ظل اتصال الغرب بالشرق في العصور الوسطي اتصال تجارة ، حتى كانت عصور النهضة فبدأ الغرب يتطلع إلى ما ظل طويلاً في أيدى الشرق من نفوذ وسلطان ومال .
وأول ما بهر الغرب عندما زار الشرق ليستكشفه تمهيداً لغزوه ، كان هذا الثراء الضخم والبذخ العظيم اللذين رآهما في تركيا خاصة ، عاصمة الشرق إذ ذاك ومقر حكومته .
ولما كان الشرق مجهولاً إلا من طبقة المتأدبين ، وحتي تلك الطبقة لم تكن لتعرف عنه إلا النزر اليسير ، فقد كانت الحكومات الأوروبية تختار هؤلاء ، المتأدبين ذوي الإلمام اليسير بالشرق ، فهو أحسن من لا شئ ، ليكونوا سفراءها إليه ليتعرفوا لها مجاهيله ، فيمهدوا لها سبيل الفتح والسيطرة علي أساس من المعرفة الحقة .
ولسنا بصدد ما عمله هؤلاء المتأدبون في السياسة ، ولكنا نعني بما عملوه في الأدب ؛ فقد تفتنوا هم ومن قرأ لهم من الأدباء في وصف بذخ الشرق واتساع سلطانه ،
وأثار اعجابهم بل تعجبهم كثير مما رأوا من عجيب الماديات والمعاملات والنظم . واستغل الشرق في الأدب الغربي كثيراً في تلك الفترة ، فقد فتح آفاقا من الخيال ، وأثار طائفة من العواطف ، بل إنه استغل كسناد مزركش يخفى وراءه الكاتب ما يريد من نقد لأمته لا يستطيع أن يجهر به أمام هذا السلطان الناشئ القوي في الغرب .
وكتب الكتاب كثيراً عن الشرق مبهورين وواصفين وناقدين ، ولكنهم أخيراً تنبهوا إلي أن وراء هذا البدخ بل وراء تلك العجائب روحا يستحق منهم أن يقفوا أمامه ،
لا ليتعرفوه فيحترموه فحسب ، ولكن ليتطلعوا إليه في لهفة ، فقد أفقرت منه مدنيتهم الغربية علي جلال جمالها وخطر شأنها ؛ وكلما سارت مدنيتهم في خطاها الواسعة نحو رقى
العلوم ونمو السيطرة على المادة ، وسارت في الوقت نفسه نحو الافتقار في الروح الإنساني والإيمان بالله . احس هؤلاء ، الكتاب ظمأهم لهذا الروح العظيم الذي فقد الشرق كل شئ إلا هو ، فعاش راضيا بما فقد ، قويا متطلعا إلي المستقبل في صبر وإيمان ، بما لم يفقد .
وهذه رسائل علي لسان صيني كتبها الكاتب الإنجلزي المعاصر (ج . لويس دكتسن) Lowes Dickenson عن الصين ، وسماها "رسائل جون الرجل الصينى" بقارن فيها بين مدنية الروح في الصين ومدنية المادة في الغرب ؛ وهو بذلك يرينا صورة من هذا التطلع
الغربي نحو روح الشرق ؛ ولقد نشرها منذ أكثر من أربعين عاماً دون إمضاء ، ليخيل إلي القراء أن كاتبها رجل صيني بالفعل . والعجيب أن القراء صدقوه في هذا الزعم ، بل قراء من أرقي الناس فهما لأمور الحياة كالزعيم الأمريكى " براين " ولما عاد فنشرها منذ أعوام قليلة باسمه لم تفقد هذه الرسائل مهجتها بعد أن أزاح المؤلف الستار عن خدعته التي أراد أن يخدع بها القراء .
والآن وقد كثر الكلام والنقاش والتفكير حول مدنية الشرق ومدنية الغرب ، والمقارنة بينهما بسبب هذه المحنة التي يجتازها العالم ، والتي لا تبشر بشاعتها بخير ،
نري نحن الشرقيين على الأقل ، في مثل هذه الرسائل نوعا من الراحة أو الهدوء ، لعل مبعثه التطلع إلي مستقبل قريب تقاس فيه المدنيات وتقوم لا بقدار ما حققت للحكام من نفوذ وسلطان ، وما أتاحت للأفراد من كسب ومال ، ولكن بمقدار ما حققت للشعوب من طمأنينة ومحبة ، وهدوء وسعادة .
