عندما بدأ اتصالي بالغرب كان أقوي ما أثر في وأسرعه ، هو طبيعة ذكائكم ومستواه ؛ فقد ظهر لي كيف أن عقولكم استطاعت في نجاح أن تتعرض لمسائل ومشاكل ما كانت لتدور بخلدنا نحن في الشرق . لقد وصلتم بالتجربة حينا ، وبالتحليل حينا آخر ، إلي معرفة أسرار تفاعل القوي الطبيعية ، ثم استخدمتم هذه القوي بطرق بدت لخيالي الغر أنها تكاد تكون معجزة . ولم ينقص الاعتياد شيئا من إعجابي بما وصلتم إليه في هذا المضمار ، فأنا أدرك كل الإدراك أن هذا أهم ما يخول لكم ادعاء الأفضلية علينا ؛ بل إني لست أعجب أن أجد من وبين خير أذكيائنا من يحبذ في حرارة ، بل من يدافع في حماس عن إدخال هذه الأساليب الغربية حالا في الصين . وإني وإن كنت أشعر بما يشعر به هؤلاء المصلحون من تحمس للصالح العام ورغبة في الخير ، فإني في الوقت نفسه عاجز عن أن أؤيد سياستهم تلك . ولعله من الأفضل أن أبين هنا الأسباب التي قادتني إلي هذه النتيجة ، فهي نتيجة تلوح لأول نظرة أنها متناقضة
وأبادر فأعترف بأن وجهة نظري الأولى قد تغيرت بدراسة تاريخكم طوال القرن الأخير ، وبالتعرف القريب ببناء مجتمعكم . إن هذه الدراسة وهذا التعرف قد علماني أن أبرع الاختراعات وخير الوسائل في استخدام العبقرية المخترعة لا تكفيان وحدهما في صلاح المجتمع . إن ذكاء قد ركز تركيزا خالصا لإنتاج آلات توفر علي الإنسان جهده ، قد يقود -بما يقلقل في النظام الصناعي - إلي الشر أكثر مما يقود - بما ينميه من ثروة - إلي الخير لأن نماء الثروة أو توفر أسباب الراحة ليس فيما أري خيرا خالصا
في نفسه ، إن الأمر كله يتوقف على طريقة توزيع الثروة ، وعلى ما يترتب عليها من آثار في كيان الأمة الخلقي . وهذا هو الاعتبار الذي يجعلني آسي وأتألم كلما نظرت إلي مشروع إدخال النظم الغربية في الصين . وهاكم مثلا يوضح لكم وجهة نظري خير إيضاح . لقد رأينا عندما بدأنا إنشاء أول سكة حديدية في الصين تصل بين نيتسن وبيكين ، أن المشروع قد أثار في أهل المنطقة مقاومة سرعان ما تطورت إلي هياج وثورة ؛ وكسر الخط وهدمت الجسور ، وأصبح الاستمرار في العمل مستحيلا . فلم نبعث إلي الثوار بقوة من الشرطة تحافظ على الأمن ، وإنما أرسلنا إلي المنطقة حسب تقاليدنا في الصين موظفا ليتفاهم مع الثوار أنفسهم ويتبين وجهة نظرهم ؛ وكانت وجهة نظرهم كما هي الحال دائما سليمة معقولة . إنهم قوم يكسبون عيشهم من الملاحة النهرية ، فهالهم أن الخط الحديدي سيحرمهم من الوسيلة التي يحصلون بها علي قوتهم . وأدركت الحكومة في الحال عدالة مطلبهم ، وقدمت إليهم الضمانات الكافية ألا تتأثر ملاحتهم النهرية أى أثر سيئ من هذا المشروع . وبهذا انتهي الشر وهذا الاضطراب والقلق . إن هذا الحادث وحده لمثل طيب لتبيان الأسلوب الذي تعالج به مثل هذه المشاكل في الصين . أما الإنجليز الذين رويت لهم هذا الحادث فإنهم جميعا دون أي استثناء قد أنصتوا إليه وعوامل الدهشة حينا والحنق حينا آخر تتناوبهم ؛ فلقد بدا لهم مريعا فظيعا أن تعير الحكومة مثل هذه المظاهر من الشعب أي التفات ، إنهم لا يتكلمون إلا في قانون العرض والطلب في مسألة استنفاد الإنتاج استنفادا كاملا في المنافسة والتقدم والحركة وطول المدي ؛ وإني لأنصت إلي كلامهم هذا في شيء قل أو كثر من الفهم والموافقة ، ولكن ما من شيء من كل هذا يمنعني من أن أري ، بل من ألا أزال أري الحقيقة . إن اتباع هذه الأساليب الغربية الحديثة في الحياة معناه ، إلي الآن
