الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 656 الرجوع إلى "الثقافة"

رسائل من المغرب، الرسالة الأولى

Share

هذه هي الحلقة الأولى من خمس رسائل ستنشرها "الثقافة " في خمسة أعداد متتابعة ، وإنما ليسرنا أن نقدم لقرائنا هذه السلسلة من الرسائل الممتازة في تعبيرها وتصويرها للحالة القائمة في بلاد الغرب. "الثقافة"

طنجة في ... سنة ١٩٥١ أخي راتب .

لقد حمل إلى البريد مفاجأة سارة ، غمرتني كحلم لذيذ

وسط عواصف من الأطياف المزعجة التي تقابلنا في هذا الركن من العالم العربي . حمل إلي البريد رسالتك الوفية التي ذكرتني السنوات السبع السعيدة التي امضيتها في مصر العزيزة ؛ في مدارسها ، وبين أبنائها ، إخواننا الذين ندين لهم بكرم الضيافة وجميل العطف علينا

أبناء المغرب ، وتذكر لهم إفساحهم المجال أمامنا في مدارس مصر ومعاهدها لندرس ونتفقه في ديننا ودنيانا . واذكرتنى رسالتك تلمذتى خمس سنوات في مدرسة السعيدية حيث كنا زملاء وأذكرتنى كذلك حادثة - ربما لا تزال تذكرها - يوم أن قال مدرس الجغرافيا : إن سكان شمالي إفريقيا برابرة خاضعون للحكم الفرنسي ، فثرت واحتججت وقلت له : كلا إننا عرب مسلمون مثلكم ، اغتصب الأجنبي حريتنا . وسوف نعمل على استردادها بقوة إيماننا ، وجهود شبابنا . واشترك معي يومذاك سائر تلاميذ الفصل في الاحتجاج وجاملوني ؛ فاسف المدرس لما صدر منه ، ولكني ذهبت إلى حجرته شاكرا ومعتذرا .

نعم بعثت رسالتك في نفسى فرحة عميقة ؛ لأنك ذكرتني ولأن بها خير توفيقك في حياتك العملية الجديدة حياة المحاماة . وما أحوجنا إليها تدافع بها عن الحق والعدل والكرامة ، ولأنك تقول فيها : إنك هزمت على زيارة بلادنا فأهلا وسهلا بك ، وبأمثالك الأوفياء من أبناء

العروبة الذين يشاركوننا آمالنا وآلامنا . سوف تكون في بلادك ، بين أهلك وإخوانك . وإن زيارة إخواننا المصريين وأبناء العروبة لنا لأمنية نسعد بتحقيقها .

وتسألي - يا اخي - من الأسئلة ما نريد أن تعرف به شيئا عن وسائل القدوم إلينا وإمكان ذلك وعن أوضاعنا السياسية وأحوالنا الاجتماعية ، وتقول : " أعذرني إن أبدت أسئلتي شيئا من الجهل بتاريخكم وأوضاعكم الحاضرة . فنحن ندرس عنها في مدارسنا شيئا

قليلا وهو اكثر اتصالا بالماضي منه بالحاضر . وما يصدر عن بلادكم من الكتب قليل اللهم إلا ما تنشره الصحف". وأنا ملتمس لك العذر ، فبرامج التعليم لا تسمح بالتوسع الواجب في دراسة تاريخنا الحديث ، وقيود الاحتلال والرقابة عندنا لا تبيح أن تصل إليكم أخبارنا على حقيقتها ، كما تمنع وصول ثقافتكم وكتبكم إلينا .

وتقول في رسالتك : " لست أدري كيف صارت مراكش إلى ثلاث مناطق من النفوذ الأجنبي : منطقة عالمية ، ومنطقة اسبانية ، ومنطقة فرنسية ، والكل أرض واحدة وشعب واحد وملك واحد " . والتمس لك العذر في هذا السؤال أيضا ، فتاريخ مراكش الحديث ، وتقسيمها إلى مناطق ، لا يعرفه إلا القليل ممن يعنون بشئون هذه البلاد . لذلك سأحرص على أن أجيبك عن أسئلتك ، ولي رجاء واحد هو أن تتيح لاكثر ما يمكن من إخوانك وعارفيك أن يطلعوا على هذه الرسائل ، فأضمن بذلك أنني قمت لبلادي بالدعاية الصحيحة ، وكشفت عن نواح خفية يجب أن تعلن .