ولما كانت هذه الرسائل قصيرة قليلة فقد رأينا أن ننقلها إلي العربية كما هي حتي لا تتعرض إلي ما قد تتعرض له الآثار الأدبية من تشويه الأختيار ، أو تحلل الاختصار .
الرسالة الأولى :
هذه هي الأحداث الحالية في الصين تظهر للملأ من جديد ، وهذا التنافر الجوهري بين المدنية الشرقية والمدنية الغربية - بل إنها تظهر كيف أن جهل الواحدة منهما بالأخري واحتقارها لها قد أديا إلي ما أديا إليه ، فأوجدا هذا الإشكال الحالي في الصين . ولقد لزمت الصمت طوال تمثيل تلك المأساة على مسرح الصين ، ولكن شعور السخط المتزايد في نفسى ، وأملي الذي قد يكون في الواقع حلما من الأحلام في أن يمحي بعض سوء التفاهم ، قد أرغماني أخيرا علي أن أفتح شفتي لأعرض أمام الجمهور البريطاني بعض وجهات النظر التي طالما ألحت علي في أن أعلنها للناس . وأنا لا أريد بحال أن أتحدث في هذه الأزمة القائمة . إن مهمتي في الواقع هي أن أبعث في الشعب البريطاني تقديرا لمواطني ولسياستهم أقرب إلي العدل من تقديرهم الحالي . وسبيلى إلي هذا أن أشرح لهم وجهة نظرنا نحن نحو المدنية الغربية ، وأن أبين لهم لماذا نريد أن نحمي أنفسنا قدر المستطاع من آثار مدنيتهم تلك وإخال أني أهل لأداء مثل هذه المهمة ، فإن إقامتي الطويلة في إنجلترا تخولي الحق في أن أتكلم عن نظمهم بينما غيبتى الطويلة عن وطني لم تجردني من حقى في أن أتكلم عن نظامنا ، إن الصيني صيني حيث كان وإني إن اعترفت أني أري فيما وصلت إليه المدنية الغربية كثيراً مما يثير إعجابي ، فإني أعترف في الوقت نفسه أني لم أرى بعد شيئا يجعلني أندم علي أني ولدت في الشرق ، يا له من اعتراف عجيب بالنسبة إلي الرجل الإنجليزي ! فقد اعتدتم أن تنظروا إلينا على أننا همج وقد يكون لكم في ذلك بعض العذر ، لأنكم لم تكونوا في الواقع تلتفتون إلينا التفاتاً حقاً إلا حينما كنا نقتل واحداً من مواطنيكم وكان لكم أن تحكموا من مثل هذه الثورات العصبية الجامحة أننا أمة من القتلة الأشرار جامدي
الشعور ؛ ونصيب حكمكم هذا علينا من الصحة كنصيب حكمنا نحن على مدنيتكم ، إذا بنينا هذا الحكم على ما نراه من جيشكم في الصين . إنه لا يجب أن يحكم علينا بما تفعله الجماهير منا ولا بما تفعله حكومتنا ، إن حق لي أن أقول ذلك ، فالحكومة في الصين لا تمثل الأمة . ولكن حتي هذه الأعمال الثائرة التي تثير سخط الطبقة المتعلمة من أهل الصين تستحق من الأوروبيين ، فيما أجرو أن أري ، نظرة أخطر مما كانت إلي الآن ، وسخطا أقرب إلي التأني والحذر منه إلي الاندفاع والتمادي ، إن هذه الثورات ما هي إلا تعبير قوي عن شعور هو في الواقع ، ويجب أن يظل أبداً ، العامل الأول في علاقتنا بالغرب . وهذا الشعور هو أننا لا نطمئن أبدا إلي مدنيتكم ، بل إننا نكرهها أشد الكراهية ؛ أما أنتم فإنكم ترجعون هذا الشعور إلي جهلنا وتعصبنا وأما الحقيقة ، واسمحوا لي أن أراها كذلك ، فهي أن هذا الشعور بعتمد كل الاعتماد على المنطق الحق