على الأقل ، مقدار ما من التقلقل في الصناعة ومقدار غير قليل من الفقر والعذاب والتضور جوعا . وتاريخكم الصناعي نفسه ملىء بالبراهين على ما أقول . ولست أملك أن ألحظ إلا ، والأسي يملؤني وخيبة الأمل تغمرني ، أنكم طوال هذه السنوات التي قضيتموها كلها في محاولة إتقان فنونكم الآنية ، لم تستطيعوا ، بل إنكم حتى لم تحاولوا ، والذي لا شك فيه أنكم لم تحاولوا في نجاح ، أن تخترعوا أية وسيلة تمحون بها الاضطراب والشقاء والتعاسة التي ابتليتم بها جمهور العمال من قومكم . وليس في هذا ما يثير العجب في الواقع ، فمن عادتكم دائما أن تجعلوا الحياة في الرتبة الثانية بعد الثراء . ولكن ليس في هذا في الوقت نفسه ما يشجع الرجل الصيني على أن يقدم على اتباع أساليبكم تلك وأنا على الأقل لا أستطيع أن أتأمل هذا إلا وأنا مدرك كل الإدراك هذه الاضطرابات التي ستترتب حتما ، وستقع فعلا في شعبنا المؤلف من أربعمائة مليون نسمة ، من جراء تعميم الأساليب الصناعية الغربية فينا ، ستقولون إن الاضطراب موقوت ، ولكن يبدو لي أنه مزمن عندكم في الغرب . فإذا تركنا هذا جانبا ، فهل لكم أن تأذنوا لي بسؤالكم عما إذا كنا سنكون نحن الفائزين ؟ أما بالنسبة إليكم فالفوز ظاهر ملموس ، وكذلك ستكون الخسارة بالنسبة إلينا ، ولكن ما هذا الذي سنجنيه بالفعل ؟ إنه لسؤال سخيف فيما يبدو لكم ، ولكن اغفروا لصيني أن يراه هاما . ستجيبون أننا سنجني ولاشك ثراء ، وقد يكون ذلك حقا ، ولكن ألسنا سنفقد في سبيله الحياة ، ألسنا سنصبح مثلكم ؟ وهل تنتظرون منا أن نتطلع إلى مثل هذا المستقبل في سكون بارد واطمئنان هادئ ؟ ما هي مميزاتكم ؟ ألا فخبروني ! إن قومكم قد تيسرت لهم ولا شك بعض خيرات الحياة الثانوية ، إنهم يأكلون أكثر منا ، وكذلك يشربون وينامون ، وإلي هنا ينتهي امتيازهم ؛ ولكنهم أقل منا بهجة ، وأقل قناعة
وأقل نشاطا ، وأقل لينا ؛ أما أعمالهم فأقل ملاءمة للصحة ، صحة الجسم والعقل معا ، إنهم محتشدون في المدن والمصانع ، وقد طلقوا الطبيعة وحرموا متعة امتلاك الأرض . لقد قررت ذلك من قبل وأوضحته ، ولكني أعود إليه هنا لأفسر لكم موقفا قد يبدو متناقضا ، موقف هذا الذي يعجب إعجابا خالصا بما وصل إليه الذكاء الأوروبي ، ولكنه يشك في الوقت نفسه فيما إذا كان هذا الذكاء قد استخدم خير استخدام ؛ بل إنه ليتساءل علي الاقل أليس هذا الذكاء مقصورا على ناحية بعينها قاصرا فيما عداها ، بحيث أصبح أهلا لأن يأتي بشر يوازي ما قد أتي به من خير ؟ قد تصلون ، وهذا ما أو من أنكم ستفعلون ، إلى إصلاح هذه الحال ، فتبرهنون أنكم أهل لان تنظموا حياة الإنسان بنفس العبقرية التي نظمتم بها قوي الطبيعة وسيطرتم عليها . ولكن ، إلي أن يحين ذلك الوقت ، أري ، فيما أظن ، أننا معذورون في أن نتردد في اتباع أساليبكم الغربية وإن كنا نعجب بها كل الإعجاب ، وفي أن نشعر أن المزايا التي يمكن أن نصل إليها من هذا السبيل سندفع ثمنها هذا الاضطراب الذي صاحب أساليبكم أينما اتبعت .