إنك تستطيع أن نفد إلى منطقة طنجة من غير حاجة إلى تصريح بالدخول ؛ لأنها منطقة عالمية مفتوحة الأبواب لكل سكان العالم . ولهذا الوضع السياسي تاريخ طويل أحدثك عنه في إيجاز :

كانت طنجة اقصي نقطة في الشمال الغربي من إفريقيا وصل إليها العرب، ومنها عبروا إلى الأندلس وفتحوها، وكانت بلاد مراكش الحالية تسمى "المغرب الأقصى"، وبالرغم من أن بلاد تونس والجزائر دخلت في دائرة النفوذ العثماني وصارت تابعة لتركيا ، فإن مراكش ظلت خارج هذا النفوذ ، واستمرت تدافع عن استقلالها حتى نهاية القرن التاسع عشر .

ولقد كانت بلاد شمالى إفريقيا أقرب بلاد إسلامية إلى الأندلس ؛ فلما اشتد اضطهاد المسيحيين المسلمين قتلا وتعذيبا وتنصرا ، هاجرت آلاف الأسرات من الأندلس ، واستقرت في تونس والجزائر ومراكش . وكان نصيب مراكش منها عظيما لاسيما ميناء طنجة . وأسس أهل الأندلس مدينة تطوان في سنة ١٤٩٢ وعمروها . ولذلك نجد أسرات كثيرة في شمالي إفريقيا لا تزال محتفظة بأسمائها وألقابها الأندلسية . ونقل المسلمون من الأندلس إلى مراكش علومهم وفنونهم ، فازدهرت بهم البلاد . وإن الزائر الآن لبيوت مراكش القديمة ليجد طراز معمارها ونظامها الداخلي شبيهين بطراز قصور الحمراء ونظامها.

وقد تعرضت بلاد الغرب الأقصي لغارات الأسبان المسيحيين سنوات طويلة بعد القضاء على الإسلام في الأندلس ، وكان عليها أن تصد هذه القارات المتوالية .

وكانت طنجة ميناء هاما بين أوربا وإفريقيا ، ولها من موقعها عند مدخل مضيق جبل طارق بين البحر الأبيض والمحيط الإطلنطي ما جعلها مرسى للسفن التجارية الأجنبية ، وسوقا عظيمة للتجارة بين إفريقيا وأوربا . فاستوطنها عدد من التجار الأجانب لاسيما اليهود .

وقد تمكن البرتغاليون أثناء رحلاتهم واكتشافاتهم العظيمة في القرن الخامس عشر والسادس عشر من غزو طنجة والاستيلاء عليها سنة ١٤٧١ ، فاقتطعوها بذلك من بقية أراضي الغرب الأقصى .

ولما تزوج الملك تشارلى الثاني الإنجليزي من الأميرة كاترين البرتغالية أهدت إليه الأسرة البرتغالية الحاكمة مدينة

طنجة . وبذلك تركها البرتغاليون الدين عانوا مصاعب الدفاع عنها ضد غارات المسلمين المجاهدين . وحل محلهم الجنود البريطانيون سنة ١٦٦١ . ولكن زعماء القبائل في شمالي مراكش لم يقبلوا ان يحتل أجنبي هذا الميناء الهام ، فاستمروا يهاجمون الحامية البريطانية حتى اضطرت إلى إخلائها نهائيا بعد اثنتين وعشرين سنة من الاستيلاء عليها . وبذلك رجعت طنجة إلى حوزة مراكش . وظلت كذلك إلى سنة ١٩٠٤ ، كما سأشير إلى ذلك بعد .

ولما غزت فرنسا بلاد الجزائر سنة ١٨٣٠ ، وأعلنت أنها جزء من الأراضي الفرنسية سنة ١٨٤٨ لم يرضخ الجزائريون لهذا الاغتصاب الغاشم ، ولجا الأمير عبد القادر الجزائري برجاله المحاربين إلى مراكش ، ومن هناك كان يشن الغارات على الجيوش الفرنسية ، ويشتبك معهم في حروب بتأييد مراكش ومساعدتها . وقد اثار هذا حفيظة فرنسا فعجلت نيتها أن تغزو مراكش ، ولكنها كانت تشعر بمعارضة انجلترا لها ، لأنها كانت كذلك تطمع في مراكش . أما إسبانيا فإنها لما وجدت فرنسا قد احتلت الجزائر وتونس أغارت على شمالي مراكش . واستولت جنودها على سبته وتطوان والساحل الشمالي ( كما في الخريطة ) . ومن ذلك الوقت صار لأسبانيا منطقة نفوذ في مراكش ، وأعلنت نفسها حامية لهذه المنطقة .