ولكي أشرح لكم وجهة نظري فإني أطالبكم ، قرائى ، أن تقدروا هذا الذي أقوله في كثير من الجد وغير قليل من الصبر والتأني : إن مدنيتنا أقدم مدنية في العالم ، وليس معني هذا انها تكون بذلك خير المدنيات ، ولكن من المسلم به أيضاً أنها لا تكون بذلك شر المدنيات ؛ بل إن الأمر علي العكس من ذلك ، فهذا القدم نفسه ، على آية حال ، برهان قوي علي أن نظمتنا أو مدنيتنا قد يسرت لنا شيئا من الاستقرار والثبات يبحث عنهما عند الأمم في أوربا فلا تجدهما . وليست مدنيتنا مستقرة ثابتة فحسب ، ولكنها تقوم على نظام خلقي ، وكل ما يقابله في مدنيتكم هو الفوضي الاقتصادية ، ولست أتعرض الآن إلي المفاضلة بين دينكم وديننا ، أو إلي المناقشة في شيء من هذا القبيل ، ولكن الذي لا شك فيه أن دينكم أضعف بتأثيرا في نفوس جماعتكم من ديننا في نفوس جماعتنا إنكم تعلمون
ولا شك أن دينكم المسيحية ، ولكن مدنيتكم لم تكن مسيحية في يوم من الأيام ، بينما مدنيتنا نحن " كونقوشية " قلباً وظاهراً ، ومجرد وصفها بأنها كونفوشية معناه أنها خلقية ، أو علي الأقل ، فأنا لا أسوق افتراضات ، إن العلاقات الخلقية بيننا هي العلاقات التي يوحي بها هذا الدين أصلا أما عندكم فإننا نري أن العلاقات الاقتصادية لها المقام الأول بينكم ، ثم تحاولون تطعيم تلك العلاقات بالأخلاق ، ولكن على قدر طاقتها ليس غير
وهذه وجهة نظر استطيع تبيانها بالمقارنة بين نظرتكم إلي الأسرة ونظرتنا نحن إليها . فالأسرة عندكم ، حسبما يستطيع الأجنبي أن يري ، ليست إلا مجرد وسيلة لإطعام الطفل وحمايته حتى يصل إلي سن يستطيع فيها أن يعني هو بأمر نفسه فأنتم ترسلون أبناءكم ، مبكرين في ذلك قدر المستطاع ، إلي مدارس داخلية حيث يحررون أنفسهم فيها بأسرع ما يمكنهم من أثر البيت والأسرة . وما يكادون يعملون إلي سن مناسبة حتى تدفعوهم خارج البيت ليشقوا طريقهم ، أو ليخطوا حظهم ، كما تقولون ؛ ومنذ تلك اللحظة بانتهاء اعتمادهم علي والديهم كثيراً ما ينتهى اعترافهم بأن عليهم نحوهم واجبا ، فلهم أن يذهبوا أني شاءوا ، وأن يفعلوا ما أرادوا ، وان يتكسبوا وبنفقوا كيفما يخلو لهم ، بل إنهم مخيرون في أن يبقوا على الصلات التي بينهم وبين أسرتهم أو أن يفصموا عزاء . إن الفرد عندكم هو الوحدة ، وكل الوحدات حرة طليقة . لا أحد عندكم مرتبط بغيره ، ولكن لا أحد له أصل في الأرض . إن مجتمعكم حسبما تصفون مجتمع بتقدم . إنكم دائما سائرون إلي الإمام ، كل فرد منكم يحس أنه من واجبه ، بل من المحتم عليه ، أن يشقي لنفسه طريقاً جديداً إنه من العار عندكم أن يظل الإنسان حيث ولد ، فالرجل ، ليستحق عندكم أن يكون رجلا ، يجب أن يغامر وأن
يكافح ، وأن ينافس ، وأن يفوز ، وإلي هذه الخصلة في مجتمعكم يرجع بلا شك هذا النشاط العظيم الذي امتزتم به ، وهذا النجاح الهائل الذي أصبتموه في كل الفنون المادية . ولكن إلي هذه الخصلة نفسها يرجع هذا الذي يصدم الرجل الصيني في مجتمعكم هذا القلق والاضطراب والفقر في الخلق ، فلا يوجد بينكم قانع ، وليس بينكم من يجد من وقته الفرصة لأن يحيا ، لأنكم جميعاً منهمكون في سبيل إنما ، موارد العيش إن " الارتباط النقدي" ، كما يقول بعض كتابكم ، هو الصلة الوحيدة التي تعترفون بها بين الناس .