وهناك مسألة أخري تشغل تفكيري ، إن تكن أقل اتضاحا فهي ليست أقل خطرا ، لابد في كل مجتمع من أن ينهمك مجموع الناس في الأعمال الآلية ، ومجتمعنا في هذا لا يقل عن مجتمعكم ، وهو بلا شك لا يزيد عنه ، ولست أري إلي الآن أن أي تغيير قد طرأ على هذه الحال بتدخل الآلة في المجتمع . ولكن في الوقت نفسه يجب أن يوجد في كل مجتمع جماعة من الرجال قد أعفوا من هذا العمل الآلي ليكونوا أحرارا في أن يكرسوا أنفسهم لغايات أرقي وأرفع . ولقد وجدت في الصين لقرون طويلة خلت تلك الطبقة من الرجال الذين أفردوا منذ أول الأمر حتى يتابعوا
دراسة الفنون الحرة ، وقد قدر لهم أن يشغلوا وظائف الحكومة . إن هؤلاء الرجال لا يكونون في الصين طبقة ممتازة بعينها تتوارث هذه الوظائف الحكومية ، بل إن الميدان عندنا مفتوح لكل صيني أيا كان مادام قد امتاز بالمواهب المطلوبة والميول اللازمة ، وإني لأري أن مجتمعنا في هذا منذ قديم أوفر مجتمعات العالم ديمقراطية حقة . وأنتم تعلقون على نظام التعليم الذي تتبعه تلك الطبقة عندنا تعليقات عديدة ، وتنتقدونه انتقادات شتي . ولست أريد أن أدافع عن هذا النظام هنا . وكل ما أريد تبيانه هو حقيقة واحدة بعينها ؛ إنه بفضل هذا النظام قد دفعنا قومنا من كل الطبقات إلي احترام كل ما يتصل بالعقل والروح ، واستطعنا أن نحافظ فيهم على هذا الاحترام . وإنه لمن الصعب أن نجد لمثل هذا الاحترام شبيها في أوروبا ، بل إنا لا نكاد نجد له أثرا في إنجلترا خاصة . إن الآداب تحترم في الصين احتراما يبدو لكم ، لا من حيث الكم ولكن من حيث الكيف أيضا ، إنه غير معقول ، بل إنه مبالغ فيه على الأقل ، وإن لذلك سببا . فلقد علم شعراؤنا وأدباؤنا أبناءهم لقرون طويلة أن يبحثوا عن الخير لا في الثروة ولا في السلطان ولا في تنوع الحركة وكثرتها ، ولكن في تقدير أبسط علاقات الحياة وأكثرها شيوعا بين الناس تقديرا راقيا ممتازا دقيقا
أن نشعر ولكي نشعر حقا أن نعبر ، أو على الأقل أن نفهم تعبير كل ما هو جميل في الطبيعة وكل ماهو صارخ أو رقيق من الإحساسات البشرية ، إن هذا في نفسه لغاية أي غاية . إن الزهرة في الحديقة المقمرة ، وظلال الأشجار على العشب ، وزهر اللوز وقد تفتح ، وعبير الأرز وسحر الخمر والقيثار ، إن هذه كلها ، وغمرة الحياة والموت ، والضمة الطويلة الحارة ، واليد التي تمتد في الفضاء إلى ما لا تستطيع أن تصل إليه ، واللحظة التي
تمر بما حملت معها من نغم ونور فتتلاشي في أطياف الماضي السحيق ، إن كل ما نملك ومالا نستطيع أن نملك من طير الطائر وعطر النسيم ، إن هذا كله قد تعودنا في الصين أن تهتز له مشاعرنا ، وأن نستجيب له ، واستجابتنا تلك هي ما نسميه أدبا
إننا لنملك كل هذا ، وأنتم لا تملكون أن تعطونا شيئا منه ؛ ولكنكم واحسرتاه تستطيعون في يسر أن تحرمونا منه ! إن ضجيح الأنوال والعجلات ليخرس كل هذا الجمال ، ودخان المصانع يحجبه ، والحياة الغربية في اندفاعها الجنوني تقتله !
وعند ما أتأمل رجال الأعمال منكم هؤلاء الذين تعجبون بهم أيما إعجاب ، عند ما أراهم والكد يطحنهم طحنا ساعة بعد ساعة ، ويوما بعد يوم ، بل عاما بعد عام ، وهم غرقون في عمل قد فرض عليهم فرضا ، فلا هو يسعدهم ولا هو يفرغهم ؛ عند ما أراهم يحملون هموم اليوم معهم إلى ساعات راحتهم الشحيحة القصيرة ، وهم يفنون لا من الجهد والكد ولكن من الهموم الثقيلة الحقيرة ؟ عندئذ أنظر بعين يملؤها الرضا إلى العمل الآلي البسيط الذي تفرضه علينا صناعتنا ، عندئذ يرتفع في نظري درجات فوق طرقكم الحديثة الخطرة قدر تلك الطريق الممهدة ، التى ألفتها أقدامنا من كثرة ما اعتادت السير فيها ، إنها تتيح لنا ونحن نجتاز مشاقها الفرصة لأن نرفع من أبصارنا نحو السماء لنري نجومها الأزلية