أما فرنسا فقد استمرت تهدد مراكش وتحاول التدخل في شئونها ، ونجحت في سنة ١٩٠٤ في التفاهم مع انجلترا وعقد اتفاق لندن . وبمقتضاة تعهدت فرنسا ألا تتعرض لنفوذ بريطانيا في مصر ، نظير إطلاق حريتها في مرا كش . ومنذ ذلك التاريخ اعتبرت فرنسا نفسها حامية لمرا كش ما عدا الجزء الشمالى الذي احتلته إسبانيا . ولما احتجت ألمانيا على اتفاق لندن عقد مؤتمر الجزيرة (جنوبي إسبانيا ) سنة ١٩٠٦ وحضره مندوبون من معظم الدول الأوربية ، فايد المؤتمر حق فرنسا في حماية مراكش . وبذلك أخذت فرنسا توطد سلطاتها في سائر البلاد ، وتصبح الحاكمة المتصرفة المستغلة لكل المرافق .

وهنا أعود بك يا أخي إلى طنجة مرة اخري ، لأذكر أن هذه المدينة بالرغم من وقوعها داخل منطقة النفوذ الأسباني ، فإنها قد احتفظت بشيء من الحصانة التي لم تجعلها خاضعة للحماية الإسبانية . ذلك أن سلاطين مراكش قد

جعلوها منذ القرن السابع عشر مقرا لقناصل الدول الأجنبية ، كما هي الحال في جدة الآن بجزيرة العرب، ومنحوا سكانها من الأوربيين ، الذين ازدادوا عددا ، امتيازات مالية وبوليسية وصحية خاصة . فصارت بالرغم من أنها مراكشية من الناحية الرسمية دولية من الناحية الواقعية . فلما احتلت إسبانيا شمالي مراكش تركت طنجة كما كانت عليه تفاديا لمشاكل الدول ذات الامتيازات ، ولما تم اتفاق لندن سنة ١٩٠٤ قوي مركز فرنسا في طنجة ، وكانت تود أن تضعها إلى نفوذها لولا أنها خشيت إغضاب انجلترا وإسبانيا ، لأن كلا منهما كانت تريدها لنفسها .

وفي سنة ١٩١٣ بدأت فرنسا وانجلترا وإسبانيا للمفاوضة بشأن الوضع الدولى والإدارى لمنطقة طنجة ، غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون الوصول إلى نتيجة . فستانفت هذه الدول المفاوضة في سنة ١٩٢٣ وتم الاتفاق علي أن تصبح طنجة منطقة حرة عالمية ، لها إدارة مستقلة عن المنطقتين الإسبانية والفرنسية . وصار يشرف عليها مجلس مكون من أعضاء ممثلين لفرنسا وإسبانيا وانجلترا ، ثم ضم إليهم ممثل لإيطاليا سنة ١٩٢٨ . وكان للسلطان مندوب فتخلصت منه فرنسا بحجة أن لها السيادة على المنطقة

السلطانية . وإلى جانب المجلس الإداري قامت هيئة تشريعية مكونة من سبعة وعشرين عضوا ، منهم ستة من العرب فقط . ولكن سلطة المجلس الإداري هي العليا . وقد ظل هذا النظام إلى سنة ١٩٤٠ عندما سقطت فرنسا ثم إيطاليا ، فانتهزت إسبانيا الفرصة ، واحتلت طنجة وأعلنت حمايتها عليها .

وفي أكتوبر سنة ١٩٤٥ اضطرت إسبانيا إلى سحب جنودها منها . وأعيد تنظيم الإدارة على أساس اتفاق سنة ١٩٢٣ . وأصبحت الإدارة مكونة من ممثلي فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وأمريكا وروسيا والبلجيك وإيطاليا ، وأعيد مندوب السلطان . وبذلك عادت تلك المدينة المراكشية التى يسكنها مائة ألف نفس ، منها ثمانون ألفا من العرب - عادت إلى حظيرة النفوذ الأجنبي المستغل ، نفوذ الدول المتنافسة فيما بينها ، المتفقة جميعا ضد أهل البلاد الأصليين ، عادت إلى حال أصبح فيها الأجنبي هو السيد وأهل البلاد غرباء .

والآن - أيها الأخ العزيز - أكتفى في هذه الرسالة بهذا القدر . وأستأنف حديثي إليك في الرسالة القادمة . إلى اللقاء .

اشترك في نشرتنا البريدية