أما في الشرق فإنا نعد هذا كله من أمارات التوحش في المجتمع . إنا نقيس الحضارة لا بمقدار ما تجمع من وسائل العيش ، ولكن بقيمة هذه الحياة التي نحياها ، وبما تمتاز به من صفات . إن مجتمعاً انعدمت فيه الصلات الإنسانية بين الناس وتقلقات حاله ، ولم يقدس ماضيه ، ولم يحترم حتى حاضره ، وكل ما فيه تلهف لنيل ما سيأتي به الغد ، إن مجتمعا تلك صفاته ومزاياه لا نعده نحن مجتمعا حقا ؛ إنا لا ترضي بل لا تقبل أن نكون اغني منكم مالا وأبرع منكم علما ، وأرقي منكم فنا ، إذا كان ثمن هذا أن تتبع النظم التي تسيرون عليها !!
إننا في كل هذا علي النقيض منكم ، فنحن ننظر أولا إلي المجتمع ثم إلي الفرد . إن القاعدة عندنا أن يولد الفرد منا وسط هذه الصلات والعلاقات التي سيستمر محافظا عليها مدى حياته ، وينتهي حيث بدأ فرداً في أسرته . وعلى ضوء هذه الحقيقة ، بل وفقا لها يرسم لنفسه خطة حياته ويحياها إنه يعلم أن يقدس أجداده ، وأن يحل والديه ويطيعهما ، وأن يعد نفسه منذ سن مبكرة لأعباء الزوجية والأبوة . إن الزواج عندنا لا يحلل الأسرة ولا يشتتها ، فالزوج يبقى في أسرته لا يقتطع منها ، وزوجه
تصبح قرداً بضم إلي جماعته وأقاربة . وهذه الجماعة هي الوحدة الاجتماعية عندنا ، لها أرضها المشتركة ، ولها معبدها ومراسيمها الدينية ، ومحكمتها الخاصة التي فصل في النازعات بين أفرادها . إن أحدا في الصين لا يحس نفسه وحيدا إلا إذا جنى هو على نفسه ذلك بما ارتكب من إثم ، وإن يكن ليس من السهل علي الصيني أن يثري ، فليس من السهل أيضا أن يجوع ؛ وإن يكن ليس ثمة ما يدفعه إلى المنافسة والمكافحة ، فليس ثمة أيضاً ما يدفعه لأن يغش أو يظلم أو يضطهد . وإذ قد تحرر من عذاب الطمع وخوف الحرمان ، فقد تحرر من السعي وراء جمع وسائل العيش ، وأصبحت لديه الفرصة لأن يحيا الحياة نفسها . وبفضل تلك الفسحة من وقته ، وبفضل غريزته الإنسانية أيضا ، يستطيع الصينى أن ينعم بمباهج الطبيعة حوله ، وأن يرقى خلقه ويهذبه ، وأن يوجد بينه وبين إخرانه علاقات إنسانية طيبة لا تشويها الأغراض ولا المطامع ، والنتيجة لكل هذا ، هي وجود نوع من الإنسان في الصين لا تملك إلا أن تعتبره من الناحية المعنوية ومن حيث الخلق والقيمة أرفي من السواد الأعظم من مواطنيكم في أوروبا وفي الوقت الذي نعترف فيه بعظمة مدنيتكم العلمية والعملية نري أنه من المستحيل أن نعجب ، بلا قيد وعلى طول الخط ، بمدنية أدت إلى معاملات بهذه الغلظة ، وأخلاق بهذه الخسة ، ومظاهر تبعد عن الجمال كل هذا البعد ، كالتي تصدمنا دائما في عواصمكم الكبيرة . إننا نعترف أننا لا يمكن أن نوصف بأننا قوم متقدمون . ولكنا ندرك أن هذا التقدم قد يكون فاحش الثمن ونحن نفضل مزايانا المعنوية علي مزاياكم المادية ، بل إنما مصممون علي أن يتعلق بنظمنا التي تؤمن أنها تكفل لنا تلك المزايا الخلقية ، وأن نحافظ عليها ولو كان ثمن ذلك الحرمان من مزاياكم المادية .
