجع وتكلف  البديع أو كما انتهى المدخل إلى القول   (ونرى من كل ما سبق  أن صاحب عنى في رسائله بالسجع فلا بنفك عنه الا نادرا  كما عناي بطول الجمل وتحليها بالبديع، وخاصة الجناسات  والاقتباسات والتشبيهات والاستعارات) .

وعندي أن شيوع الزينة اللفظية، والتنميق الخارجي  للاساليب، إنما يرجع إلى أن الحضارة الإسلامية وقفت عن  الابتكار، وانصرف الناس مع استتاب الملك وغنى الدولة إلى  شغل الفراغ بالتأنق والتجميل، ولهذا نجد الحلية والزركشة وزينة  تدخل إلى صميم كل فن من الفنون. حلية في الخط والكتابة،  وفي النقش والعمارة، وفي الملابس والنسيج، وفي الشعر والنثر  كذلك.

وسأل المحققان في دراستهما أنفسهما سؤالا له قيمة عظيمة    (أكان للفارسية اثر في كتابة الصاحب، وقد قلنا آنفا انه كان  يتقن الفارسية؟)

ويبدو أن عبد الوهاب عزام بك - هو أستاذ الأدبين  والعارف باللغة الفارسية - اثر التحوط فقال   (وأما أن تركيب  الجملة العربية طاوع تأثير الفارسية، أو أن أسلوبا من أساليب  العربية يعد محاكاة لأسلوب فارسي، فأمر عويص ينبغي إلا يقدم  عليه الباحث المثبت إلا بعد بحث طويل دقيق) . فأنت ترى أن علامة الاستفهام لا تزال موجودة أمام السؤال  والطريق مفتوح أمام الباحثين.

وقد وقف طويلا عند قول المحققين   (ونحن نجد في الرسائل  نزعة واضحة إلى القول بالاعتزال والدعوة إليه) . فهذا البحث،  واعتنى به الاعتزال والكلام وما يتصل بهما مما تهفو إليه نفسي،  وكنت احب أن أجد في الرسائل ما يشبع رغبتي، صحيح أن  ياقوت يقول عنه انه كان   (مثل أبيه يذهب مذهب الاعتزال) .

غير أن قول ياقوت يحتاج إلى تأييد من نصوص الصاحب نفسه.  والذي اعتمد عليه المحققان في نسبة الاعتزال إليه جاء في  الرسالة التاسعة من الباب العاشر   (مولاي يتدين بتعديل ربه،  ويعرف مواقع اللطف في صنعه، ولا يشك في اقتران الصلاح  بفعله) . وهما يعتمدان على رسالتين في الباب السابع عشر  حيث يقول في الرسالة الثانية إلى أحد شيوخ بعد الكلام (وعلى  هذا الذكر فقد كان هذا البلد من البلاد المستغلة على أهل عدل  الله وتوحيد والتصديق بوعد ووعيد. هذا وفي فقهائه وفور  وفي الفضل به ظهور. . .) وشهرة المعتزلة بأنهم أهل العدل  والتوحيد، والوعد والوعيد، اعظم من شهرتهم بالتعديل والصلاح.

وجاء في الرسالة الثالثة تحت هذا الباب نفسه، يكتب إلى  أهل الصيمرة   (. . . وصل كتابكم. . . إذ كنتم بحمد الله  ومنه، وطوله وفضله، المشتهرين بالذب عن توحيد الله وعدله،  وصدقه في وعيده ووعده، وكان بلدكم من بين البلاد كفرة ادهم  وشهاب في ليل مظلم، وما في النعم اجل موقعا، واهنا مشرعا  من النعمة في القول بالحق والدعاء إليه، والتدين به والبعث عليه،  ومهانة من شبه الله بخلقه، فتتابع في جهده، أو وجوده في فعله  فشاك في حسن نظره وطوله)  وهذا نص آخر اكثر في الاعتزال  بيانا، فيه العدل والتوحيد، والصدق في الوعد والوعيد، ونفى  التشبيه، وامتناع التجوير.

وهنا نستطيع أن نطمئن إلى ما ذكره عنه ياقوت من انه  كان يذهب مذهب الاعتزال. ولكن الدكتور عزام بك والدكتور  ضيف لا يطمئنان إلى أن الاعتزال   (أكان هذا من عمله هو،  أم من عمل الدولة، فقد كان عضد الدولة يذهب - فيما يظهر -  إلى الاعتزال) .

وبعد فأنا نهنئ المكتبة العربية بهذا الظفر الأدبي، وبهذه  الدراسة العميقة الممتعة، ونرجو أن ينهج الذين يخرجون المخطوطات  هذا النهج السليم.

اشترك في نشرتنا البريدية